لماذا يسقط الاستبداد


كتبهاغازي كشميم ، في 22 يناير 2011 الساعة: 16:41 م


ما حصل في تونس يبعث على العجب والإعجاب في نفس الوقت… العجب من أن شعباً مورست عليه صنوف الإذلال والإرهاب ثم في لحظة ومن غير مقدمات واضحة للعيان يهب وينتفض على جلاده بل ويطيح به وهو الذي كان يخشى ذكره ولو بكلمة! والإعجاب لأنه استفاق من غيبوبته ولم يسمح لتمدد الزمن أن يطبِع معه خلق الخوف والجبن والانكسار.
ورغم الإيمان بأن ما حصل في تونس هو جريان لسنة الله في الظلم والظالمين التي لا تتبدل ولا تتحول مع مرور الزمن إلا أن سبر غور النفسية الجماهيرية أو الشعبية يغري بمزيد من التأمل والتفكر في طبيعة جريان هذه السنة الإلهية.
طبيعة الإنسان هي هي منذ خلقه ربه يسعى للحرية ويطمح للعيش بكرامة، وهو حين تتوفر فيه الإرادة في اللحظة المناسبة فلابد أن يحصل على مايريد.
إن تأملاً ولو كان بسيطاً ومتكرراً في حياتنا الاعتيادية يمكن أن يدلنا على ما حصل لشعب بأكمله؛ فأحدنا لايستطيع أن يجبر ابنه على فعل شيء ما لا يريده، ولو أن الابن لجأ إلى العناد و"العصيان المدني" وعدم تنفيذ إرادة الأب لن يستطيع الأب إجباره على فعل ما… قد يرهبه أو يحرمه مصروفاً أو "لقمة عيشه"، قد يصرخ في وجهه ويسكته ويمنعه من التعبير والكلام و"حرية الرأي" لكنه ما إن يجد الفرصة أو يكبر حتى يتمرد وينفر من أبيه ويعمل ما يحلو له، كذلك الشعوب في نفسيتها العامة لا يمكن أن يجبرها الحاكم على فعل شيء أبد الدهر، لأن الشعب يحمل بين جنباته كره الظالم والرغبة في التخلص منه، وإن لم يستطع الإفصاح عنها، ولأنه يدرك في قرارة شعوره زيف الظالم وكذبه وخداعه وإن أوهم الشعب نفسه خلاف ذلك. لذلك فكل ما يحتاجه الشعب لتغيير الظالم هو زيادة استبداده وزيفه حتى يبلغ مدى لا يستطيع الناس تحمله فإذا ما بلغ الظلم قوته والاستبداد منتهاه كانت تلك اللحظة هي قمة ضعفه وبداية نهايته. ولن تحتاج الشعوب بعد ذلك أكثر من لحظة يتفجر فيها ما أخفته طول فترة قمعها. وقصة موسى عليه السلام مع بني إسرائيل حين تخلوا في لحظة واحدة عن فرعون وملائه خير شاهد على صيرورة الظلم والاستبداد.
لكن ملمحاً آخر يلوح للناظر والمتأمل وهو سرعة سقوط ذلك النظام رغم ما يملك من حرس وعتاد ومال وحاشية وجوقة نفاق كانوا يحرسونه ويمثلون له الأمان فيما يبدو له، كيف تساقطوا وتخلوا عن زعيمهم في لحظة واحدة؟
إن ما يربط هؤلاء بالاستبداد ليس عقيدة ما أو أيديلوجية معينة أو فكرة يتوحدون معها وتتملك عليهم نفوسهم حتى يموتوا دونها، وإنما يربطهم بالاستبداد مصالح شخصية وأهواء ومطامع يتخلون من أجلها عن أي قريب أو حبيب. وهم إذ يرون مستعبِدِهم خائفاً متردداً يتبدى لهم حقيقة ضعفه وعجزه ويعلمون أنه أضعف من أن يحمي نفسه فضلاً عن أن يحميهم.
هو درس تاريخي إذن ما فتئ يتجلى في الحياة بكل صورها وأشكالها… أن الإرادة البشرية متى ما تحركت وبادرت لا يمكن أن يقف في وجهها أي شيء وأي إنسان مهما كان.
 

ليصلك كل جديد عنا ولنكون علي اتصال