في قراءة جديدة لحديث "خير القرون قرني"..العمري: الحديث لا يدل على أفضلية فهم السلف


غازي كشميم - جدة
الجمعة 23/11/2012
ينطلق د. أحمد خيري العمري- في قراءته الجديدة لحديث «خير القرون قرني» من كون هذا الحديث قد شكَّل جزءًا أساسيًا من الرؤية الإسلامية لتلك الفترة - والتي سميت لاحقًا بالقرون المفضلة - ولما صار جزءًا من الرؤية الإسلامية للعالم ولدورنا في هذا العالم، وابتدأ العمري قراءته بالتساؤل عن الدلالة التي تم استخدامها وتوظيفها في الرؤية السائدة لهذا الحديث-رغم تأكيده على تواتره اللفظي والمعنوي- هل هي الدلالة الوحيدة المستنبطة من النص، أم أن هناك دلالات أخرى، تتوافق مع نص الحديث الشريف، ومع مجموع نصوص أخرى، ومقاصد القرآن بشكل عام.
ويشير الباحث إلى أن هذا الحديث استخدم -بشكل عام- لدعم دلالتين لا تملكان نفس ثبوت نص الحديث:
الدلالة الأولى: دعمت وإن بشكل غير مباشر، وربما غير مقصود ابتداءًا فكرة “حتمية التدهور التاريخي”، أي فكرة أن التاريخ يمضي دومًا إلى ما هو أسوأ. وهي فكرة مليئة بالدلالات السلبية والتي لها تأثيراتها المحبطة حتمًا، فالعقل الجمعي الذي سيقبل فكرة حتمية التدهور، وستكون جزءًا من رؤيته للعالم، سيتقبل حتمًا “التدهور” الذي سيطال كل جوانب حياته، سواء كان ذلك استبدادًا أم استغلالًا أم استعمارًا، أو حتى تدهورًا في أحوال الطبيعة، وخطر هذه الفكرة -كما يرى العمري- أنها ستنزع منه أي محاولة لمقاومة التدهور أو تبديل الأوضاع، لأنه سيعتبر أن ذلك كله محض قدر.
مفهوم «السلف الصالح»
الدلالة الثانية: تتعلق بمفهوم “السلف الصالح”، وهو المفهوم الذي ارتبط بالقرون الثلاثة ارتباطًا جذريًا، ولأن هذه القرون “الثلاثة” قد شهدت مولد المذاهب الفقهية الأساسية في الإسلام، فإنه هناك رؤية سائدة (سلفية خاصةً) تتحدث عن قراءة النص “القرآن والسنة” - مربوطًا بفهم السلف الصالح حصريًا، أي فهم القرون الثلاث الأولى. وهنا يسجل الباحث عدة ملاحظات، منها: أن الحديث باللفظ الذي اشتهر به لا أصل له، أي بلفظ “خير القرون قرني”، فالصحيح والمتفق عليه هو لفظ “خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم..” أي أن كلمة الناس، هي التي استخدمت في اللفظ الصحيح وليس “القرون”. ويتساءل الباحث هل من فرق هنا؟ يجيب: ربما لا يبدو فرقًا كبيرًا، لكن هناك احتمال أن المقارنة هنا لا تتم بين “قرون” بالمعنى الزمني، ما دام الحديث الصحيح يتحدث عن الناس ابتداءً، وهنا سيكون معنى “القرن” الوارد في الحديث مرتبطًا بمفهوم الأمة، أو الجيل الذي اقترن مع بعضه، والمعنى الأول مدعوم قرآنيًا، والثاني تتوافر له شواهد في لسان العرب. وفي الحالتين فإن مفهوم “السلف الصالح” سيحتاج إلى تعديل ليتناسب مع اللفظ الصحيح للحديث. مع العلم أن خيرية الجيل الأول وأفضليته المطلقة ستبقى محسومة، وهي أفضلية مدعوم بنص القرآن أصلًا، قبل الحديث.
التدهور التاريخي
ويعود الباحث إلى فكرة التدهور التاريخي، الذي يشير فيه إلى أن نص الحديث بريء من هذه الفكرة تمامًا؛ فالحديث النبوي لم يشر قط إلى أن التدهور سيستمر، بل هو حصر الأمر في المقارنة بين ثلاث “قرون”، ولم يقل قط أن آلية للتدهور ستستمر تباعًا، ولم ينف أيضًا إمكانية أن يظهر جيل، أو قرن، يعكس التدهور، ويبدأ من جديد انبعاثًا “خيريًا”، دون أن يلغي ذلك طبعًا من الأفضلية المطلقة للقرن الأول.
والحقيقة أن هذا المعنى هو الذي يتلاءم مع نصوص أخرى، قرآنية، ونبوية، فوعد الله للمؤمنين بإظهار دينه، وبالنصر، وبالتمكين، وعد قرآني - مشروط بالالتزام بقوانين وسنن معينة، وغير محدد بجيل معين أو بقرن «كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ» فالخيرية هنا لا ترتبط بفترة زمانية أو جيل معين يعيش في تلك الفترة، بل ترتبط بوجود نموذج عملي يطبق المبادئ التي تحدد معنى الخير.
ويدلل العمري على ذلك أيضًا بالتقسيمات الواردة في سورة الواقعة لأصناف البشر، إذا يتضح منها أن «السابقون السابقون» وهم أصحاب الريادة، سيكونون «ثلة من الأولين، وقليل من الآخرين»؛ أي أن أكثرهم سيكون مرتبطًا بالجيل الأول زمانيًا، دون أن يعني ذلك انتفاء وجود آخرين سيتجاوزون ذلك ويتمكنون من اللحاق بالرواد، رغم قلة عددهم. أما أصحاب اليمين ومكانتهم محفوظة ولا تقليل من شأنها على الإطلاق فسيكونون ثلة من الأولين والآخرين على حد سواء. أي أن السبق والخير المطلق سيبقى حتمًا للجيل الأول، لكن أجيالًا متأخرة، ستتمكن من تجاوز أجيالًا سابقة لها زمنيًا، وتحوز مكانة تقترب نسبيًا من مكانة الجيل الأول. إنها تلك الأجيال التي ستكسر آلية التدهور، وتتمكن من الاتباع بإحسان، لتتصل بمنطلقات الجيل الأول ومحفزاته. ويعرج كذلك العمري في قراءته لحديث “الخلافة ثلاثون سنة..” بأنه يشير فعلًا إلى التدهور، لكن يشير أيضًا إلى حدوث تصحيح لاحق لهذا التدهور عبر “الخلافة على منهاج النبوة” - كما يشير الحديث-.
كما أن حديثه عليه الصلاة والسلام عن “إخوانه” - أي أولئك الذين وصلوا إلى مكانة قريبة جدًا منه - هم أولئك الذين آمنوا به رغم أنهم لم يروه، وهو معنى مفتوح وواسع يتجاوز الزمان.
تعدد المدارس الفقهية
وينتقل العمري إلى الدلالة الثانية المستقاة من الحديث وهي دلالة (أفضلية فهم السلف الصالح) ويقول: إن «الحديث لا يدل عليها، لأن السياق يتحدث عن سياق أخلاقي عام دون الدخول في آليات الفقه»، كما يؤكد أن الحديث لا ينفي ذلك، ولا يؤكده، ولا يقترب من ذلك أصلًا، ورغم أن هذه الدلالة تساق لصالح منظومة فقهية معينة، فإنه من الجدير هنا التذكير أن الفترة المذكورة كانت غنية بمدارس فقهية متعددة، وتيارات فكرية مختلفة، تطور بعضها ليصير مذهبًا، وبقي بعضها الآخر دون أن يصير كذلك، ولهذا فإن اختزال الفترة كلها بفهم واحد هو ما يسمى حاليًا “فهم السلف الصالح” فيه من التجاوز والتبسيط الشيء الكثير. قد يكون هناك تيار واحد من كل التيارات، هو الأقرب للفهم الصحيح، لكن هذا شيء آخر ولا علاقة له بمفهوم القرون الثلاثة على الإطلاق.
ويشير د. العمري إلى أن تعدد الأفهام لا يعني بالضرورة تصادمها وتناقضها، فالنص يواجه متغيرات عديدة، ولا بد أن تتراكم أفهام متنوعة له، فكرتنا عن الفهم الواحد الصحيح غير دقيقة، لأن هناك مجالا دومًا لأفهام تتنوع دون تناقض، وتختلف دون تصادم، ولا يعني بذلك الفهم الذي يعطل النص، بل الفهم الجديد الذي يفعّل النص ويعيد تنصيبه على الواقع.
وبعد أن فكك القراءة السائدة لذلك الحديث الشريف يقدم الباحث رؤية جديدة لهذا النص؛ فهو يشير - مع باقي النصوص- إلى قانون واضح من قوانين نشوء وازدهار وانهيار الحضارات. وهي القوانين التي أشير إليها مرارًا في القرآن الكريم؛ فالحديث يتحدث عن مراحل نشوء الحضارة، حيث يتحمل الجيل الأول العبء الضخم، عبء البذرة الأولى التي ستشق الصعاب، وتحمل الفكرة من عالم التجريد إلى عالم الواقع، وسيبقى لها بذلك فضل الريادة والسبق بشكل مطلق، ثم يأتي دور الأجيال اللاحقة في حمل الشعلة: مرحلة للإنماء، ومرحلة للازدهار، ثم بعد ذلك تواجه كل حضارة دورة الترف الذي سيضعفها ويجعل أخلاقها تتدهور، وبذلك تفقد “خيريتها” حيث يبتعد النموذج عن التطبيق، وتأتي هنا أهمية الإشارة إلى الأخلاق في تتمة الحديث الشريف، حيث إن الانهيار الخلقي علامة تدهور حضاري، وهو علامة بالذات على انتهاء تلك الدورة الحضارية، فإما أن تبدأ من جديد بجيل يرتبط بمنطلقات الرواد، و»يتبعها بإحسان»، ويعود بالنموذج إلى التطبيق، وبذلك تعاد الدورة من جديد، أو أنه ينغمس في الانهيار مبتعدًا أكثر فأكثر عن الجيل الرائد.
اويؤكد في ختام قراءته أن الحديث عندما يقرأ في ضوء القرآن والأحاديث الأخرى ينبهنا إلى ضرورة عكس آلية التدهور، لا إلى اعتبارها حتمية لا مفر منها، لكن منظومة فكرية كاملة ولدت في التدهور وتعايشت معه، جعلتنا نفهمه بطريقة معاكسة.

http://www.al-madina.com/node/415608/risala
 

ليصلك كل جديد عنا ولنكون علي اتصال