أين موقع القضايا الفكرية والدينية في خطاب الأندية الأدبية؟

استطلاع: غازي كشميم
الجمعة 07/03/2014



تمثل الأندية الأدبية والثقافية إحدى المؤسسات المدنية التي يعول عليها ترسيخ قيم التنوع الثقافي والفكري في المجتمع، كما يعول عليها المساهمة في تنوير ودعم مختلف الفنون الأدبية والثقافية والفكرية المختلفة بكل أطيافها وتعدداتها المختلفة. فهل فعلًا أسهمت الأندية الأدبية في لعب هذا الدور الثقافي الريادي؟ وما حقيقة الاتهامات التي توجه لها في اقتصار أنشطتها على فنون أدبية محددة أم مدارس فكرية معينة؟ (المدينة) طرحت (مساحة الجوانب الفكرية والإسلامية في خطاب الأندية الأدبية) للنقاش من خلال التحقيق التالي:

قال رئيس النادي الأدبي الثقافي بجدة الدكتور عبدالله السلمي إن أي حكم على الأندية الأدبية ينبغي أن ينطلق من دراسة استقرائية لبرامج الأندية المختلفة والمنفذة، وأضاف السلمي أن الأندية الأدبية ليست منبرًا دينيًا كما أنها ليست منبرًا نخبويًا خالصًا، وإنما هي مكان لاكتشاف المواهب وتنمية إبداعاتها ورعايتها، وأشار السلمي إلى أن الأندية الأدبية في الوقت الحالي تجاوزت المنابر القولية إلى برامج أكثر تغلغلًا في المجتمع وتأثيرًا فيه وجذبًا للشباب، سواءً فيما ينمي جوانب القراءة عندهم من خلال المسابقات أو من خلال الجوانب الشعرية، وعقد دورات في التخصصات الأدبية وبعض المهارات الإبداعية. وأكد السلمي أن النوادي الأدبية لا تقتصر أنشطتها على البرامج الأدبية فقط وإنما تشمل مختلف الجوانب الثقافية، موضحًا أن الأندية الأدبية تسير باعتدال في تناولها للموضوعات المختلفة ولا تهمش جانبًا، بل تستحضر دورها الثقافي والنخبوي أيضًا، كما تستحضر متطلبات الشباب وتحديات المرحلة، وتقدم برامج متنوعة، وكشف السلمي أنه على مدى السبع سنوات الماضية ونادي جدة يفتتح برامجه بمحاضرة ذات طابع فكري. وعن مدى وجود الخطاب الإسلامي أو ما يسمى «الأدب الإسلامي» قال السلمي: إنه لا يسلم بوجود «أدب إسلامي» و»أدب غير إسلامي»، لأن عملية التمييز بين الخطابين هي عملية جدلية لا فائدة منها، موضحًا أن النظر يكون للإنتاج الإبداعي ذاته. وأوضح السلمي أن كل إبداع يخرج من بلادنا ينبغي أن يكون إسلاميًا بمعنى بناء الفكر وتنمية القيم وتعزيز الانتماء للهوية الإسلامية والعربية والوطنية، وهو بذلك يحقق هدفًا إسلاميًا ساميًا، مؤكدًا أن النظرة تكون للأدب وليست لمنتجه. وأكد السلمي أن الأندية الأدبية لم تهمش هذا الجانب أو تنحيه من مناشطها بل بالعكس فإن الشعراء عندما يأتون إلينا لا يحدد لهم ما يقولون، مستدلًا بمن مر على النادي من شعراء أصحاب هموم وطنية وإسلامية وعربية، كما أن بعض الأندية الأدبية استضافت رائد صلاح وهو شخصية إسلامية معروفة، كما أنها استضافت علماء ومفكرين آخرين، وأشار السلمي إلى أن نادي جدة الأدبي استضاف الشاعر عمر أبو ريشة منذ ثلاثين عامًا وما زالت قناة النادي تبث كثيرًا من قصائده. وألمح السلمي أن هذه الانتقادات التي توجه للأندية الأدبية هي قراءة انطباعية أكثر منها دراسة علمية واعية ومتثبتة.
يريدونها أكاديمية
من جهته قال رئيس تحرير مجلة الأهلة وعضو مجلس إدارة نادي مكة الثقافي الأدبي سابقًا نبيل خياط: إن الحديث عن دور الأندية الأدبية في نشر الفكر الإسلامي المعتدل يستلزم الإشارة إلى رسالة الأندية الأدبية التي حددتها نخب المفكرين والأدباء الرواد الذين قامت بدعواتهم، ورغباتهم وجهودهم تلك الأندية، وضرب خياط مثلًا برسالة نادي مكة الثقافي الأدبي التي حدد ملامحها، ووضع أهدافها مؤسسو النادي الثلاثة: أحمد السباعي، إبراهيم فودة، محمد حسن فقي، رحمهم الله، والتي جاء فيها أن رسالة (نادي مكة الثقافي الأدبي) هي إثراء الجانب الفكري والأدبي في المجتمع السعودي أولًا، والمشاركة في المجالات العامة داخليًا وخارجيًا في نشر العلم والمعرفة، لأن مهمة النادي ليست رعاية قطاع معين دون آخر، فالكل يقف تحت مظلة الثقافة، ويؤكد خياط أن هذا المفهوم الواعي هو الذي قامت عليه الأندية الأدبية الرائدة، وقد استمرت هذه الأندية على أداء هذا الدور لأكثر من ثلاثة عقود من الزمن، تستمد قوتها وهيبتها وتأثيرها من مكانة القائمين عليها وما يتحلون به من رؤى عميقة، وفكر مستنير ووطنية صادقة بعيدة عن الأنا. وكشف خياط عن أن هذه الأندية، ولعدم وجود لوائح منظمة وصارمة لها، تحدد دورها وأهدافها، اختطفت من الأكاديميين المختصين باللغة العربية، ليختزلوا رسالتها بخدمة القضايا التي تهمهم من دراسات وأبحاث، وإبداعات حداثية التوجه، لإعطاء أنفسهم المزيد من الخصوصية، وليستمروا في هذا المسار، وأوضح خياط أن العضوية العاملة في النادي مقتصرة على خريجي اللغة العربية، وكأن النادي أصبح تابعًا لكلية اللغة العربية على حد وصفه، مبينًا أن وزارة الثقافة والإعلام لاهية عنهم. وتساءل خياط كيف للفكر الإسلامي، والدور التنويري أن تقوم به الأندية الثقافية،وهم يصرون أن تكون أدبية، وأكاديمية فقط.
تجاوزنا الصراع
من جانبه أوضح رئيس نادي مكة الثقافي الأدبي الدكتور حامد الربيعي أنه في حالة الحديث عن مساحة الأنشطة الأدبية أو الثقافية في مختلف الأندية يجب أن نأخذ في الحسبان مسميات الأندية حيث يتسمى بعضها بـ «الأندية الأدبية»، وبعضها بـ «الأندية الأدبية الثقافية»، وأشار الربيعي إلى أن الأندية التي تسمت بالأدبية من حقها أن تحتفظ بفعاليات أدبية فقط، ولا أعتقد أن أحدًا يستطيع أن يفرض عليها أنشطة أخرى؛ لأن مجالات الثقافة سواءً الدينية أو الفكرية الأخرى لها مؤسساتها وجمعياتها الخاصة، أما الأندية الثقافية فينبغي أن تنعكس هذه التسمية على أنشطتها وأن تعطي نسبة من الفعاليات للشأن العام، وللثقافة بمفهومها الشمولي، سواءً على مستوى الأنشطة المنبرية أو الإصدارات، وأوضح الربيعي أن إعطاء مساحات واسعة للأدب بفنونه المختلفة في الأندية الثقافية الأدبية لا يمثل إشكالية؛ لأن الأدب محروم من المؤسسات أو الجمعيات، وعندما تقتصر الأندية الأدبية على الأدب فلا أظن أن ذلك كثير على الأدب. وعن تغييب مدارس أدبية وتغليب مدارس أخرى عليها قال الربيعي: إن هذه حالات فردية ولا يجوز تعميم هذه الحالات على الأندية، وأضاف الربيعي أن الأندية الأدبية تجاوزت جدلية الحداثة والتراث منذ زمن، مؤكدًا أن الساحة الآن تتسع للجميع، بما في ذلك الطرح التراثي أو الإسلامي والتوعوي وغير ذلك من الأطروحات، وأشار الربيعي إلى أن التنوع ثراء للمعرفة والأدب، كما أشار الربيعي إلى أنه ليس هناك ما يمنع أن يتبنى ناد من الأندية مدرسة أدبية أو ثقافية محددة لأن ذلك يمثل إثراء للساحة الأدبية من وجهة نظره، كما أن من تميز الأندية الأدبية أن تتعدد اهتماماتها الأمر الذي سينعكس على المشهد الأدبي حيوية وثراءً، كما أشار الربيعي إلى أنه من حق أي نادٍ أدبي أن يكثف برامجه في أي فن من الفنون لأن ذلك سيساهم في تنمية الجوانب الأدبية المختلفة، كما أنه سيجعل لكل نادٍ شخصية مستقلة، ولا يمكن أن تكون الأندية الأدبية نسخة من بعضها. وقال الربيعي: إن اهتمام بعض الأندية بالرواية مثلًا في ملتقياتها السنوية لا يعني أن هذا النادي غير متعدد الاهتمامات، أو أنه لا يتناول باقي الفنون الأدبية. وأوضح رئيس نادي مكة الثقافي الأدبي أن نادي مكة يستثمر اسم مكة استثمارًا جيدًا، مشيرًا إلى أن برامج النادي تحرص على خدمة مكة وثقافتها وأدبها ابتداءً من الاسم ومرورًا بالمشاعر المقدسة والموروث الفني والثقافي المكي إضافة إلى الجوانب الدينية. وكشف الربيعي أن خطة نادي مكة توزع بالنسب على مختلف الجوانب الأدبية والثقافية، مؤكدًا أن برامج النادي اهتمت بمكة مكانًا ومكانة، كما اهتمت بها كمرجع ديني ومالها من خصوصية دينية، إلى جانب مشاركة النادي في الجوانب الأدبية المختلفة كما هو حال باقي الأندية، ولا يجب أن نقصر أنشطة النادي على الجوانب الثقافية لمكة بمنأى عن الجوانب الأدبية التي كان لمكة دور فيها ريادتها كالشعر والمسرح وغيرهما. وأوضح الربيعي أن الملتقى السنوي لنادي مكة عنوانه العريض (خطابنا الثقافي) حيث يأخذ النادي في كل عام خطابًا من الخطابات المختلفة ويناقشه ويحلله. وأكد الربيعي أن الأندية الأدبية في ثراء كبير جدًا على عكس ما يروج له من اقتصارها على فنون معينة أو خطابات محددة.
الفزيع: الأندية أدبية لا دينية ومن يرد الدينية يتوجه للمؤسسات المتخصصة
وفي تعليق له قال الأديب والكاتب خليل الفزيع: إن اتهام الأندية الأدبية باقتصار فعالياتها وخطابها على بعض الفنون وإهمال القضايا الفكرية والثقافية بشكل عام اتهام في غير محله، موضحًا أن الأندية الأدبية في هذا الأمر ليست سواءً، لكن الملاحظ أن جميع الأندية الأدبية لم تقصر نشاطها ولا إصداراتها على الفنون الأدبية فقط، بل اهتمت كذلك بالقضايا الفكرية والثقافية العامة، وأشار الفزيع إلى أن مراجعة متأنية لقوائم إصدارات الأندية الأدبية وكذلك أنشطتها المنبرية توضح أن هذه القضايا كانت دائمًا محل اهتمام هذه الأندية، وإن كان ذلك متفاوتًا بين ناد وآخر، مشيرًا إلى أن بعض الأندية تلام لأنها تتناول موضوعات لا علاقة لها بالأدب، كقضايا المجتمع والاقتصاد والتراث والفنون، وليس هناك ما يعطي الانطباع بأنها مقصرة في هذا الأمر رغم اختصاصها بالأدب. وعن غياب الخطاب الديني / الإسلامي في الأندية الأدبية قال الفزيع: إن علينا أن نعترف أولًا أن هذه الأندية أدبية وليست دينية، ومن يريد الاستفادة في الأمور الدينية سيتوجه حتمًا للمؤسسات المتخصصة في هذا الأمر، مبينًا أن مهمة الأندية الأدبية الأولى هي الاهتمام بشؤون الأدب، ومع ذلك يمكن القول: إن إصدارات الأندية الأدبية وأنشطتها المختلفة تنطلق أساسًا من منظور إسلامي، فهي جزء من منظومة الحراك الإسلامي الذي ينتظم تحت لوائه ليس الحراك الأدبي والثقافي فقط، بل جميع أوجه النشاط في بلادنا وفي كل المؤسسات الرسمية والأهلية، وأضاف الفزيع أن هذه منظومة يتشرف بالانتماء إليها كل المواطنين دون استثناء، ومن الطبيعي أن يكون الطرح في هذا المجال غير مباشر بالنسبة للأدب، كاشفًا أن هذا هو حال الأدب خاصة والإبداع عامة، الذي يتجنب المباشرة في الخطاب في كل أطروحاته على اختلاف ألوان الإبداع وأشكاله. وقال الفزيع: إنه لا يجد تفسيرًا لاتهام الأندية الأدبية باقتصار أنشطتها وإنتاجها على المدارس الحداثية، فالتجديد مطلوب في كل خطاب بما في ذلك الخطاب الديني.

http://www.al-madina.com/node/516101?risala
 

ليصلك كل جديد عنا ولنكون علي اتصال