حوار: غازي كشميم
الجمعة 23/08/2013
في حوار صريح كعادته لا يرى د.صالح بن سعد اللحيدان الباحث في القضاء النفسي والمهتم بالتاريخ واللغة، أن هناك رواية سعودية بالمعنى الحقيقي للرواية، وينتقد كثيرًا من كتاب الزوايا الصحفية ويرى بأن لديهم ما يصفه بـ»شعور بالمرض النفسي»، ودافع اللحيدان عن خوضه غمار الفنون المختلفة من القضاء إلى علم النفس والتاريخ واللغة والأدب والرياضة، هذه التفاصيل وغيرها تحدث عنها اللحيدان في ثنايا الحوار التالي:
أنت عضو «اتحاد المؤرخين العرب» أين هذا الاتحاد؟ ولم لا يسمع به أحد؟* اتحاد المؤرخين العرب هيئة عالمية مستقلة تضم نخبة من المتخصصين في مجال الدراسات التاريخية والنصية من الجاهلية إلى العصر الحديث، منهم مديرو جامعات ووزراء وباحثون متخصصون في السيرة والرواية، ومنهم متخصصون في فلسفة التاريخ ومنهم متخصصون في فقه التاريخ وفقه النص، والهيئة مقرها القاهرة، ورئيسها حسين عاشور، وهي هيئة معترف بها من قبل جامعة الدول العربية، وهو يقدم دراسات علمية موثقة لمن يطلبها سواء من الجامعات أو المراكز العلمية، وتعقد الهيئة مؤتمرها سنويًا في الغالب.
لكن نشاطاته غير واضحة على الأقل إعلاميًا.*هذا السؤال طرح علي من قبل، وأنت تعرف أن أكثر الناس الآن لا يقرأون خاصة عن متابعة أخبار التاريخ وقراءته، والناس ينصرفون عن التاريخ كمادة وعلم وفلسفة وفن، وينشغلون بالتاريخ كرواية وقصة وخبر وسرد، وكون بعض الناس لا يعلم عن اتحاد المؤرخين فهناك أيضًا مراكز دراسات جليلة لا يعلم عنها حتى الآن.
حيلة (السعودة)
* تخصصي في الدراسات العليا هو القضاء الجنائي الإكلينيكي/ السرير الفسيولوجي، وقد أخرجت كتاب (حال المتهم في مجلس القضاء) الذي رشح لجائزة الملك فيصل ورشح لأكثر من جائزة، ويغلب على نظري الجانب النفسي لأني من خلال دراساتي القضائية رأيت أن بعض الذين يرتكبون بعض الجنايات لديهم مرض نفسي سابق.
لذلك سألتك دكتور صالح هل مراعاة الجانب النفسي هو الأسلم للوقاية من الجنايات والجرائم؟
* لا، ليس هو الأسلم لأن هناك من يدعي أنه مريض نفسي، ومن خلال دراسة الحالة يتبين أنه ليس كذلك.
ما أبرز ما يعانيه المجتمع السعودي؟*أغلب ما يعانيه المجتمع السعودي في تصوري أمورًا خمسة: الأول: الارتجالية في الأعمال، ولذلك بعض المؤسسات والشركات انهارت وخسرت، ثانيًا: سوء التخطيط؛ فبعض المدن والقرى أهلها لا يتعاونون مع السلطة فيما يتعلق بالتخطيط العمراني والاقتصادي، يعاني كذلك الشعب السعودي من البطالة التي تصل إلى 20%، وكثير من خريجي الثانوي ليس لهم مساكن ولا وظائف، وهذا ما جعل الشركات (تسعود) الوظائف وهذه حيلة على النظام، ومرده على الشباب مرض نفسي.
لماذا (السعودة) حيلة على النظام؟
* لأن النظام يجيز للشركة أن توظف عشرة أشخاص يستلمون رواتب وهم في البيت لا يعملون أصلًا، وهذا لكي تظهر الشركة أن فيها موظفين سعوديين، والأمر الرابع مما يعانيه المجتمع السعودي: وجود قدرات موهوبة لكنها لم توظف كما ينبغي، ولذلك أرى أنه في سياسة الإدارات العليا أنه لا يتقاعد الإنسان حين يصل إلى الستين لأن أبرز الذين ظهروا وغيروا مجرى التاريخ ولهم بصمات جيدة إنما أنتجوا بعد الستين من العمر، الأمر الخامس: حبذا لو تكون هناك جلسات خاصة مطلقة للأمراء لا يعملون فيها خلال هذا اليوم وإنما يستقبلون ذوي الحاجات والمواطنين وأصحاب المطالب، ويدخل في هذا تأخير القضايا لدى بعض الإمارات والمحافظات التي آمل من المسؤولين عنها أن يبتوا فيها ولا يؤخروها.
الكتاب والمرض النفسي
وما أبرز الأمراض النفسية المنتشرة في مجتمعنا؟
* من خلال من يراجعني من الأصدقاء خاصة الأدباء والكتاب والمثقفين ومن خلال ما رصدته في كتابي عن الفنانين والممثلين من أمراض نفسية، هناك جملة كبيرة من الكتاب والأدباء يعانون شعورًا نفسيًا مرضيًا ليس مرضًا نفسيًا، لذلك تجد أغلب ما يطرحون في مقالاتهم هو أسلوب إنشائي أو خطاب مباشر ليس هناك تأصيل وتقعيد، بمعنى أنهم يكتبون من خلال العاطفة والقلب لا من خلال العقل الاستنتاجي الاستقرائي.
لكن ما علاقة الأسلوب الإنشائي بالشعور بالمرض النفسي؟
* أنت تعرف أن الدراسات النفسية التحليلية والدراسات النفسية الطبية تعتمد عند الدراسة الاستراتيجية للنفس على الأسلوب، فمن خلال قراءة الأسلوب والمفردات والحروف التي ينطقها أو يكتبها الشخص تستطيع أن تحكم عليه، هل عنده انفصام أو كآبة مزمنة أو اكتئاب حاد، لذلك فالأسلوب الإنشائي الذي يطرح في الزوايا الآن والأسلوب الارتجالي والمباشر يدل على أن هناك معاناة، لذلك لا تجد كاتبًا يؤصل ويقعد حتى يصل إلى نتيجة إلا قليل.
الكثير لا زال يتحرج من كلمة «مرض نفسي» أو الذهاب للعيادات النفسية، لم برأيك؟
* هذا سمعته كثيرًا ممن زاروني، أنت تعلم أن (أندريه جيد) الأديب الفرنسي مصاب بمرض نفسي، والشاعر (جيب) البريطاني صاحب الأرض اليباب لديه مرض نفسي، أدونيس لديه اكتئاب، محمود درويش كانت لديه كآبة حادة.
هل يعني ذلك أن المرض النفسي مثله مثل أي مرض صحي جسدي؟
* لا، المرض النفسي مرض استعدائي، فحينما يكون الكاتب لديه مرض نفسي يستعدي الآخرين عليه، لأنه يثيرهم عندما يتكلم عن جماعة معينة أو حزب معين، هو لا ينتقد ولا يؤصل ولا يقعد، هو يسب ويشتم، بخلاف من يبسط المسائل ويبين الحيثيات والأسباب ثم يأتي بالنتيجة.
الرواية السعودية
ما رأيك في مستوى الرواية السعودية؟
* سبق أن طرحت رأي في النادي الأدبي بالطائف، الرواية السعودية ليست رواية، قرأت لعبده خال روايته (ترمي بشرر)، وقرأت للصقعبي، وقرأت لرجاء الصانع وقرأت لبنت الجزيرة قديمًا وقرأت كثيرًا من الروايات، الرواية يا أخي لها ضوابط وقواعد، والرواية لها أسس تقوم عليها، وجميع ما كتب -إلا قليل- هي مذكرات وعرض للأحداث فقط، سواء كانت حقيقية أو خيالية، فأنا أزعم أنه ليست لدينا رواية بالمعنى الذي كتبه تشارلز ديكنز، أو فيكتور هيجو، أو هامنجواي.
حتى روايات غازي القصيبي؟
* القصيبي ليست له روايات، هو له مذكرات، مثل شقة الحرية، كذلك تركي الحمد أنا لا أظنه كاتبًا روائيًا أبدًا، هو كاتب نفسي تحليلي متقلب، والقصيبي يقرب من الرواية لكني لا أعتبرها رواية هي قصة وعرض فيها شفافية وفيها حساسية، وفيها انطباع في اللاشعور، الرواية تعتمد على الصدق وعلى سعة الخيال، وعلى التجرد بعيدًا عن الجنس وعن الاستقطاب الذاتي وبعيدًا عن الاختصار وعن الإنشاء، حاول أن تقرأ مثلًا قصة يوسف عليه السلام تجد أن في كل آية من آياتها في كل سرد تتضمن مضامين عجيبة لأن الله بنى هذه السورة على الحقائق، لذلك حينما نقرأ بالعقل لا بالعاطفة نستطيع أن نستخرج من هذه القصة عدة مضامين، والذين يكتبون الرواية من السعوديين أو غيرهم من الخليجيين لا يكتبون رواية لأنهم لا يستشفون الواقع من خلال النص.
تتهم بعض الروائيين الذين يصورون الجنس في مجتمعاتنا أن لديهم شعور بالمرض النفسي وهم يقولون إنهم ينقلون صورة عن الواقع؟
* نقل الصورة عن الواقع جميل، لكن الصورة عن الواقع لا يكون فيها تهويل، أنت حينما تقرأ لتشارلز ديكنز حينما وصف اليتيم صاحب الملجأ هو ما أضاف إليها مبالغات، هو سرد حقيقة واقعة لكنه وظف المفردات والسرد التلقائي في الرواية على حقيقة ما هو حاصل، لكن لدينا هنا لا ينطلقون من هذا المنطلق، وإنما يحجمون ويختصرون ثم يقولون هذه رواية، هذه ليست رواية هذه أقصوصة أو مذكرات.
الإعلام الجديد
* نقل الصورة عن الواقع جميل، لكن الصورة عن الواقع لا يكون فيها تهويل، أنت حينما تقرأ لتشارلز ديكنز حينما وصف اليتيم صاحب الملجأ هو ما أضاف إليها مبالغات، هو سرد حقيقة واقعة لكنه وظف المفردات والسرد التلقائي في الرواية على حقيقة ما هو حاصل، لكن لدينا هنا لا ينطلقون من هذا المنطلق، وإنما يحجمون ويختصرون ثم يقولون هذه رواية، هذه ليست رواية هذه أقصوصة أو مذكرات.
الإعلام الجديد
لا تتعاطى مع الإعلام الجديد، ألا تعتقد أنه يوفر لك بيئة خصبة لدراسة نفسيات وحالة المجتمع النفسية والفكرية؟
* لدي من يهتم بهذا الأمر ويقدم لي ما يهمني وما يدخل تحت نظري وأنا أعالجه.
لكنه يوفر لك بيئة خصبة لك كباحث نفسي وباحث في المجتمع.
* أنا لست باحثًا نفسيًا، أنا محلل نفسي أو أخصائي نفسي بالدرجة الأولى فيما يتعلق بتشخيص الأمراض والشخصيات واكتشاف القدرات والمواهب، هو يوفر بيئة مناسبة للوصول إلى نتيجة جيدة.
هل ترى أن الإعلام الجديد يعكس واقع المجتمع السعودي خاصة تويتر؟
* أنا حقيقة متضايق جدًا من تويتر، لأنه استغل للمهاترات والكتابة الرمزية بأسماء وهمية، والشتائم والتجريح، وأنا أدعو الكتاب والمثقفين والمصلحين لأن يستخدموه في إيصال الحكمة لأهلها، وبناء إستراتيجية واضحة للاستفادة منه في التجديد والإضافات المبكرة دون هذه المهاترات.
لكن ما هو تفسيرك لهذه الظاهرة أعني الكتابة بالرموز والمهاترات والشتائم التي ترد في تويتر؟
* أنا عرض علي مجموعة من التغريدات، وأصنفهم على ثلاثة أصناف: قسم يريد أن يفرغ مافي نفسه على الآخرين وهذا ما يسمى في علم النفس بالإسقاطات على الآخرين، وقسم ثانِ: يمارس جلد الذات، وقسم ثالث يكتب بارتجال.
البعض يرفض أن يكون ضعف الوازع الديني فقط هو سبب الأمراض النفسية، هل هذا صحيح؟
* من خلال ما عرض علي وما عاينته وجدت أن 70% لديهم مرض نفسي بسبب ضعف الوعي الديني.
دراستك التي أحرقتها بحجة إساءة فهمها وهي بعنوان «أوضاع الفنانين النفسية»، هل هي تراجع عن الأفكار الواردة فيها؟
* لا، والكتاب سيخرج، والاعترافات التي تم الاعتراف بها في روتانا خليجية والإخبارية ستدون لكني حذفت الأسماء فقط وبقيت الدراسة كما هي.
لماذا لا تدرس أوضاع السياسيين والرموز الدينية النفسية؟
* هذا جيد، لكن فيه إحراج بالنسبة لي لأني أرى نفسي من جملة هؤلاء، لكن دراسة السياسيين النفسية لا أرى لها وجه.
البعض يأخذ عليك أنك تتحدث في كل شيء الفن والرياضة والقضاء والإفتاء؟
* الرسول عليه الصلاة والسلام كان يتحدث في كل شيء، وكثير من العلماء كذلك مثل ابن تيمية وغيره.

