"رياضة البنات".. مخطط تغريبي أم تطور اجتماعي؟

غازي كشميم- جدة
الجمعة 15/11/2013



في ظل التجاذبات الفكرية
"رياضة البنات".. مخطط تغريبي أم تطور اجتماعي؟
النجيمي: لم نفلح بعد في رياضة الأبناء حتى نبدأ في رياضة البنات، ومدارسنا بحاجة إلى تأهيل
الدخيل: ما يستند إليه الممانعون لا يعبر عن أصل الدين وإنما هي قراءات تراثية لبعض العلماء
السامرائي: دوائر غربية لا تزال تنقم على المرأة المسلمة تغطية وجهها وجلوسها في المنزل
أبو خالد: مثل هذه المواضيع أصبحت للاستهلاك، ومضغ الكلام للانشغال عن القضايا الأساسية
المغلوث: موضوع المرأة مثير للجدل في الفترة الأخيرة ورياضتها ليست في سياقها الطبيعي

يبرز الخلاف ويحتد النقاش مع كل قضية تكون المرأة فيها طرفاً من حيث أرادت أم لم ترد، و "رياضة البنات" التي يتم طرحها الآن في المجتمع عبر إجراءات لوزارة التعليم، ومناداة البعض بفتح أندية رياضية خاصة للنساء فتح النقاش واسعاً أمام جدوى مثل هذه الأطروحات؛ ففي حين يرى فريق أن هذه الأطروحات تأتي ضمن مخطط تغريبي يراد نشره في المجتمع لإفساده، وتهيئةً لجر المرأة إلى مربعات التحرر من قيود الدين والأخلاق والعادات، يرى فريق آخر أن هذه حقوق للمرأة تم تغييبها وحرمان النساء منها بدواعي دينية أو أعراف اجتماعية، كما يرى هذا الفريق أن "رياضة البنات" لها شواهد من سيرة النبي عليه الصلاة والسلام وأن الإشكالية في بعض القراءات التراثية البعيدة عن روح الدين وحقيقته. (الرسالة) فتحت النقاش حول (رياضة البنات) بين الممانعين والمؤيدين في سياق التحقيق التالي (كاملاً):

غازي كشميم- جدة
قال الأستاذ بالمعهد العالي للقضاء والخبير بمجمع الفقه الإسلامي الدولي بجدة الدكتور محمد النجيمي إننا لم نفلح بعد في رياضة الأبناء حتى نبدأ في رياضة البنات، وأضاف النجيمي أن رياضة الأبناء في المدارس تحتاج إلى إعادة نظر وتأهيل، مشيراً إلى أنه ليست هناك فائدة من رياضة البنات في ظل مع عدم تأهل البنايات الموجودة والتي بعضها مستأجرة وبعضها غير معدة إعداداً جيداً، وأوضح النجيمي أنه بعد أن يتم تأهيل بنايات الأبناء وإعدادها إعداداً جيداً يمكن النظر بعد ذلك إلى رياضة البنات ودراستها دراسة مستفيضة. وأشار النجيمي إلى أهمية استفتاء هيئة كبار العلماء بعد إعداد دراسات وافية وشاملة حول هذا الموضوع، ملمحاً إلى أنه لا جدوى من طرح مثل هذه المواضيع في الوقت الحالي. واستبعد النجيمي أن تكون مثل هذه المطالبات –رياضة البنات- ضمن ما يقال بأنه "مخطط تغريبي" يهدف إلى تغريب الدولة لأن الدولة كما يقول النجيمي ملتزمة بالكتاب والسنة، وعزا النجيمي سبب هذه المطالبات لما انتشر من بعض الظواهر غير الصحية على النساء كالبدانة وغيرها، مؤكداً أن حل مثل هذه الظواهر غير الصحية في نظام غذائي سليم وليس التوسع في رياضة النساء. وعن المآلات التي يمكن أن تفضي إليها "رياضة البنات" من وجهة نظر الممانعين قال النجيمي إن أي خطوة يمكن أن تفتح علينا أبواب فساد إذا أريد للفساد أن ينتشر مؤكداً أن تلك "المآلات" من إفساد للمرأة وغيره ليس لها علاقة برياضة البنات وإنما هناك أجندات أخرى قد تعمل لتلك الأهداف.

المرأة ركبت الخيل
من جانبها قالت الأكاديمية والكاتبة الدكتورة ميسون الدخيل إن ما يستند إليه الممانعون لرياضة المرأة لا يعبر عن أصل الدين وحقيقته وإنما هي قراءات تراثية لبعض العلماء، وأوضحت الدخيل أن هناك من العلماء المعتبرين من أيد رياضة النساء مستندين إلى ركوب المرأة للفرس في أيام النبي عليه الصلاة والسلام بالإضافة إلى مشاركتها في الغزوات، وتساءلت الدخيل كيف يمكن لها أن تشارك في تلك الغزوات إذا لم تكن مهيأة جسدياً؟ ونفت الدخيل أن تكون الرياضة ستتسبب في نزع الحياء أو الحشمة من المرأة كما يقول البعض. وعن ما يحذر منه البعض من مفاسد رياضة البنات مثل خروجها من البيت واختلاطها بالرجال ردت الدخيل بأن المرأة قد خرجت من البيت فهي تذهب للعمل والتعليم وللشراء وللمشافي،  كما أن المرأة أصبحت تقضي حوائجها في الدوائر الحكومية وغيرها فهل سنمنع خروجها فقط عن الرياضة. واستنكرت الدخيل القول بأن المطالبة برياضة البنات ضمن مخطط تغريبي مشيرة إلى أن كل خطوة في هذا الاتجاه تُتهم بأنها مخطط تغريبي، مشيرة إلى أن هناك بالفعل مخططات تغريبية تتمثل في هجوم الثقافة الغربية علينا لكن الحل يكمن في تقوية ثقافتنا الداخلية وتربيتنا الأسرية وليس في المنع، مؤكدة على أن الرياضة مفيدة ليست فقط من الناحية الجسمية وإنما أيضاً في الضبط الأخلاقي والسلوكي والمحافظة على الالتزام في الوقت.

الممانعة هي الحل
من جهته قال أستاذ الثقافة الإسلامية سابقاً في جامعة الملك سعود الدكتور نعمان السامرائي إن المشكلات المتعلقة بالمرأة عموماً تأتيها الشرور والمفاسد من ناحية الاختلاط، فو كانت مثل هذه الرياضات أو غيرها من المناشط في بيئة تخص النساء فقط فإنه لا توجد فيها إشكالية. وأشار السامرائي إلى أن كثيراً من القضايا بها مصالح ومفاسد وعلينا موازنة ذلك، والنظر إلى ما يغلب على طبيعة الأشياء. وذكر السامرائي أنه في اليابان عمل استفتاء حكومي على النساء لمعرفة رأي النساء في الواجب الأول الذي من المفترض أن تضطلع به المرأة، وأظهر ذلك الاستطلاع بحسب السامرائي أن 96% من النساء يرين أن عملهن في البيت أول الواجبات بخلاف ما هو حاصل لدينا من رغبة الكثيرين في إخراج المرأة من بيتها. وأكد السامرائي أن مجتمعاتنا تتعرض بالفعل إلى هجمات تغريبية، مستدلاً بأقوال كثير من المستشرقين والدوائر الغربية التي لا تزال تنقم على المرأة المسلمة تغطية وجهها وجلوسها في المنزل، مشيراً إلى أنهم يحاولون إخراج المرأة بأي طريقة كانت وإلى أي شيء لمجرد الخروج فقط والتحرر من البيت، مؤكداً أن الغرب كله يدفع في هذا الاتجاه. وأوضح السامرائي أن المجتمعات المسلمة تتعرض لضغوط هائلة فوق طاقتها باسم حقوق الإنسان وغيرها وبالتالي فإن علينا الممانعة قدر المستطاع، لأنه في حالة استجابت الدول الإسلامية لكل الضغوط الغربية لأصبحت كل دولة إسلامية عبارة عن دويلات أصغر. وكشف السامرائي أن هناك دولاً غربية تمارس منهج الممانعة في بعض القضايا الثقافية مثل اللغة وغيرها كما في فرنسا التي لا يسمح بالإعلان فيها بغير اللغة الفرنسية.

مواضيع مستهلكة
أما الأكاديمية والكاتبة الدكتور فوزية أبو خالد فتعزو هذه الممانعة لرياضة البنات إلى ترسبات التسعينات وما سمي بالصحوة في ذلك الوقت، والآن بدأت محاولات تصحيح الأوضاع، وإن كانت متأخرة لكنها خير من أن لا تأتي. وتساءلت أبو خالد هن هذه الجهات الممانعة هل هي من أولياء الأمور أم من البنات أنفسهن أم من بعض من أسمتهم "المتشددين"، مشيرةً إلى أن من لا يرغب في ممارسة بناته للرياضة فله ذلك لكن لا يعممه على الجميع. وأشارت أبو خالد أنه في بعض الأحيان يراد شغل المجتمع عن بعض القضايا المصيرية بمثل هذه المواضيع لذلك فهي تثار من فترة لأخرى. وأوضحت أبو خالد أن مثل هذه القرارت هي ذات حدين مستبعدة أن يكون الغرب أو مؤسساته هي من يدفع ويضغط على المجتمعات الإسلامية لتمرير مثل هذه الأجندات لأن له وسائله وقنواته الأخرى التي يمكن أن يغزونا بها مثل التكنولوجيا والأفلام وغيرها. كما أوضحت أبو خالد أن المرأة في كل الشعوب تمارس حياتها بشكل طبيعي فكانت تخرج وتذهب إلى الحقل وتتسلق الأشجار، واليوم تمارس حياتها أيضاً بشكل طبيعي لكن وفق معطيات العصر الحديثة مشيرة إلى أن هذه المخاوف هي فوبيا مبالغ فيها من قبل الممانعين. وقالت أبو خالد إنه يجب علينا أن نأخذ منظومة الإصلاح ككل ورياضة البنات أحد أوجه النشاط الحديثة التي لا تعرقل الاهتمام بجوانب الإصلاح الأخرى. وأكدت أبو خالد أن مثل هذه المواضيع أصبحت للاستهلاك، ومضغ الكلام للانشغال عن القضايا الأساسية؛ فالرياضة في نهاية المطاف نشاط من الأنشطة الاعتيادية؛ فلو حصلت فبها ونعمت، ولو لم تحصل فلن تؤخر شيئاً، لأن رياضة الأولاد لم تصنع لنا شيئاً عظيماً، وهي في نهاية المطاف- أي الرياض- إحدى الوسائل النظيفة لتفريغ الطاقات واستثمارها ولا تستحق كل هذا الصدام والجدل.


وفي ذات السياق يرى أستاذ الثقافة الإسلامية بكلية الشريعة بالأحساء الدكتور غازي المغلوث أن موضوع المرأة بالعموم مثير للجدل في الفترة الأخيرة، وموضوع رياضة المرأة ليست في سياقها الطبيعي، وأوضح المغلوث أن هناك نوعاً من التركيز على ظهور المرأة إعلامياً وإعطاءها مساحات كبيرة في ذلك، مما يجعل الناس تتخوف لأن قضايا المرأة قضايا حساسة في كل المجتمعات. وأشار المغلوث إلى أن طرح قضايا المرأة في الفترة الحالية يعتبر مثاراً للجدل، ومستفزة للهواجس، مؤكداً على ضرورة الرجوع للهيئات الشرعية الرسمية ودراسة المصالح والمفاسد الناتجة عن التوسع في "رياضة البنات"، وأن عدم اتباع مثل هذه الآليات قد يعطي الحق لمن لديه مخاوف في هذه القضية. ونفى المغلوث أن يكون هناك مانع شرعي لممارسة البنات للرياضة من حيث المبدأ لكنه يتحفظ على طرحها بقوة في وسائل الإعلام مؤخراً إضافة إلى تركيز المؤسسات الدولية في الغرب على قضايا المرأة في المملكة، وأشارالمغلوث أن المشكلة ليست في رياضة البنات بحد ذاتها وإنما في الاستجابة للضغوط الخارجية والدولية لإعطاء المرأة مساحات أكبر وأكثر في كل فترة مما هو موجود في الواقع. وعن المبالغة في النظر إلى قضايا المرأة وما يطلق عليه البعض "فوبيا المرأة" رد المغلوث أن من يطلع على تقارير وسائل الإعلام الغربية يجد أن هذه النظرة لها ما يبررها، مشيراً إلى أن وبشكل يومي نجد هناك مقالات وكتابات حول هذا الموضوع بالإضافة إلى الهجوم على المؤسسات الدينية وهجوم على دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب ومع هذا الهجوم لا بد أن تكون لهذه المخاوف مبرراتها.  


 

ليصلك كل جديد عنا ولنكون علي اتصال