الصراعات الداخلية في إيران..من «المحافظين المتشددين» إلى «المحافظين الجدد»


عرض - غازي كشميم - جدة
الجمعة 12/04/2013

الصراعات الداخلية في إيران
تغير المشهد الفكري السياسي في إيران بعد الأزمة الداخلية التي عصفت بالبلاد إبان الانتخابات الرئاسية العاشرة عام 2009، والتي لحقها خفوت نجم الإصلاحيين، وبروز تيار مجدد اختلف مع أفكار التيار الأصولي التقليدي، فلم تخلق اصطفافات جديدة بين المحافظين وحسب بل تعدتهم إلى الإصلاحيين أيضًا، فبات الخلاف الفكري السياسي الأبرز اليوم بين المحافظين أنفسهم، مع حضور خجول للحركة الإصلاحية على الساحة دون أن يغيب التساؤل عن إمكانية عودتهم إلى المشهد كما رصده تقرير نشره مركز الجزيرة للدراسات.
يشير التقرير إلى أن سيطرة المحافظين على المشهد الحالي بدأت تتعزز بعد الانتخابات الرئاسية عام 2005 والتي أوصلت محمود أحمدي نجاد لكرسي الرئاسة جاء نجاد إلى السلطة بأصوات الأرياف والفقراء والمدن المحافظة ذات التوجه الديني، ولم تكن للرئيس أية أصول سياسية في خزائن البازار، الحليف التقليدي لليمين والمحافظين وربما كان لتوجهاته الفكرية الفضل في حصد الأصوات والتي لم تكن أصوات المحافظين التقليديين جزءًا منها فقد وُضعت في صندوق منافسه رفسنجاني الحاضر دائمًا في إيران.
انقسامات الساحة الراهنة
يرصد التقرير بروز تغيرات في خارطة التيارات جاءت مع الأزمة التي تلت التجديد لرئاسة نجاد، بعد خسارة منافسه مير حسين موسوي، حيث شكّك الإصلاحيون بنزاهة الانتخابات، فاجتاحت الشوارع الإيرانية ثورة تبنتها الحركة الخضراء، وهي التي تم احتواؤها بعد ذلك ليُغيَّب التيار الإصلاحي عن الساحة السياسية، وليختلف الإصلاحيون أنفسهم على تعريف تيارهم فينقسموا بدورهم، إلا أن الخلاف الأبرز ظهر بين مؤيدي نجاد والمتشددين التقليديين من أبناء التيار المحافظ، فأسس لتيار جديد لا يندرج في إطار التصنيف التقليدي في إيران لليمين ولليسار، أو للمحافظين والإصلاحيين، ومن الممكن تسميتهم "بالمحافظين الجدد" كون معظم من ينتمون إليه لم يتمتعوا بموقع في زمن الثورة على عكس الأصوليين التقليديين وحتى معظم الإصلاحيين.
ورغم أن التقرير يؤكد على إمكانية المقاربة بين مختلف تيارات المشهد الفكري السياسي المتعددة إلا أنه يقر أنه لا يمكن أن يتم تصنيفها جميعًا تحت مصطلحي المحافظ والإصلاحي ويعيد التقرير تصنيف اختلاف المجموعات الإيرانية إلى عدة تيارات:
أولًا: الأصوليون المتشددون (جبهة المبدئيين الموحدة)
يأتي الأصوليون المتشددون على رأس اللاعبين في الساحة الإيرانية حاليًا خاصة بعد سيطرتهم على معظم مقاعد مجلس الشورى الإسلامي التاسع هم من الجيل المحافظ التقليدي سواء كانوا علماء دين في الحوزات العلمية أو من البازار، وهم يشكِّلون بالتالي قوة ذات نفوذ في المجتمع الإيراني.
يمكن القول: إن 90 بالمائة من المحافظين يحتشدون تحت عنوان (الجبهة المتحدة للأصوليين) أو (جبهة المبدئيين الموحدة)، ومعظم الشرائح المنطوية تحت يافطة التيار الأصولي المحافظ هم من المنتمين لمدرستي رابطة العلماء المجاهدين (روحانيت مبارز) التي يرعاها رئيس مجلس خبراء القيادة محمد رضا مهدوي كني، ورابطة مدرسي الحوزة العلمية في مدينة قم (جامعة مدرسين) برئاسة رجل الدين محمد يزدي.
ثانيًا: المحافظون الجدد
من أكثر التيارات التي يرصدها هذا التقرير هو تيار (المحافظين الجدد) والذي سيلعب دورًا مهمًا في مستقبل إيران وكما يشير التقرير إلى أنه لا يصح تعميم هذا المصطلح على كل الأفراد المنتمين لجبهات يحتضنها الآن تيار المحافظين الجدد، إلا أنه يمكن القول: إنهم عبارة عن ثلاث اتجاهات فكرية متداخلة، ما يجمعها أكثر مما يفرقها، وكلها تختلف حاليًا مع التيار التقليدي، وجزء منها يعتبر نفسه مستقلًا عن هذا التيار بشكل كامل ويعتبر تقرير مركز الجزيرة للدراسات أن البعد الفكري الأهم لأصحاب هذا التيار هو التجديد ومحاولة خلق خط جديد في الجمهورية الإسلامية بعيدًا عن المدرسة التقليدية التي يتبناها المتشددون أو حتى بعض الإصلاحيين، هذه الجبهات بحسب التقرير هي: جبهة الثبات (استقامة الثورة الإسلامية أو بايداري) التي تضم أعضاءً كان معظمهم في يوم ما مقربين من الرئيس نجاد لكنهم استقلوا لاحقًا إلى حد ما، جبهة المؤيدون النجاديون والذين يدافعون عن حكومة الرئيس، ولكنهم لا يتفقون والأفكار المشائية ومنها قبول التعامل مع الإصلاحيين بعد ما حدث عام 2009، يتزعمهم مجتبى ثمرة هاشمي كبير مستشاري أحمدي نجاد، ثالث هذه الجبهات التي رصدها التقرير: التيار المشائي: والذي تحول لظاهرة شغلت التيارات كافة، ويحمل زعيمه إسفنديار رحيم مشائي أفكارًا وُصِفت على لسان الأصوليين بالانحرافية، تقترب توجهات المشائيين من أفكار بعض الإصلاحيين، لكنهم يعادون التيار الأصولي التقليدي، ولأفكار مشائي مؤيدون من الجيل الشاب، ومن أهم أفكاره تبنيه لفكرة الإسلام القومي الإيراني؛ فبالنسبة له الدين يختلف من أرض لأخرى وإن عَرّف الإيراني بنفسه كإيراني، سيكون الأمر أسهل عليه ليُعرف بهويته.
يكشف التقرير أن تبني أحمدي نجاد تيار الإسلام القومي علنًا في العامين الماضيين جعل البعض يرى دورًا مؤثرًا لمشائي في التحول الذي طرأ على خطاب الرئيس، فتحول من خطاب (مهدوي) إسلامي الصبغة إلى خطاب قومي إيراني يوظف الحضارة الفارسية في فترة ما قبل الإسلام.
ثالثًا: تيار الوسط (المحافظون - الإصلاحيون)
بحسب التقرير فإن العديد من الشخصيات الإيرانية تحسب على تيار الوسط؛ ويمكن القول انه "محافظ - إصلاحي"، باعتبار أنه يحمل بعض صفات اليمين وأخرى من اليسار، فبعضهم مثلًا يحملون جزءًا من الأفكار الإصلاحية دون تشدد الأصوليين، ويسعون دائمًا للحصول على مكان في السلطة التشريعية أو التنفيذية، وهم أيضًا مقربون من مجلس خبراء القيادة وأوفياء لولاية الفقيه، منهم محسن رضائي أمين مجمع تشخيص مصلحة النظام والمرشح السابق للانتخابات الرئاسية، وكان رضائي أكثر ميلًا للمحافظين المتشددين إلا أنه انشق عنهم بعد مواقف لها علاقة بأزمة الانتخابات الأخيرة وعزل الإصلاحيين كما أن أهم الأفكار التي يطرحها في جبهته (جبهة المقاومة) هي التقارب مع الإصلاحيين المعتدلين وإشراكهم في الحكم.
رابعًا: الإصلاحيون
يقسم التقرير حضور الإصلاحيين في المشهد الراهن إلى ثلاث اتجاهات لا تزال بجملتها غائبة عن التأثير في الساحة منذ أزمة الحركة الخضراء: اتجاه معتدل؛ يعتقد بإمكان العمل مع النظام السياسي وأطره الدستورية، منهم الرئيس السابق محمد خاتمي ورئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام هاشمي رفسنجاني، اتجاه الصامتون: رموز هذا الاتجاه تولوا مسؤوليات في الماضي إلا أنهم الآن ينتظرون ظروفًا سياسية أفضل للعودة إلى العملية السياسية، فهذا الاتجاه يؤيد الدستور والنظام السياسي، لكنه يرى عدم توافر الأجواء الملائمة للعمل من خلالها، وثالث هذه الاتجاهات التي يرصدها التقرير: اتجاه الحركة الخضراء والذي يعده المحافظون الآن اتجاهًا متطرفًا في التيار الإصلاحي كونه لا يزال يشكِّك في صدقية وشرعية الانتخابات الرئاسية الأخيرة، ويرفض الانخراط في اللعبة السياسية، استنادًا إلى قناعته باستحالة العمل مع النظام السياسي وفق الشروط الحالية، يمثل هذا الاتجاه المرشحان الرئاسيان الخاسران مير حسين موسوي ومهدي كروبي.
تلاقي القوى وصراعها
الاختلافات الفكرية بين التيارات الراهنة تنطوي على جملة من العناوين المعقدة قليلًا، فالخلاف بنظرة إجمالية إلى المشهد هو بين محافظين تقليدين وجدد، وسببه الاختلاف على سياسات نجاد وتحدي هذا الأخير -أكثر من أي رئيس آخر منذ العام 1989- للمرشد الأعلى علي خامنئي وللنظام السياسي الإيراني بأكمله ويحمل هذا الخلاف كذلك بُعدًا قوميًّا حيث واجه التسويق لما يسمى "الإسلام الإيراني المتفوق" معارضة ضارية من قبل رجال الدين.
ويخلص التقرير إلى أن الاتجاه الفكري السائد في المشهد الإيراني اليوم هو اتجاه المحافظين المتشددين المقرَّب من المرشد الأعلى، فهو الذي يسيطر على المعادلة السياسية وعلى السلطتين التشريعية والتنفيذية في البلاد، ومن المرجح أن تكون له الكلمة الفصل في الانتخابات الرئاسية المقبلة.
أما الاتجاه الإصلاحي الذي كان حاضرًا بقوة على مدى سنوات من عمر الثورة الإسلامية كمنافس قوي للاتجاهات الأخرى، هو الآن شبه غائب عن المعادلة السياسية بعد احتجاجات الحركة الخضراء في حين أن الاتجاه الفكري الذي يمثله الموالون لأحمدي نجاد بكل أطيافه، وإن بدا أنه خسر معركة الانتخابات البرلمانية الأخيرة، لا يمكن استبعاد تأثيره وخاصة من ناحية تبنيه فكرة دعم إسلام قومي إيراني بحت، فالمجتمع الإيراني قومي أولًا بطبعه، وخلطةٌ من الإسلام القومي مع توجهات انفتاحية قد تشكّل وصفة خلاص للناخبين الشباب في السباق الرئاسي القادم.

 

ليصلك كل جديد عنا ولنكون علي اتصال