المزاج النفسي للأمم سبب التخلف!


كتبهاغازي كشميم ، في 11 يناير 2011 الساعة: 18:19 م



هل يمكن للحضارة أن تقوم في أي مكان ولأي شعب؟ هل مجرد حيازة أمة من الأمم على منتجات حضارة أخرى والسير على نهجها يمكنها أن تنشئ مدنية وحضارة تلك الأمة؟ هل تستطيع القوانين والنظم مهما كانت راقيةً ومتقدمةً أن تنتج شعباً راقياً ومتقدماً؟
يجيب على هذه الأسئلة الفيلسوف الاجتماعي النفسي جوستاف لوبون في كتابه: "السنن النفسية لتطور الأمم".
حين اكتشفت الأمريكتان الشمالية والجنوبية في نفس الحقبة تقريباً واستعمرتا من قبل الأوروبيين كانتا تملكان رصيداً ضخماً من المقومات والموارد الطبيعية، وكانا يعيشان في دور من الحضارة متأخر، ومرت بهما أحوال من الاستعمار متشابهة غير أنهما الآن يختلفان كثيراً؛ فبينما تدير أمريكا الشمالية دفة الحضارة المعاصرة ترزح أمريكا الجنوبية تحت نير التخلف والاستبداد والفوضى الحضارية. وأمريكا الشمالية تعيش حالة من الاتحاد والانسجام رغم تعدد العرقيات والأقاليم بينما تعيش جارتها الجنوبية حالة من التمزق والتشرذم معاكسة تماماً لأختها الشمالية. ومع أن أمريكا الجنوبية نقلت كثيراً من أنظمتها ودساتيرها من أمريكا الشمالية إلا أن حالها لم يتبدل كثيراً –باسثناء البرازيل مؤخراً-.
إن هذا يطرح موضوع بحث ثري للغوص في تاريخ تكون الشعوب وكيف تصنع حضارتها؟ وبالنظر إلى جذور الاستعمار لكلا المنطقتين فإن أمريكا الشمالية كانت في أغلبها مستعمرات بريطانية، والعرق البريطاني يتميز بالنشاط والإرادة واحترام النظم والقوانين وحب الاستقلال والنزوع إلى المبادرة الذاتية لا انتظار المبادرات الحكومية وغير ذلك من الصفات الأخلاقية… وعندما نقول العرق البريطاني فيعني ذلك تعاقب وتوارث السلالات والأجيال البريطانية وتعارفها على هذه الأخلاق على مدى قرون، وهذا ما يسميه الباحث جوستاف ب"المزاج النفسي" للأمم، فلكل أمة مزاج نفسي ينطوي على أخلاق تتوارثها الأجيال كما تتوارث الصفات الجسمية والجينات الخَلقية، لذلك استطاع البريطانيون الحفاظ على مستعمراتهم زهاء قرن كامل في أنحاء مختلفة جداً من العالم، كما استطاعوا استعمار أمريكا وبناءها بل وجعلها أعظم دولة في التاريخ المعاصر. وفي المقابل ترى اللاتينيين –الإسبان والبرتغال-عندما استعمروا أمريكا الجنوبية لم يقوموا باستغلال ثروات تلك المناطق لاختلاف مزاجهم النفسي وأخلاقهم الحضارية عن ما هو موجود لدى الإنجليز؛ لذلك أبقوا البلاد على ما هي عليه من التخلف والفوضى، بل إن مستعمراتهم المختلفة لم يستطيعوا الحفاظ عليها، ولم يبنوا فيها ويؤسسوا ما يمكن أن يستفيد منه أبناء تلك المستعمرات على عكس البريطانيين الذين تركوا لهم بصمات واضحة في مستعمراتهم رغم أنها استغلوها أبشع استغلال.
هذان المثالان ليسا للإعجاب بالاستعمار ومخلفاته إنما للغوص قليلاً في أعماق تاريخ الشعوب ومدى استعدادها لبناء حضارة أو مدنية. وكما يقول جوستاف فإن خلق الأمة لا ذكاءها هو من يساهم في تطورها.
وهذا يفتح سؤالاً عن "المزاج النفسي" للأمة العربية ومدى اكتسابه للأخلاق التي تبنى بها الحضارات. والتاريخ شاهد على أن العرب يمتلكون قدرات ويستبطنون أخلاقاً تساعدهم على الرقي والتطور. وإن كان العرب ليسوا سواءً؛ فحضارات العرب قامت في مناطق محددة كانت لها الريادة في حقب مختلفة من العصور القديمة والوسطى. وإن كانت الحضارة الإسلامية للعرب قد انطلقت من جزيرة العرب إلا أن بيئة الجزيرة العربية الصحراوية لم تكن الموطن المناسب لقيام تلك الحضارة واستوائها على عودها؛ لذا نلاحظ أن الحضارة الإسلامية تمكنت في بلاد مثل العراق والأندلس وتركيا لأنها مناطق ذات تاريخ حضاري قديم استطاعت أن تشكل حضارة جديدة بصبغة إسلامية.
ويبقى السؤال: هل طرأ على "المزاج النفسي العربي" ما جعله غير قادر حتى الآن على استعادة النهوض من جديد؟ وهل هناك عوامل سياسية واجتماعية أسهمت في تغير التركيبة الأخلاقية الحضارية للعرب أعاقتها عن النهوض؟
 

ليصلك كل جديد عنا ولنكون علي اتصال