لماذا فشلت الثورة في السعودية؟! قراءة في طبيعة المجتمع


كتبهاغازي كشميم ، في 21 مارس 2011 الساعة: 21:01 م



يبدو أن رياح التغيير التي تهب على المنطقة و لا تكاد تستثني مجتمعاً لم تجد نافذتها الصحيحة بعد إلى المجتمع السعودي؛ ففي الوقت الذي نجحت فيه بعض الاحتجاجات في دول مختلفة نجاحاً كلياً كما في مصر وتونس -حتى الآن- أو جزئياً كما في عُمان والجزائر وغيرهما لم تجد الدعوة إلى مظاهرات ما سمي "ثورة حنين" القبول لدى الشارع السعودي بل على العكس من ذلك قوبلت بالرفض والاستنكار من قبل فئات عريضة من الشعب السعودي أو التخوف والسكوت من قبل فئات أخرى. فما العوامل المجتمعية التي أفشلت مثل هذه الثورة أو حركة الاحتجاج رغم أن بعض شروط الثورات الأخرى موجودة في أحوال المجتمع السعودي؟
بداية لا يمكن إغفال عنصر الغموض من قبل الأطراف التي وجهت هذه الدعوة وشبهات الأصابع الخارجية التي -في كل الأحوال- تجعل أي مجتمع محلي يرص صفوفه ويتجاهل خلافاته لرد أي تدخلات خارجية، لكن قبل ذلك تشرح طبيعة المجتمع السعودي ومكوناته أسباب فشل أي حركة احتجاج حتى من داخل المجتمع؛ إذ إن طبيعة المجتمع السعودي طبيعة قبلية ومن طبع القبيلة أنها تتنقل بحثاً عن مصادر الرزق والاستقرار فلما تمدنت تلك القبائل واستوطنت الحواضر وحصلت على مصدر رزقها واستقرارها كانت دوماً ضد أي تحركات أو تغييرات يمكن أن يؤثر على مصدر رزقها أو سلامة استقرارها، وحتى المدن الحضرية سواءً في الحجاز أو المنطقة الشرقية هي مشغولة بالتجارة أكثر منها بالهم السياسي أو الشأن العام، والمجتمع السعودي مجتمع مسالم وليس مجتمعاً محارباً أو ثورياً؛ فهو لم يخض حروباً أو ثورات ضد مستعمرين أو غزاة لذلك يمكن القول بأن "الإحساس الثوري" إذا صح التعبير ليس من طبيعة الشعب السعودي، كما أن أغلب الصراعات التاريخية هي صراعات قبائل، وقد نجح النظام الملكي السعودي في جمع القبائل حوله وتكوين لحمة شعبية ولو إلى حدما مع عامة الناس مما رسخ أبوة هذا النظام خاصة لدى القبائل. كما أن تركيبة النظام السعودي مما يمكن أن يطلق عليه "نظام أبوي" فعند ظهور مشكلات أو قضايا رأي عام فإن عامة الناس لا ينتظرون من الحكومة حلاً لها وفقاً لاختصاصات كل وزارة حكومية وإنما ينتظرون قراراً من الملك ينهي الجدل الدائر حولها وتمتثل كافة الجهات الرسمية وغير الرسمية به بما يشبه قرار الأب النهائي.
الجانب الاقتصادي أيضاً محرك أساسي من محركات الثورات الشعبية وفي الحالة السعودية تجد المستوى الاقتصادية الجيد الذي ينعم به عموم الشعب السعودي حتى مع ظهور مشكلات اقتصادية كالبطالة وانخفاض مستوى الدخل إلا أنها لم تصبح بعد مشكلة عميقة تهدد استقرار الأسرة السعودية؛ وفي حالة ما إذا وجد عاطلاً عن العمل في أسرة من الأسر لا بد وأن تجد لتلك الأسرة مصادر دخل أخرى كتجارة للأب أو وظيفة أو غير ذلك وبالتالي لم تصل لمرحلة تهديد الاستقرار الاجتماعي -حتى الآن-. وكذلك يمكن القول إن مشكلات سياسية واجتماعية كالفساد والظلم والبيروقراطية موجودة لكن لم تصل لما يمكن أن يسمى "النقطة الحرجة" التي ينفجر فيها الوضع. وهناك فرق بين وجود الظلم وعمق الإحساس بالظلم الذي هو سبب حصول الثورات كما نقل المفكر الموريتاني محمد الشنقيطي عن الكواكبي. كما أن عمق الإحساس بالظلم وحده أيضاً ليس كافياً إذا لم يكن هناك شعور عام بالظلم من قبل أفراد المجتمع وهذا ما لم يتوفر حتى الآن في المجتمع السعودي.
إذا انتقلنا إلى الحياة السياسية والحراك السياسي وكافة أشكال الممارسة السياسية فإنه إذا أمكن القول بأن الحياة السياسية في بلدان مثل مصر وتونس قد أصيبت بالشلل أو الموت السريري –قبل ثورتيهما- فإنها في السعودية تكاد تكون معدومة إذ لا يوجد أي شكل- فضلاً عن الروح- من أشكال الحياة السياسية العامة التي يعبر فيها الأفراد والجماعات عن آرائهم وبرامجهم أو التي يمكن أن يلجأ إليها المجتمع إذا اختلف مع سياسات الحكومة غير التعاطي عبر وسائل الإعلام وعلى نطاقات معينة، لذلك فالخبرة السياسية للنخب ضعيفة لغياب مؤسسات المجتمع المدني التي وإن لم تكن فاعلة بما فيه الكفاية في مصر وتونس إلا أنها أبقت على رمق أخير كان له إسهامه في ثورتيهما كما حصل مع اتحاد الشغل في تونس وبعض الحركات والتجمعات الاحتجاجية في مصر. أما النخب فلاينكر أن بعضاً منها لديه رؤى إصلاحية وأطروحات متقدمة وبعضها قدم حريته ثمناً لأطروحاته إلا أنها لم تصل بعد إلى تكتيكات تضمن لها تحقيق مطالبها كما أنها – في العموم- غير جادة لتحقيق تلك المكاسب أو ليس لديها الاستعداد للتضحية من أجلها ولعل أبرز مثال على ذلك هو تخلي تلك النخب عن شخصيات قيدت للسجون من أجل تقديمها مطالب إصلاحية لم تدافع عنهم أوتتبنى خطاباً مشتركاً إزاءهم رغم أن المطالب تكاد تكون متقاربة، إضافةً إلى ذلك فإن النخب السعودية المطالبة بالإصلاح والتغيير فشلت في إيصال- فضلاً عن إقناع- عامة المجتمع السعودي بتلك المطالب وجعلها مطالب شعبية ورأياً عاماً بل بقيت تلك المطالب أسيرة الصالونات والديوانيات الثقافية والآن ربما المجموعات البريدية على الانترنت.
ومن العوامل الرئيسية التي لعبت دوراً مهماً في إفشال أي حركة احتجاج أو مطالبة مايلعبه التيار الديني في فتاواه وبياناته وعبر منابره المختلفة التي ربطت بين أي مطالب وبين الخروج على الحاكم معتمداً في ذلك على طبيعة التمسك القوي لدى الناس بالدين وتعلقهم بأحكام الشريعة.
هذه الأسباب في نظري أهم ما يمكن أن توأد به أي حركة احتجاج أو مطالب في المملكة العربية السعودية وفي نظري يبقى المعول الرئيس على المجموعات الشبابية خاصة المبتعثة منها ورغبتها أولاً ثم قدرتها على إحداث اختراقات في البنية الاجتماعية والسياسية للمجتمع.
 

ليصلك كل جديد عنا ولنكون علي اتصال