فرحانة: "أوسلو" أشغلت فريق التسوية واستفردت بفريق المقاومة


http://www.al-madina.com/node/429023/risala


حوار: غازي كشميم - جدة
الجمعة 25/01/2013

كانت وما زالت وستبقى القضية الفلسطينية المركز والموجه لكثير من السياسات والصراعات وكسب النفوذ الإقليمي والدولي، ورغم أن صوت القضية يضيع أحيانًا وسط ضجيج قضايا أخرى إلا أنها لا تلبث أن تعود ثانية إلى محور الاهتمام العربي والإسلامي والدولي، وفي هذا الحوار نسلط الضوء على أبرز مستجدات القضية الفلسطينية وحولها صخب الربيع العربي، وغبار العدوان الإسرائيلي على غزة ونحاول فهم تأثير هذه المتغيرات على مسار القضية الفلسطينية والقضية المقدسية، ونستشرف مسارات اتجاهها مع عبدالرحمن فرحانة.. في هذا الحوار: 

 الربيع العربي أتى بالإسلاميين على سدة الحكم مما سمح لقوى المقاومة أن تجد دعمًا وسندًا لها خاصة في غزة، كيف لو تبدل الحال باللعبة الديمقراطية وأتت بلاعبين غير إسلاميين، هل سيعيد هذا الخناق على قوى المقاومة مرة أخرى لا سيما من ناحية مصر؟.

الربيع العربي متغير استراتيجي كبير في المنطقة العربية، وقد وصفه وزير الدفاع الأمريكي السابق "روبرت غيتس" أنه أهم متغير في المنطقة منذ أفول الدولة العثمانية في القرن الماضي، وتعود أهميته أن يأتي كإرهاصات لمرحلة استفاقة حضارية من حالة الغيبوبة العربية التي امتدت لعقود طويلة، باتجاه مسار جديد، يتأسس على قاعدة الديمقراطية والتنمية، وهما توابل النهضة الحديثة وقوامها.

ولو قرأنا السياق التاريخي الحديث لمنطقتنا العربية لموضعة الثورات الحالية في متنه، فسنكتشف أنها أهم محطة في تاريخها بعد خلاصها من الاستعمار الغربي المباشر، وإذا كانت ثورات التحرر الوطني في القرن الماضي خلّصت المنطقة من الاستعمار الغربي المباشر، فإن ثورات الربيع العربي الحالية ستحرر إرادة شعوب المنطقة من الاستبداد الذي كبل إرادة الشعوب، وعمل على وأد نهضتها.

وإذا جاء الربيع العربي بالإسلاميين فذلك لاتكائهم في مشروعهم الثقافي على الهوية، ولكونهم قاوموا الاحتلال الخارجي، وقارعوا الاستبداد، وأعتقد أن الإسلاميين مع غيرهم نجحوا في وضع المفردات الثلاث على أجندة الشعوب، وغدت من أبجديات فضائها السياسي والثقافي.

وفي ضوء ذلك، فسواء بقي الإسلاميون في الحكم أم رحلوا عنه، في مصر أو في غيرها، فلن تتمكن أي طبقة سياسية من حكم الشعوب في المناخ الجديد إلا وفق إرادة الأخيرة، لأن المعادلة تغيرت، فأصبح للشعوب رأيها الذي ينبغي أن يطاع من قبل حكامها، والشعوب ترغب بالمقاومة، لأنها احدى تجليات الكرامة التي أصبحت بندا رئيسًا على جدول الأعمال الذي فرضه الربيع العربي.

وبالتالي فحتى لو نزل الإسلاميون عن سدة الحكم في مصر -ومفهوم تداول السلطة يلزم افتراض ذلك-، فلن تشكل القوى الأخرى بديلًا قويًا ومتفردا، وسيبقى تأثير الإسلاميين على الحكم البديل بالغا، وعلى الشعب المصري كذلك، وهكذا سيظل إسناد المقاومة قائما، سواء كان الإسلاميون في الحكم أو في المعارضة، مع التأكيد أن المقاومة مطلب لمعظم القوى السياسية في المجتمعات العربية.

ولكن في تقديري أن من مصلحة المقاومة ومستقبل المنطقة كذلك؛ أن تدار المرحلة الانتقالية الحالية للربيع العربي في مصر وغيرها من دول الربيع العربي على قاعدة الشراكة بين قوى الثورة، وفي إطار خطاب قومي جامع، لأن التنازع الحالي بين قوى الثورة سيتيح الفرصة للعامل الخارجي ولقوى الشد العكسي الداخلية أن تقوض مخرجات الربيع العربي.

 الانقسام الحاصل في فلسطين هو انعكاس لتباين رؤيتين متغايرتين تمامًا، أين يمكن أن تلتقي الرؤيتان؟ ما ملامح المشروع الوطني الجديد الذي تطرحه قوى المقاومة آخذة في الاعتبار الحسابات الإقليمية والدولية؟

فلسفة أوسلو قامت على أطروحة للمفكر الاستراتيجي الصهيوني "ياحوشفات هاركابي"، ومفادها أن الذهنية العربية تستجيب للتحدي ويصعب هزيمتها، ولكنها قابلة للاختراق عبر التفاوض، وحين طبق "رابين" الفكرة استطاع أن يقسم الفلسطينيين إلى ضفتين، فريق تسوية، وفريق مقاومة، فأشغل فريق التسوية بالتفاوض، واستفرد بفريق المقاومة، وفي الوقت ذاته ضربهما ببعضهما البعض.

آن الأوان أن يتعمق الإدراك الفلسطيني لهذه الحقيقة، كي يتسنى للفلسطينيين الخروج من هذا الفخ الصهيوني، فالانقسام فتح فرصة استراتيجية للاحتلال كي يلتهم الأرض في الضفة الغربية بالاستيطان، وبتهويد القدس والمسجد الأقصى المبارك، وبوتائر غير مسبوقة.

وفي تقديري رغم اتساع الشقة داخل الحركة الوطنية الفلسطينية وتباين الرؤى، إلا أن الضرورة الوطنية تقتضي أن تتلاقى أطراف المعادلة الفلسطينية على استراتيجية وطنية موحدة تتضمن الآتي:

- التوافق على منهج عمل القيادة الفلسطينية، وآليات فرزها، على قاعدة الشراكة، ووفق أسس ديمقراطية.

- مراجعة المواقف تجاه العناوين الخلافية والتوافق بشأنها على قواسم مشتركة كالتسوية والمقاومة والسلطة.

- الاتفاق على منظومة الثوابت الفلسطينية، والتزامها كمعايير ثابتة للعمل الوطني.

- التوافق على استراتيجية وطنية فلسطينية موحدة.

- تعزيز الوحدة الوطنية بالمصالحة، وتفعيل دور الظهير العربي، في ضوء متغيرات الربيع العربي.

- تحييد استراتيجية دولة الاحتلال المعادية.

- توحيد الخطابين السياسي والإعلامي.

- حشد حركة التضامن الدولية لدعم الشعب الفلسطيني، ولنزع الشرعية عن دولة الاحتلال.



المقاومة الشعبية

 يوجه البعض انتقادا إلى المقاومة المسلحة على أن تكاليفها أكبر من نتائجها، ويطرح بدلًا من ذلك المقاومة الشعبية المدنية، كما في نموذج نيلسون مانديلا والمهاتما غاندي، ما رأيك بهذا الطرح؟

لا أعتقد بجدوى المقاومة الشعبية المدنية منفردة في الحالة الفلسطينية، ولكن من الممكن أن تكون احدى أدوات المقاومة في مرحلة معينة، وفي سياق تصعيد وطني يصل إلى مرحلة المقاومة المسلحة، كما جرى في انتفاضة الأقصى الماضية التي صنفها الأمن الصهيوني حينذاك على أنها تهديد استراتيجي لدولة الاحتلال، لولا اتفاقية أوسلو التي امتصت كل مخرجاتها الإيجابية.

وحول الجدوى والكلف بين المقاومتين، فلننظر إلى حجم تأثيرات الاحتجاجات الشعبية ضد جدار الفصل في الضفة الغربية، فهل أوقفته؟ إنها أقصى ما أنتجته هو تعديل مسار الجدار في حالات محدودة.

وعلى صعيد مسار التفاوض، فمنذ عشرين عامًا لم تخضع دولة الاحتلال للطرف الفلسطيني، ولو لمرة واحدة، بل على العكس ظل المفاوض الفلسطيني في حالة استجداء دائمة، ودون جدوى، بينما في العدوان الأخير على غزة، وحينما ضربت صواريخ المقاومة عمق الجبهة الداخلية لدولة الاحتلال اضطرت القيادة الصهيونية أن تنزل على شروط المقاومة لبدء التهدئة، وفي المحصلة انكسرت هيبة الردع للجيش الصهيوني، وانتصرت المقاومة سياسيا.

وخبرة التاريخ تؤكد أن أي احتلال لا يتأثر إلى إذا ازدادت تكاليفه، وغدا غير قادر على تحملها، وفي الحالة الفلسطينية لا أظن أن المقاومة الشعبية وحدها تشكل كلفة باهظة ترغم الاحتلال للخضوع للإرادة الفلسطينية.

 في ظل تراجع دور أمريكا عالميًا -وإن كانت ستظل قوة عظمى لحين-، وتغيرات الربيع العربي، وانخفاض مستوى الدعم الإيراني -إن صح ذلك-، وتغيّب الدور السوري حتى تنقضي الثورة هناك وما ستحمله من متغيرات، كيف ترى مستقبل التحالفات الإقليمية والدولية في ظل كل ذلك؟

تنسيق السياسات بين أنقرة والقاهرة أثناء العدوان على غزة والدعم القطري المرافق لهما والداعم بجملته للمقاومة الفلسطينية سياسيا، أنبأ عن تحولات في المواقع الجيوسياسية للدول المركزية في الإقليم، فالصورة الإقليمية أثناء الحرب أبرزت الدورين المصري والتركي وكذلك القطري، بينما غاب الدوران الإيراني والسوري، وهي مؤشرات لافته، قد تعطي إضاءة على صورة الإقليم مستقبلا.

وفي الأفق مسألتان لهما تأثير على شكل الإقليم وتحالفاته الداخلية، وعلى درجة انعكاسها على المدى الدولي، الأولى: مدى تسارع نزول الخط البياني للنفوذ الأمريكي في المنطقة بسب هزائمها في العراق وأفغانستان، فضلًا عن أزمتها المالية، والمسألة الثانية: مدى جودة المخرجات السياسية التي ستعقب الربيع العربي؟.

وفي ضوء التوقعات الراهنة حتى الآن، تنبئ المعطيات أن نفوذ واشنطن يزداد ضعفًا في المنطقة، إلى درجة فقدان السيطرة في بعض الحالات، كما أن الربيع العربي يتقدم بخطوات لا بأس بها رغم المرحلة الانتقالية الحالية المضطربة، وفيما لو استمرت المؤشرات باتجاهها الحالي، بمعنى زيادة تراجع النفوذ الأمريكي، وتعاظم المخرجات الايجابية للربيع العربي، فإن واشنطن ستضطر في نهاية المطاف إلى مراجعة جذرية لسياستها من أجل المحافظة على مصالحها في المنطقة، مما سيؤثر على مكانة دولة "إسرائيل" سلبًا وبشكل كبير، وبالتالي ستتغير صورة الإقليم المستقبلية، وسينعكس ذلك على علاقاته الدولية بكل تأكيد.

 الصراع الدائر في غزة بين المقاومة والاحتلال، والتنافس السياسي بكل أشكاله بين القوى الفلسطينية، ألا ترى أنه غيب القضية المقدسية وما تواجهه من تهويد في ظل تغييب إعلامي، وتجاهل عربي؟ كيف يمكن الإبقاء على القضية المقدسية حية كأولوية فلسطينية وعربية؟

لا شك أن الانقسام الفلسطيني أثر سلبًا على الملف الفلسطيني برمته، ومن ضمنه قضية القدس، فوتيرة التهويد فيها تعالت لوتائر غير مسبوقة، والمسجد الأقصى المبارك تم تقسيمه الآن للصلاة فيه بين المسلمين واليهود زمانيًا، وتتحين الحركات الدينية اليهودية المتطرفة الفرصة لتنفيذ تقسيمه جغرافيا.

أما بشأن إحياء قضية القدس، فلا أعتقد أن هناك مسارًا سوى التوافق الوطني الفلسطيني عبر إنجاز المصالحة للتوصل إلى استراتيجية فلسطينية موحدة لإدارة الصراع مع دولة الاحتلال، ومن ضمن ذلك ملف القدس المحتلة، ومن ثم التنسيق مع المستوى العربي وبالذات النظم التي أفرزها الربيع العربي للتوصل إلى استراتيجية مشتركة لدعم قضية فلسطين، وإدارة الصراع مع عدو الأمة الأول "إسرائيل".

• رأيك في الخطوة الأخيرة التي قامت بها السلطة الفلسطينية من إصدار جوازات سفر للفلسطينيين، واثار تلك القرارات على اللاجئين الفلسطيين؟

أعتقد أن السلطة الفلسطينية غير قادرة على إصدار جوازات سفر فلسطينية جديدة تحمل اسم الدولة الفلسطينية، لأن المعابر بيد دولة الاحتلال، وهي ترفض هذا الإجراء حاليًا من قبل السلطة، وقد أصدر مكتب نتانياهو بيانًا عارض فيه نية السلطة القيام بهكذا إجراء، وفي حال تمكنت السلطة من إصدار هذه الجوازات الجديدة، فيمكن للاجئين الفلسطينيين نظريا من الحصول عليها بحسب بعض الفتاوى القانونية، حتى وإن كانوا خارج فلسطين، ولكني لا أعتقد أن الخطوة سيكون لها آثار ملموسة على الصعيدين القانوني والسياسي فيما يتعلق بوضع اللاجئين الفلسطينيين؛ لأن أوراق القوة القانونية لا يمكن تفعيلها بلا إرادة سياسية قوية، وبدون توافر استراتيجية سياسية متماسكة، وأدوات قوة ضاغطة، وفي تصوري المشهد الفلسطيني يخلو من ذلك.

• الانتخابات الإسرائيلية وسيناريوهات تداعياتها على الوضع الفلسطيني الداخلي والإقليمي والدولي.

تشير معظم استطلاعات الرأي داخل دولة الاحتلال أن فرص فوز اليمين الصهيوني كبيرة، ويلاحظ أن المؤشرات تؤكد ثبات الخارطة السياسية "الإسرائيلية" الكلية إلى حد كبير لصالح اليمين، وجل التغيرات الجارية تحدث داخل خارطة اليمين، أما خارطة الوسط واليسار فهي على حالها، مع تغير طفيف.

المعطيات الآنفة تنبئ أن الخط السياسي للدولة العبرية لن يتغير، وبالتالي ستبقى حملة الاستيطان مستعرة في الضفة الغربية، وستتسع خطوات تهويد القدس والمسجد الأقصى المبارك، في ظل تزايد حتى حجم اليمين المتطرف داخل خارطة اليمين الصهيوني، إذ الاستطلاعات تظهر أن حزب "البيت اليهودي" المتطرف سيصبح في المكانة الثالثة بعد الليكود بيتنا وحزب العمل.

على الصعيد الدولي والإقليمي من المتوقع أن يبقى أفق التسوية مغلقًا مع بعض المبادرات المتوقعة التي لا تعدو كونها تحركات في ذات المربع، وفي إطار ذلك من المحتمل أن تدفع دول الاتحاد الأوروبي باتجاه خطوات لتحريك مسار التسوية في الربيع القادم، للإيحاء بأن عملية التسوية على قيد الحياة، ولتنفيس حالة الاحتقان الراهنة في الأراضي الفلسطينية والتخوفات المرافقة من انفجار انتفاضة ثالثة، ولامتصاص شحنة الثقة التي أعقبت انتصار المقاومة في العدوان الأخير على غزة.

ولكن هذا المسعى لن يكتب له النجاح بدون دعم إدارة أوباما الجديدة، التي لم تتشكل توجهاتها النهائية تجاه المنطقة بعد، وإن رشح ما يشير أن أوباما قد يدعم المسعى الأوروبي، وفي تقديري أن الإدارة الأمريكية عاجزة عن فرض ضغط على الحكومة اليمينية المقبلة لتحقيق متطلبات التسوية، حتى وإن كانت هذه الحكومة مطعمة بكتل من الوسط واليسار.

ولهذا كله؛ ستظل عملية التسوية بلا أفق وبدون نتائج حقيقية، وفي إطار استراتيجية إدارة الصراع لا حله، نظرًا لوجود اليمين الصهيوني على الضفة "الإسرائيلية" الذي لن يمنح في أي تسوية محتملة سوى الفتات للفلسطينيين، ولأن القيادة الفلسطينية في الوقت ذاته غير قادرة -حتى وإن أرادت- على تسويق حل سياسي مسقوف برؤية اليمين الصهيوني.

وبشأن الربيع العربي، من المرجح أن تثبت السياسة "الإسرائيلية" المقبلة على حالها، متكئة على الاستراتيجية الحالية المركبة التي تتضمن عناصر من أبرزها: شيطنة الإسلامييين في الغرب، ودفع الدول الغربية للضغط على حكوماتهم الجديدة، والمشاركة مع الغرب كذلك في محاولة إفشالهم أو ترويضهم، وفي أقل تقدير الضغط على حكوماتهم الوليدة لخفض سقفها تجاه الصراع العربي "الإسرائيلي"، بمعنى المحافظة على اتفاقيات السلام القائمة، وعدم التعرض لها.
 

ليصلك كل جديد عنا ولنكون علي اتصال