في استطلاع شمل 39 دولة و38000 مقابلة وجهًا لوجه بـ80 لغة
غالبية الشعوب الإسلامية تريد تطبيق “الشريعة”
تقرير - غازي كشميم - جدة
لا تزال علاقة الدين بالسياسة في شكل الدولة الحديثة تمثل أبرز الإشكاليات الفكرية المطروحة أمام الفكر الإسلامي، ورغم كثرة ما كتب ولا يزال يكتب حتى الآن إلا أنه لم تتبلور فكرة منسجمة حتى الآن بين الطرفين في معظم بلدان العالم الإسلامي.
بدأت فكرة العلاقة بين الدين والسياسة تأخذ حيز وجودها في الفكر الإسلامي في نهايات العهد العثماني وتحت ظروف ضغط النموذج الأوروبي في بناء الدولة الحديثة الذي مثل تطلعا لكثير من النخب والشعوب الإسلامية إلى جانب الاحتفاظ بالهوية الإسلامية، كما طرح سؤالًا ملحًا مفاده لماذا تقدم الغرب وتخلف المسلمون؟
يشير الباحث عبدالإله بلقزيز في كتابه (الدولة في الفكر الإسلامي المعاصر) إلى خمسة أجيال مرت عليها فكرة الدولة في الفكر الإسلامي: وهي الجيل الإصلاحي الأول، مثل رفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، والجيل الإصلاحي المتأخر أو الثاني، مثل عبدالرحمن الكواكبي ورشيد رضا والنائيني، والجيل الثالث مثل عبدالحميد بن باديس وعلي عبدالرازق وحسن البنا وأبو الأعلى المودودي وأبو الحسن الندوي وعلال الفاسي ومحمد الغزالي وحسن الهضيبي، والجيل الرابع، مثل محمد قطب ويوسف القرضاوي ومصطفى السباعي وعبدالسلام ياسين، والجيل الخامس، مثل عبدالسلام فرج وراشد الغنوشي وحسن الترابي وفهمي هويدي ومحمد عمارة.
وبعد محاولات التنظير لفكر الدولة الإسلامية الحديثة القائمة على العدل والشورى إلى جانب الدولة الإسلامية الدستورية التي تقوم على أساس مدني كما كان يطرحها محمد عبده، انتقلت فكرة الدولة الإسلامية من التنظير إلى محاولات التطبيق والنزول إلى أرض الواقع خاصة مع ما بات يعرف بتيارات «الإسلام السياسي» وظهر ذلك في تحركات الجيل الثالث والرابع والخامس التي ذكرها بلقزيز.
في بداية نشأة تيارات «الإسلام السياسي» كان يحدوها الأمل إلى استرجاع حلم «الخلافة الإسلامية»، ومع ظهور أجنحة وجماعات متفرقة خرجت من عباءة هذا التيار من أقصى اليمين المتشدد الراديكالي مرورًا بتيارات وسطية معتدلة وانتهاءً بتيارات أشد انفتاحًا وليبرالية بالإضافة إلى اصطدام تلك التيارات بعقبة الحدود الجغرافية للدولة الوطنية الحديثة، وبروز إشكاليات محلية قطرية انحسر حلم الخلافة الإسلامية بالنسبة لتلك التيارات وبات همها إقامة نظام عادل شوروي (ديمقراطي) قطري لا يحلم بأكثر من محاولة التنسيق والتعاون مع الدول الإسلامية الأخرى في القضايا المصيرية والمشتركة، ما عدا بعض جماعات العنف الراديكالية التي تود أن تقيم إمارات إسلامية بمفهومها الخاص في كل قطر تديرها قيادة إسلامية عليا، تعلن الحرب على القريب والبعيد من غير امتلاك أي رؤية أو برنامج لتأسيس دولة حديثة.
إذا كان ذلك في جانب التيارات والنخب الإسلامية فإن واقع المجتمعات الإسلامية يشير وبقوة إلى تمسك عامة الناس بقيم دينهم وتعاليمه في الجملة، وإلى الرغبة في التحديث واللحاق بالتقدم الغربي مع الحفاظ على الهوية الإسلامية، وفي هذا الصدد يظهر استطلاع جديد لمنتدى بيو حول الدول الدين والحياة العامة نشر في شهر أبريل من العام الحالي عن المسلمين حول العالم، ويكشف الاستطلاع أن غالبية المنتسبين لثاني أكبر ديانة في العالم ملتزمون بعمق تجاه إيمانهم، ويريدون لتعاليمه أن تصبغ ليس حياتهم الخاصة فقط ولكن حياتهم الاجتماعية والسياسية أيضًا، وفي 39 دولة مستطلعة تقول غالبية المسلمين إن الإسلام هو المعتقد الصحيح الذي يقود إلى الحياة الأبدية في الجنة وأن الإيمان بالله ضروري لتكوين شخص أخلاقي، كما يعتقد كثيرون أيضًا أن قادتهم الدينيين لا بد وأن يكون لهم على الأقل بعض التأثير على القضايا السياسية. ويعبر كثيرون عن رغبتهم في أن تكون الشريعة الإسلامية معترفا بها في القانون الرسمي لبلدانهم.
وبالأرقام فإن نسبة المسلمين الذين يقولون إنهم يريدون الشريعة أن تكون «المصدر الرسمي للتشريع» تختلف على نحو واسع حول العالم؛ فمن أقل من واحد إلى عشرة في أذربيجان (8%) إلى ما يقارب الإجماع في أفغانستان (99%)، لكن أغلبيات متماسكة في معظم الدول المستطلعة عبر دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وجنوب الصحراء الإفريقية، وجنوب وجنوب شرق آسيا يفضلون ترسيخ الشريعة بما فيهم 71% من مسلمي نيجيريا، 72% في إندونيسيا، 74% في مصر، 89% في فلسطين المحتلة.
في ذات الوقت الذي يُظهر فيه الاستطلاع أن كثيرًا من الدول تفضل العودة إلى الشريعة بقوة، فإن غالبية المسلمين يفضلون الحرية الدينية للناس ممن يؤمنون بمعتقدات أخرى.
الاستطلاع -الذي شمل أكثر من 38000 مقابلة وجهًا لوجه بـ 80 لغة مع مسلمين من أوروبا وآسيا والشرق الأوسط وأفريقيا- أظهر أن المسلمين أكثر ارتياحًا للرجوع للشريعة على الصعيد المحلي، لإنهاء خلافاتهم العائلية.
وإذا كانت الشعوب تتطلع إلى حكم الإسلام فإنه من الضروري الإشارة إلى أن أحد العوائق التي تقف أمام حل هذه الإشكالية في علاقة الدين بالسياسة هي النخب بمختلف أطيافها السياسية والفكرية والتي لم تبلور حتى الآن تيارًا يلبي تطلعات الشعوب المسلمة ويبني دولة مدنية حديثة تعبر عن إرادة واستقلال في كل القرارات.
بدأت فكرة العلاقة بين الدين والسياسة تأخذ حيز وجودها في الفكر الإسلامي في نهايات العهد العثماني وتحت ظروف ضغط النموذج الأوروبي في بناء الدولة الحديثة الذي مثل تطلعا لكثير من النخب والشعوب الإسلامية إلى جانب الاحتفاظ بالهوية الإسلامية، كما طرح سؤالًا ملحًا مفاده لماذا تقدم الغرب وتخلف المسلمون؟
يشير الباحث عبدالإله بلقزيز في كتابه (الدولة في الفكر الإسلامي المعاصر) إلى خمسة أجيال مرت عليها فكرة الدولة في الفكر الإسلامي: وهي الجيل الإصلاحي الأول، مثل رفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، والجيل الإصلاحي المتأخر أو الثاني، مثل عبدالرحمن الكواكبي ورشيد رضا والنائيني، والجيل الثالث مثل عبدالحميد بن باديس وعلي عبدالرازق وحسن البنا وأبو الأعلى المودودي وأبو الحسن الندوي وعلال الفاسي ومحمد الغزالي وحسن الهضيبي، والجيل الرابع، مثل محمد قطب ويوسف القرضاوي ومصطفى السباعي وعبدالسلام ياسين، والجيل الخامس، مثل عبدالسلام فرج وراشد الغنوشي وحسن الترابي وفهمي هويدي ومحمد عمارة.
وبعد محاولات التنظير لفكر الدولة الإسلامية الحديثة القائمة على العدل والشورى إلى جانب الدولة الإسلامية الدستورية التي تقوم على أساس مدني كما كان يطرحها محمد عبده، انتقلت فكرة الدولة الإسلامية من التنظير إلى محاولات التطبيق والنزول إلى أرض الواقع خاصة مع ما بات يعرف بتيارات «الإسلام السياسي» وظهر ذلك في تحركات الجيل الثالث والرابع والخامس التي ذكرها بلقزيز.
في بداية نشأة تيارات «الإسلام السياسي» كان يحدوها الأمل إلى استرجاع حلم «الخلافة الإسلامية»، ومع ظهور أجنحة وجماعات متفرقة خرجت من عباءة هذا التيار من أقصى اليمين المتشدد الراديكالي مرورًا بتيارات وسطية معتدلة وانتهاءً بتيارات أشد انفتاحًا وليبرالية بالإضافة إلى اصطدام تلك التيارات بعقبة الحدود الجغرافية للدولة الوطنية الحديثة، وبروز إشكاليات محلية قطرية انحسر حلم الخلافة الإسلامية بالنسبة لتلك التيارات وبات همها إقامة نظام عادل شوروي (ديمقراطي) قطري لا يحلم بأكثر من محاولة التنسيق والتعاون مع الدول الإسلامية الأخرى في القضايا المصيرية والمشتركة، ما عدا بعض جماعات العنف الراديكالية التي تود أن تقيم إمارات إسلامية بمفهومها الخاص في كل قطر تديرها قيادة إسلامية عليا، تعلن الحرب على القريب والبعيد من غير امتلاك أي رؤية أو برنامج لتأسيس دولة حديثة.
إذا كان ذلك في جانب التيارات والنخب الإسلامية فإن واقع المجتمعات الإسلامية يشير وبقوة إلى تمسك عامة الناس بقيم دينهم وتعاليمه في الجملة، وإلى الرغبة في التحديث واللحاق بالتقدم الغربي مع الحفاظ على الهوية الإسلامية، وفي هذا الصدد يظهر استطلاع جديد لمنتدى بيو حول الدول الدين والحياة العامة نشر في شهر أبريل من العام الحالي عن المسلمين حول العالم، ويكشف الاستطلاع أن غالبية المنتسبين لثاني أكبر ديانة في العالم ملتزمون بعمق تجاه إيمانهم، ويريدون لتعاليمه أن تصبغ ليس حياتهم الخاصة فقط ولكن حياتهم الاجتماعية والسياسية أيضًا، وفي 39 دولة مستطلعة تقول غالبية المسلمين إن الإسلام هو المعتقد الصحيح الذي يقود إلى الحياة الأبدية في الجنة وأن الإيمان بالله ضروري لتكوين شخص أخلاقي، كما يعتقد كثيرون أيضًا أن قادتهم الدينيين لا بد وأن يكون لهم على الأقل بعض التأثير على القضايا السياسية. ويعبر كثيرون عن رغبتهم في أن تكون الشريعة الإسلامية معترفا بها في القانون الرسمي لبلدانهم.
وبالأرقام فإن نسبة المسلمين الذين يقولون إنهم يريدون الشريعة أن تكون «المصدر الرسمي للتشريع» تختلف على نحو واسع حول العالم؛ فمن أقل من واحد إلى عشرة في أذربيجان (8%) إلى ما يقارب الإجماع في أفغانستان (99%)، لكن أغلبيات متماسكة في معظم الدول المستطلعة عبر دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وجنوب الصحراء الإفريقية، وجنوب وجنوب شرق آسيا يفضلون ترسيخ الشريعة بما فيهم 71% من مسلمي نيجيريا، 72% في إندونيسيا، 74% في مصر، 89% في فلسطين المحتلة.
في ذات الوقت الذي يُظهر فيه الاستطلاع أن كثيرًا من الدول تفضل العودة إلى الشريعة بقوة، فإن غالبية المسلمين يفضلون الحرية الدينية للناس ممن يؤمنون بمعتقدات أخرى.
الاستطلاع -الذي شمل أكثر من 38000 مقابلة وجهًا لوجه بـ 80 لغة مع مسلمين من أوروبا وآسيا والشرق الأوسط وأفريقيا- أظهر أن المسلمين أكثر ارتياحًا للرجوع للشريعة على الصعيد المحلي، لإنهاء خلافاتهم العائلية.
وإذا كانت الشعوب تتطلع إلى حكم الإسلام فإنه من الضروري الإشارة إلى أن أحد العوائق التي تقف أمام حل هذه الإشكالية في علاقة الدين بالسياسة هي النخب بمختلف أطيافها السياسية والفكرية والتي لم تبلور حتى الآن تيارًا يلبي تطلعات الشعوب المسلمة ويبني دولة مدنية حديثة تعبر عن إرادة واستقلال في كل القرارات.
الجمعة 28/06/2013
