حوار: غازي كشميم-
جدة
·
أولاً، دكتور سامي
دعني أسألك لم الاهتمام بالآثار التاريخية؟
o
الآن التاريخ أصبح
علماً، وكل علم له دليل، والآثار هي دليل التاريخ وإثباتاته. وتاريخ بلا دليل يكون أسطورة أو خيال أو على الأقل قابل للتشكيك من
قبل الآخرين الذين لا يؤمنون بما نؤمن به، أما نحن فتكون لنا فيها عظة وذكرى (إن
الذكرى تنفع المؤمنين...). والعالم كله يستكشف تاريخه عن طريق الآثار، ويثبت وجوده
التاريخي بها، الذاكرة هي جوهر شخصية الإنسان ومجتمع بلا تاريخ
كإنسان بلا ذاكرة ويصبح المجتمع بلا هوية. والآثار من الناحية التاريخية والحضارية
تعد شيئاً مهماً لأي مجتمع في العالم وهويته.
·
كيف ترد على من
يقول إن هذه بدعة، لم يرد فيها حديث نبوي ولم يؤثر عن السلف الصالح العناية
والاهتمام بها؟ وأنه يمكن أن تستغل في تصرفات بدعية؟
غير صحيح.. فقد كان الصحابة (رضي الله عنهم)
والتابعين يتحرون أماكن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم وسيره وحله وترحاله بها
وينزهونها وينهون عن إهانتها. وبوب ذلك البخاري في صحيحه في (باب المساجد التي على
طرق المدينة والمواضع التي صلى فيها النبي). ثم إن البدعة هو ابتداع وخلق شيء جديد
لكن هذه الآثار موجودة منذ مئات السنين فكيف تكون بدعة؟ قد تكون حصلت في فترة
معينة مبالغات بدعية من عدد محدود من الناس لكن هذا لا يبرر إزالة تلك الآثار،
وإنما يجب علينا تقويم السلوك الخطأ.
والدليل على الاهتمام بالآثار هو أنها بقيت إلى
عهد قريب، ووجودها ومحافظة السلف عليها هو دليل اهتمامهم بها، أو على الأقل عدم
معارضتهم لها، وإلا كانوا أزالوها. وأستاذنا وشيخنا عضو هيئة كبار العلماء الدكتور
عبدالوهاب أبو سليمان قد كتب دراسة وضح فيها أهمية الآثار وتحديداً مكان مولد
النبي عليه الصلاة والسلام، كما أفتى بذلك كثير من فقهاء العالم الإسلامي والقرآن الكريم يحثنا على السير في الأرض
والتعلم بالنظر والتعقل بالقلب في آثار الأولين (أفلم يسيروا في
الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها). وهنا لطيفة تستدعي التأمل وهي أن الأثر
يحرك القلوب إما إيجاباً نحو عاطفة المحبة مثل قول الشاعر (وما حب الديار شغفن
قلبي ولكن حب من سكن الديارا). والبعض يبالغ في عاطفته فيبدو منه ما قد يستنكره
الأخرون، وهذا ليس ذنب الأثر. ونحتاج هنا إلى إرشاد وتوجيه لتكمل الاستفادة من
الأثر بما يحب الله ويرضى. والبعض يبالغ سلباً بمشاعر الخوف مما قد ينتج عنها من
بدعٍ أو شركٍ- العياذ بالله- بإزالة الأثر. فيكون كمن ينظر إلى المرآة ولا يعجبه
ما يرى، فيحاول أن يغير في المرآة، والأسوأ أنه قد يكسرها؟ والمرآة هي انعكاس
للإنسان الذي عليه أن يعيد ترتيب نفسه. وليس التخلص من المرآة. ويصل الخلاف بين
الجانبين إلى أن يتهم البعض بالبدع والشرك والآخر يتهم بعدم محبة الرسول.
والآن تجاوزت الحالة مرحلة الإهمال إلى مرحلة
الإزالة؛ فلو كان أهمال فقط فهو أفضل من الإزالة. وقبل إزالة أي أثر حتى لو كان
للضرورة كان لزاماً كما هو متبع في العالم كله أن تدرس البدائل ويجب أن لا تكون
على حساب مسح الذاكرة التاريخية وتغيير المعالم. كذلك طرح المسألة كاختيار بين
أمرين لا ثالث لهما إما الإزالة أو التضييق على الناس؛ هذه الثنائية سطحية وغير
صحيحة. فالله عز وجل أعطانا العقل للبحث عن الحلول والبدائل وهي موجوده ومن الممكن
تطبيقها ولكن تحتاج إلى إرادة سياسية عليا. والسؤال الذي يطرح نفسه: ماذا سيكون
عذرنا أمام الأجيال القادمة وأمام الأمة؟
· أنت تعاملت وتواصلت مع المسؤولين في الدولة على أعلى مستوى، كيف تقيم اهتمامهم بالآثار؟
o هنا استشهد بكلام الملك فهد رحمه الله حين قال عندما كنا نعمل على اقتراحات لمسجد قباء وعند وضع حجر الأساس قال: "نزيد ولا نزيل"، فالتطوير والتحديث يكون بالزيادة وليس بالإزالة، وعدم إزالة الشيء يدل على الاهتمام. وقبل الملك فهد كان المؤسس الملك عبدالعزيز رحمه الله أقر بناء "مكتبة مكة" في نفس مكان مولد النبي عليه الصلاة والسلام وبيت السيدة خديجة (رضي الله عنها)، ولم يأمر بإزالة المكان مما يعد إقراراً منه. ومن الأمراء الذين تعاملت معهم مثل الأمير نايف والأمير ماجد رحمة الله عليهم أجمعين، والأمير سلمان والأمير أحمد أبناء عبدالعزيز والأمير فيصل بن عبدالله والأمير سلطان بن سلمان، والعديد من اصحاب السمو، كان لهم اهتمام بالغ بالآثار. وهناك نظام للآثار اعتمد من مجلس الوزراء في عهد الملك فيصل رحمه الله وهو نظام جيد وشامل وهيئة الآثار والسياحة تحاول أن تطبقه، لكن للأسف عندما يأتي الموضوع لآثار مكة والمدينة هناك من يستثنيها من هذا النظام، لماذا؟! وبأي منطق؟ لماذا نحاول إثبات كل الآثار إلا آثار سيرة النبي عليه الصلاة والسلام وتاريخ الحرمين؟ وماذا ستكون النتيجة؟ سيكون لكل دين وعقيدة أثر في جزيرة العرب إلا دين العرب.
· ألا يمكن أن تقوم جمعيات أهلية من وجهاء أهل الحجاز وتقوم بدور التوعية والتخاطب مع المسؤولين في موضوع الآثار؟
o حقيقة هناك تقصير منا جميعاً ابتداءً بأهل الحجاز وعموم أبناء المملكة والعالم الإسلامي
"المكية المدنية"
· دكتور لديك حلم مشروع لعمل بنك معلومات بآثار مكة والمدينة ترتبط فيه المعلومة الموثقة بالصورة بالخريطة، أين وصل هذا المشروع؟ وكيف تعملون عليه؟
o هذا لا أعتبره حلم وإنما واجب وفرض عين على كل مقتدر علماً وجهداً ومالً. وما تبقى لي من عمر سأحاول- بإذن الله- وأقنع الآخرين مثل ما حاولت مبكراً إيجاد مركز أبحاث الحج للوصول إلى حلول عملية، ولو عاد بي الزمن لعملت بشكل أكثر تركيزاً على تسجيل وتوثيق الآثار أكثر من عملية إيجاد حلول، لأني لم أتصور أن يصل الحال إلى ما وصل إليه من الإزالات والإلغاء للتاريخ، والذي يصل أحياناً لدرجة الطمس. ومشروعي الآن إنشاء مؤسسة تعليمية مستقلة بإسم (المكية المدنية للتصميم الحضاري) تهتم بعمل بنك معلومات متكاملة عن مكة والمدينة، كما ستهتم بالأماكن والآثار والعمران المكي والمدني بشكل خاص والعمران والآثار الإسلامية بشكل عام، وسيكون لهذه المؤسسة فروع وباحثون من كل العالم الإسلامي. لأني أحرص على بلورة مدرسة فكرية تعنى بالإرث الحجازي بشكل خاص والإسلامي بشكل عام لمخاطبة العالم من خلاله حتى نتماشى مع توجهات الملك عبدالله- حفظه الله- في الحوار للتخاطب الحضاري. نحن ننطلق أيضاً من نفس الرؤية وأحاول استكمال ما لم أستطع إكماله في مركز أبحاث الحج.
· دعني أنتقل بك إلى بعض الآثار التي عالجتها وعملت فيها؛ أنت عملت على تنقيب بيت السيدة خديجة رضي الله عنها، وهو بيت النبوة، كيف كان التنقيب عن بيت السيدة خديجة؟ كيف عملت فيه؟ وما الذي اكتشفته؟ وما الذي استخرجته منه؟
أكرمني الله تعالى بالتنقيب في هذا البيت النبوي الكريم في ظروف صعبة ولمدة أربعين يوماً فقط، وكان المفترض أن يكون العمل على مدى سنوات.
بدأ العمل مع بداية التوسعة في جهة ما بعد المسعى الصفا والمروى. وكنت مستشاراً في أمارة مكة المكرمة بعد مركز أبحاث الحج. وكان الأمير ماجد هو المسئول في تلك الفترة وأخبرته برغبتي في القيام بهذا العمل فبدر منه ما يدل على الموافقة والتعجيل. مما يذكرني بما فعله الملك عبد العزيز- رحمة الله عليه- عندما أشار إلى الشيخ القطان بموافقته على الحفاظ على مولد الرسول وبيت السيدة خديجة.
واكتشفنا أن البناء الذي بناه الشيخ القطان كان بين الحوائط القديمة بدون المساس بها أو إزالتها، كما كان يحدث في التاريخ من السابقين عندما كانوا يبنون في مناطق تاريخية كانوا يبقون على ما هو موجود ويبنون فوقه ووجدت هناك طبقات تاريخية وعاينت آثاراً من العهد العباسي وما قبــله.
واكتشفنا كذلك توافقاً بين ما ورد على لسان الشيخ محمد سفر وغيره من أهل مكة وبين ما ورد ذكره في كتب السير والرحلات عن الأماكن والمساحات المذكورة. فعلى سبيل المثال ذكر في الكتب أنه على يسار النازل كان ما يسمى (المقعد) وهو مكان الضيوف لكن بحجم متواضع جداً، ووجدنا ما يسمى (الدهليز)، إضافة إلى أن بجوار دار السيدة خديجة كانت دار أبو سفيان كما وصفت، وقد كانت تعرف عند أهل مكة ب(القباني)، ووجدنا في الدار باباً لجهة دار أبي سفيان كما ورد في الأزرقي أن معاوية اشتراها من عقيل وفتح فيها باباً إلى دار أبي سفيان، واتخذ فيها مسجداً". والأزرقي من علماء القرن الثاني الهجري. كما أن نفس الطبقات التاريخية موجودة ولها صور وخرائط ورسومات توضحها.
وهناك بعض الآثار المادية في كل طبقة وما تحويه من أجزاء يمكن أن تعمل لها اختبارات دقيقة بتقنيات عالية للاستدلال على التواريخ والمحتوى البيولوجي لها، بالإضافة إلى قطع المنسوجات والفخاريات. كل ذلك عملنا فيه تقريراً بالصورورفعناه إلى الجهات المختصة.
· هل يمكن أن توجد مثل هذه القطع؟
o لا يوجد لدي أدنى شك بأن ما فعله الشيخ القطان بموافقة الملك عبد العزيز جزاهما الله خيرا- في البناء بطريقة تحافظ على الأثر في هذين الموقعين (دار السيدة خديجة ومولده صلى الله عليه وسلم) أنه إذا تم تنقيب بطريقة علمية متأنية في مكان مولده صلى الله عليه وسلم لوجدنا آثاراً تدلنا على المراحل التاريخية وصولا إلى فترة حياته صلى الله عليه وسلم.
· لكن كيف استدليتم أن هذا هو بيت السيدة خديجة الذي عاش فيه النبي عليه الصلاة والسلام؟
o أولاً من التواتر؛ فقد أخذت هذا الخبر من الشيخ محمد سفر رحمة الله عليه الذي عاش ودرس في هذا المكان، وقد وصف لي المكان وغيره من أهل مكة الذين أكدوا أن هذا المكان الذي درسوا فيه –وقد كان مدرسة تحفيظ القرآن- هو بيت النبوة. ثانياً استدلينا من الكتب التي أوردت هذه الأماكن بدءاً من الأزرقي وصولاً إلى البتانوني آخر من زار المكان ورسم خريطة تقريبية. وقد ردمت بقايا الآثار بالرمل حتى نحافظ على تلك الآثار، ويمكن في المستقبل بحث تلك الآثار والتنقيب عنها
· وماذا عن مكان مولده عليه الصلاة والسلام، والذي يسمى الآن "مكتبة مكة"؟
o الآثار المادية هي جزء من السيرة النبوية المحفوظة في الكتب وإلغاؤها أو طمسها هو إلغاء وطمس لجزء من السيرة النبوية ولتاريخ النبي عليه الصلاة والسلام، وإلغاء لبشريته عليه الصلاة والسلام، وعندما يقرر القرآن بشريته يأتي السؤال: أين ولد هذا البشر؟ كل الناس يعرفون مولدهم وأماكن نشأتهم إلا الرسول عليه الصلاة والسلام لا نعرف مكان مولده؟! هل هذا يعقل؟
وهذا آخر ما تبقى من أماكن لإثبات وجوده صلى الله عليه وسلم كبشر. ولو أزيل كما أزيلت غيره من الآثار فسنكون قضينا على آخر ما تبقى من تاريخينا العتيق. والأثر دليل واقعي على صحة الوقائع. والإزالة تؤدي إلى ذريعة كبيرة أن الأحداث والوقائع مفتعلة وأنها أسطورة أو رواية لا أصل لها. والآن عندما نحضر مؤتمرات في الخارج يقولون لنا "إن أقدم ما لديكم في مكة عمره (100) سنة". وإزالة هذه الآثار ووضع بدلاً منها الخراسانيات والمباني يحول مكة إلى مكان من غير عتاقة كما نقول في دعائنا "يارب هذا البيت العتيق"، فعتاقة الكعبة من عتاقة المكان.
العمارة الحجازية
· دكتور أنت ابن الحجاز وتعيش كفاحاً للحفاظ على هوية الحجاز، ورسالتك في الدكتوراة عن المعمار الحجازي الإسلامي، ما أبرز ملامح المعمار الحجازي؟
o الدكتوراة كانت تحت عنوان "العمارة المكية" من جامعة لندن تتناول المعمار الحجازي كترجمة فعلية ل "التنوع والتوحيد" في الحضارة الإسلامية. وهذه سمة الطبيعة أيضاً التوحيد والتنوع؛ فالتنوع يأتي من تنوع الجنسيات والأعراق والعادات والحرف والصناعات واللهجات التي اختلطت في مكة، فمكة بوتقة تجميع وليس انصهار، لأن كل واحد يبقى على جنسيته وعرقه؛ الهندي والبخاري والمصري والحجازي والنجدي؛ فكل من يأتي إلى مكة يحتفظ بهويته ولكن يعطي ويأخذ من الهويات الأخرى؛ فيحصل المزج العجيب الذي تتميز به مكة والمدينة والحجاز بصفة عامة؛ فمكة فيها من القبائل العريقة الهاشمية وغيرها، وفيها من قبائل وشعوب الأرض، وكلهم قد تجاوروا وتجانسوا من غير تعالي أحد على أحد. من هنا جاءت عمارة مكة وتميزها بالتنوع الجميل الذي حضر إليها من كل أنحاء العالم الإسلامي، وامتزج مزجاً لا تجده في أي بقعة في العالم الإسلامي. والعمارة الحجازية بدأت منذ (5000) عام، منذ بناء الكعبة، وعندما تهدمت في بعض الحقب التاريخية بنت قريش حوائطها على طريقة بنيان أهل الشام صفا من حجر وصفا من خشب. هناك أيضاً عين زبيدة منذ ما يربو عن الف عام التي أنشئت بأسلوب معمارهندسي رائع أوصلت بها الماء إلى كل مكة. وقد اكتملت مكة المكرمة كحاضنة للحضارات منذ العصر الأموي مرورا بالعباسي وصولا للعثماني، وتغير كل شيء في عصرنا الحديث.
· دكتور كيف ترتبط العمارة ببيئة الإنسان وواقعه، وهل هي فعلاً تعكس ثقافته؟
o بالتأكيد، هناك علاقة بين النسيج العمراني والعلاقات والمشاعر الإنسانية، والعمران هو انعكاس لحياة الناس وعلاقتهم ببعض؛ فمثلاً عندما يكون نسيج العلاقات الإنسانية مترابط وقوي ستجد أن البيوت متقاربة ومنفتحة للآخر، أما حين يكون تصميمها متباعد ومنعزلة عن بعضها فيعكس الجفوة بين الناس، أو عندما تجبرهم على السكن في عمائر متطاولة لتجني أكبر قدر ممكن من المال فقط، لذلك نحن نتطاول في بنيان مكة والمدينة بما لا يحقق مقاصد الحج ومنافعه وكرامة المكان ولا مقاصد الحج ويتعارض مع طبيعة خلق الله في حرمه وروحانية المكان التي أكد عليها الملك عبد الله- حفظه الله- في قوله عندما عرض عليه مشروع توسعة المسجد الحرام وظهر في التلفزيون مرددا "روحاني..روحاني".. أين هذه الروحانية اليوم؟
الحج ودراساته
· دكتور تقول في مقابلة لك سابقة: "إن العمل الحالي على الحج يركز على الجانب المكاني فقط وكيفية استيعاب أعداد الحجيج، بينما ركزنا في جميع مراحل عملنا- حين كنت مديراً لمركز أبحاث الحج- على المكونات المكانية والزمانية وعدد الحجاج. هل لك أن تشرح لنا ذلك؟
o نعم، هذه ليست مقولة لي وإنما ما تقوله دراسات مركز أبحاث الحج، ومركز أبحاث الحج الذي وافقت الدولة على إنشائه كان واحداً من أهم أهدافه "الحفاظ على البيئة الطبيعية لمكة المكرمة والمشاعر المقدسة كما خلقها الله، والحفاظ على البيئة الإسلامية لمكة المكرمة والمدينة المنورة"، وهذا صدر بحقه قرار وزاري، وهدف آخر ومهم هو عمل بنك معلومات، وعمل نماذج محاكاة حسابية، وهذا الكلام قبل أكثر من 40 سنة، وكنا على درجة متقدمة من الوعي العلمي. ووجدنا حلولاً كثيرة للمحافظة على الآثار مع تطوير خدمات الحج واستيعاب الأعداد المتزايدة من الحجيج وبدون اللجوء إلى الإزالة بالطريقة التي تحدث الآن، وللأسف لم ينفذ من أبحاث المركز أكثر من 10% من الدراسات المقترحة والكثير منها قابل للتطبيق حتى الآن. والحل بالنسبة للإسكان هو ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام في سنة تخطيطية، وأشرح ذلك بالتفصيل:
الرسول عليه الصلاة والسلام أعطانا الحل؛ عندما حج أقام بالأبطح خارج منى وبعيداً عن وسط مكة ب (5) كيلو تقريباً، وكان أهل مكة يتمنون أن يحل عندهم في بيوتهم لكنه قال فيما معناه: "أبقوا مكة لأهلها"، وهو بهذا يسن سنة أن يبقى الحجيج خارج مكة، وهذه سنة تخطيطية نبوية، وهذا ما تصنعه الدول المتقدمة تبقي الأماكن القديمة والتاريخية ويقيمون خارجها ويوصلون بينها. إضافة إلى التدابير التي يمكن أن تؤخذ مع الحجيج؛ فالرسول لم يصل كل الفروض في الحرم، كما أنه لم يكن يطوف ويسعى كل يوم، وما يحصل الآن هو مبالغات من الناس، فنحن نسهل لأقلية على حساب الأغلبية. فاثنين مليون ليس بإمكانهم الإقامة في المنطقة المركزية وبالتالي سنضطر إلى الخروج منها. والوقت الآن لم يفت وبالإمكان تدارك ما حصل خاصة وأن هناك إرادة سياسية على أعلى مستوى تشجع مثل ذلك.
التركيز الآن كله على المنطقة المركزية والتي لا تزيد مساحة قطرها عن (500) متر، وتبنى فيها ناطحات سحاب تقليداً لمدن أخرى أثرت على روحانية المكان، وقد تجاوزنا مرحلة إزالة الآثار النبوية إلى إزالة المعالم الطبيعية كالجبال وغيرها في حرم أمر الله أن لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده فكيف تزال جباله من أجل الإعمار والأبراج، حتى الأبراج لو عمرت في كل المنطقة المركزية لن تستوعب أكثر من (500) ألف، وهذا مثبت عندنا في دراسات بالأرقام والقياسات. أرجع وأقول يجب التعامل مع الحج كمنظومة يتكامل فيها عامل المكان والزمان والكثافة؛ فالمسافة بين عرفة ومزدلفة تساوي ما أسميه جهد عمرة، وبين مزدلفة ومنى أيضاً جهد عمرة، وبين منى ومكة عمرة ونصف العمرة تقريباً، والنتيجة لهذا أننا يمكن أن ننظم الانتقال بين هذه المشاعر بما يسمى (السيولة)، مثل ما يطبق في نظرية "الأواني المستطرقة" وهي عبارة عن عدد من الأوعية مختلفة الأحجام، ومتصلة ببعضها بأنابيب وعندما تضع سائل في كل هذه الأوعية يتساوى الماء في كل الأوعية؛ فإذا ما طبقنا هذه النظرية مع نظرية المسافات السابق ذكرها نستطيع تفويج الحجاج بسهولة ويسر.
· حذرت من أن تفجيرات الجبال وهدمها قد يضر بماء زمزم، هل زمزم الآن في خطر، خاصة وأنه يتداول بين فترة وأخرى أن ماء زمزم اختلط بغيره؟
o سبق وأن حصل أن اختلط ماء زمزم بغيره من المياه نتيجة تكسير الجبال والأنفاق فيها، لأن زمزم علمياً هو صدع صخري يأتي من بين الصخور الصلبة، وليس لها علاقة بالمياه الجوفية، وقد أثبتنا ذلك مع مجموعة من الباحثين والدارسين المتخصصين، والآن مع كثرة الحفريات يرتفع منسوب المياه الجوفية ويختلط بماء زمزم، خاصة تلك المشاريع التي تحفر بعيداً في قاع الأرض فيجب أن تتوقف هذه العمليات ونتخذ حلولاً أخرى لا تؤثر على طبيعة مكة، ولا نستخدم البلدوزرات إلا في أضيق الحدود.
* جميع الصور خاصة بأرشيفية "المكية المدنية" للدكتور سامي عنقاوي





