حوار : غازي كشميم
الجمعة 15/11/2013
لم يفتأ يهاجم
وينتقد الخطاب الديني الحالي في سبيل اختلافه مع المبدأ الذي يقوم عليه هذا الخطاب
من وجهة نظره وهو تسييس الدين وتغليف القضايا الدنيوية بغلاف إسلامي كما يقول، كما
أن محاولات انفتاح الإسلاميين على الآخر وقبولهم بالتعددية الفكرية غير مقنعة
بالنسبة لضيفنا نظراً لبقاء انتماءاتهم وتحزباتهم الضيقة من وجهة نظره. هذه
القضايا وغيرها من قضايا الخطاب الديني فتحتها (الرسالة) مع الكاتب والإعلامي الدكتور
علي الرباعي؛ فإلى تفاصيل الحوار (كاملاً):
·
ما سر تكثيف
انتقادك على الإسلاميين لدرجة أن جل ما تكتبه هو ضدهم، بشكل أو بآخر؟
o
هذا نوع من الاستنتاج
الذي أحترمه، لكن القضية قضية مبدأ حق الاختلاف مع الفكرة، فالبعض يتوقع حالة
خصومة أو عداء مع أفراد أو رموز وهذا غير صحيح، فأنا اعتبر نفسي صديقاً للجميع،
وهجومي هو على التسييس أساساً حين تكون الفكرة دنيوية وتغلف بغلاف ديني، أو مشروع
للحياة يُلبس لبوساً إسلامياً، فأنا ضد هذه الفكرة لأني اعرف تفاصيلها الماورائية،
وأعي توجه الخطاب المؤدلج الإسلاموي، الذي يبحث عن سلطة، ويريد التحكم في مصائر
العباد، وإعادة الناس إلى الوراء مئات السنين بدلاً من تجميل المكان وتمكين
الجمال، الضدية هنا مع الخطاب المنغلق على ذاته.
·
لكن بعض الإسلاميين
يقدم طرحاً جديداً يحاول أن يجمع بين الدين والدنيا، وهو ما يسميه البعض "التنوير
الإسلامي"، ما رأيك في مثل هذا الطرح؟
o
نحن لو نعود
للتاريخ سنجد أن هناك دائماً إضاءات تنويرية تسر الناظرين إلا أنها استثناء تؤكد
صحة القاعدة الظلامية.
·
لكن هذا الطرح
أيضاً يستند لمرجعية إسلامية في المحصلة؟
o
هذا ليس عيباً، نحن
ضد تغليف القضايا بالغلاف الديني أمام الناس حتى يسترزق منها البعض. أما كون
التنوير ينبع من الإسلام فأنا مؤمن بأن الإسلام تنويري، ومؤمن بالحس الإنساني في
النصوص الشرعية، وعائشة رضي الله عنها أول من نقدت الخطاب الديني عندما وقفت أمام
راوي حديث يقطع صلاة الرجل ثلاث: المرأة والكلب والحمار فقالت: "أجعلتمونا
نداً للحمر والكلاب"، فأنا اعتبر هذه إضاءة تنويرية، وعمر الفاروق رضي الله
عنه أوقف إقامة حد القطع في عام المجاعة،
وحاول المقاربة بين المصلحة والمفسدة، ونحن نريد الخطاب الإسلامي التنويري الذي
يربط الناس بالله روحياً، وبالحياة العامة اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً وثقافياً
دون سلطوية وشمولية قاسية تتعارض مع الفطرة ، نعم للدين الأصلي ولا لـ "الأصولي
الوصولي".
تهمة العقل السعودي
·
عنوان كتابك "الصحوة
في ميزان الإسلام.. وعاظ يحكمون عقول السعوديين"، أليست هذه تهمة للعقل
السعودي بأنه إمعة وغير قادر على التفكير.
o
أنا لم آخذ المنحى
العلمي التطبيقي منهجاً يجعلني آخذ عينات
وبالتالي نحكم عليها حكماً موضوعياً وعلمياً دقيقاً، وإنما جاء الكتاب ليحكي تجربة
شخصية لي من خلال أثر المنبر وتأثيره على الناس، الواعظ فعلاً مؤثر على الناس،
وابن القيم يرى أن العالم موقع عن الله، ومن الممكن أن يأتي شخص طويل اللحية قصير
الثوب وغير مؤهل شرعيا ويؤثر على جماعة المسجد بوجهة نظره المغلوطة ويعتبرها
تشريعاً لا تجوز مراجعته فيه.
·
هل هذا مؤشر على
إشكالية في العقلية السعودية؟
o
هذه إشكالية في
العاطفة وليست في العقلية، فعاطفتنا تغلب على عقليتنا، وليس لدينا منهج المراجعة
لأي شخص يقف في المسجد ويخطب أو يعظ خاصة وأن هناك أشياء لا يقبلها العقل، وابن
تيمية له كتاب (درء تعارض العقل والنقل) مفاده أن العقل الصريح لا يعارض نصاً صحيحاً،
فليست هناك تصادمية بينهما، فعندما يأتي شخص ويدغدغ المشاعر ويتحكم بعقليتك من
خلال توظيف النص بحسب فهمه ظناً منه أنه يعالج إشكالية وتوافقه فيما قال فعند ذلك
يمكن أن نقول أنه اختطف عقلك.
·
لكن عندما تقول (وعاظ
يحكمون عقول السعوديين) معنى ذلك أن العقلية سطحية لدرجة التحكم بها بسهولة.
o
لا أقول سطحية
وإنما عاطفية جداً انطلاقاً من حبنا لله جل وعلا ورسوله عليه السلام وانتماءنا
لديننا الذي هو عصمة أمرنا، نحن لدينا إشكالية في السعودية وهي (العقلية
الوصائية)، فعندما تنظر إلى الانتماء الأولي للفرد تجد رب الأسرة الذي هو الأب
غالباً وصياً عليك، وعندما تخرج إلى المسجد فهناك وصاية الإمام، وعندما نذهب إلى
المدرسة فهناك وصي هو المعلم وتتدرج حتى تصل إلى شيخ قبيلة أو الشرطة وحتى تصل كذلك إلى الحاكم. فهذه جحافل من
الوصايات المتعددة، والأبوية الطاغية، وأنا أمجد الشخص الذي يقول (لا) ليس عناداً
واعتباطاً بل كونه يبحث كذلك عن ما وراء الأشياء، فالتسليم المطلق لا يكون إلا لله
ورسوله، كما يقول تعالى: "وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً
أن يكون لهم الخيرة من أمرهم"، ما عدا ذلك فأنا أجادل وأقبل وأرفض، فالله
زودنا بالعقل ومن حقنا أن نحترم عقولنا، والغزالي يقول في الإحياء "إن العقل
هو النبي في داخل كل إنسان"
الصحوة والثورة الإيرانية
·
اتهمت الصحوة في
كتابك بأنها قد تكون "صنيعة أجنبية"، لكنك لم تقدم أدلة حقيقية على ذلك
خاصة وأن هذه تشبه إلى حد ما تهمة الخيانة العظمى.
o
لا، أنا لم أقل
أجنبية، وإنما قلت وافدة، وأنا أعرف ذلك لأني ابن الخطاب الديني خاصة عندما بلغ
أشده كنت منضوياً تحت لوائه وكنت من المدافعين عنه والمتحمسين له، وكنت أرى أن
المشروع الصحوي مشروع مستوحى من الثورة الخمينية الشيعية بدءاً من الشريط الإسلامي الذي تمكن بعد
تسويقه من تبوأ العرش.
·
رغم التنافر بين
المشروعين؟
o
عندما تعمل كمشروع
إسلام سياسي يمكن أن تستنبط أي فكرة ولو ماركسية أو برغماتية، وأنت تذكر أنه في
بداية التسعينات كانت هناك جبهة الإنقاذ في الجزائر بزغ نجمها في ذلك الوقت، ثم
بعد ذلك بدأ أخذ المشروع الصحوي في السعودية ينشط ويروج أفكاره بقوة.
·
لكن لماذا يحق لكل
التيارات الأخرى الوجود وحرية الرأي وتطبيق أفكارها السياسية ولا يحق للتيار
الإسلامي ذلك؟ هل حققت أي من تلك التيارات شيئاً من الرفاهية والتنمية لشعوبها؟
o
لا بد أن نفرز بين
شيئين؛ أن تتحدث باسم الله، وأن تتحدث باسمك، أنا مؤمن بمقولة بعض التيارات في بعض
البلدان بأنه لا نجاح ولا قابلية لقيام
أحزاب سياسية على فكرة دينية، نحن كلنا مسلمون وكلنا مرجعيتنا الإسلام، و الأحزاب
لها أجندة عمل يومية سياسية واقتصادية وثقافية وغيرها تحتاج إلى انفتاح كامل وقبول
بالآخر، فإذا جاءت تلك الأحزاب تتكلم بالحلال والحرام فستدخل في دوامة الفرز بين
المسلم والكافر والمتدين وغير المتدين وتنسى أو تتجاهل مبدأ المواطنة الذي يساوي
بين الجميع دون تركيز على عقيدتك أو مذهبك أو فكرك.
احتكار الصواب
·
هناك تيارات
إسلامية تقول إنها لا تحتكر الصواب وإنما تقدم قراءة من القراءات المستندة إلى
المرجعية الإسلامية.
o
صحيح، لكن خطورة
الأحزاب الإسلامية أنها تحكم بقوتين؛ قوة بشرية اجتماعية تسندها عاطفة المسلمين
الدينية، وقوة إلهية تقوم على قول الله ورسوله وهذه إشكالية كونك حين تعترض ترد
كلام الله، وعندما ترفع شعار (الإسلام هو الحل) هذا ليس صحياً، فالدين الإسلامي
أبو الثوابت، والسياسة أُمّ المتغيرات، وهناك قضية أخرى، فعندما نقول إن هناك
تياراً إسلامياً في السعودية معنى ذلك أن البقية تيارات غير مسلمة، وهذه إشكالية مصطلح
مورّط ، كما أن هناك إشكالية في التطبيق إذ إن هذا الخطاب يؤدي إلى عنصرية المجتمع، فعندما ترى نفسك متميزاً عني بصفة
مقدّسة ما فلك حق محاسبتي ومحاكمتي، إضافة إلى أن الولاءات الحزبية ضيقة، ونحن في
عصر عولمي إنساني، نؤمن جميعاً أن مظلتنا إنسانية واسعة "وجعلناكم شعوباً
وقبائل لتعارفوا"، والتعارف هو تآلف وتعاون وتكامل مع الآخرين.
·
لكن حتى الإسلاميين
الذين قبلوا بالتعددية في بعض البلدان انقلب عليهم بعض الليبراليين والعلمانيين.
o
القضية ليست أن
تحوز على السلطة وينقاد لك الآخرون لأنك في السلطة، وإنما القضية ماذا قدمت خلال
وجودك في السلطة؟ وتجربة الإخوان في مصر كنموذج تعارض نصوصاً صريحة في أدبياتهم
التي تقول أنه لم يحن الوقت بعد لكي يتولون السلطة في بلد ما لأنهم لم يختبروا
أنفسهم ولم يسيروا سيراً تدرجياً في عالم السياسة. كما أن أدبيات التيار الإسلامي
لا تؤمن بالحرية لأنها ترى أن الحرية ضد الله ورسوله وهذا ليس صحيحاً، فالحرية
مستمدة من الله "لا إكراه في الدين"، "فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر"
·
يُتهم التيار
الإسلامي بأنه تغلغل في المجتمع بسبب انغلاقه على ذاته، ألا ترى أنه مع انفتاح
المجتمع أيضاً كان للتيار الإسلامي حضوره القوي والمؤثر؟
o
أي خطو إيجابية
ينبغي أن تشكر وتذكر، وأنا أرحب بالانفتاح لكن أيضاً كيف أقبل تغيير هؤلاء لخطابهم
وهم ما زالوا ينتمون لأحزابهم وتياراتهم أو بعض المفاهيم كمفهوم الأمة الذي يستدعي
فكرة الخلافة.
·
لكن هناك أطروحات
إسلامية كثيرة ومتقدمة تجاوزت خطاب الخلافة.
o
لا، ما زالت تطرح
حتى الآن، والعريفي طرحها مؤخراً في مصر وقال إني أراها رأي العين.
·
البعض يجعل التيار
الإسلامي هو سبب فشل التنمية الاقتصادية، والإصلاح السياسي، وغيرها من المعضلات
رغم أنهم لا يملكون سلطة رسمية، هل هذا منصف برأيك؟
o
الإشكالات تراكمية،
والتيار الإسلامي جزء من الأزمة، طالما أنه يصادر العقل الحر، أعطني فرداً حراً
أعطيك شعباً حراً.
تفكيك الخطاب
· لك مقال بعنوان "تفكيك الخطاب الصحوي"، هل هو رد على ما انتشر
مؤخراً في وسائل التواصل الاجتماعي تحت عنوان "تفكيك الخطاب المتصهين"؟
o
ياصديقي هذه تقال
من البعض، لكني أصدقك القول بأني ما سمعت عن هذه العبارة إلا في رمضان حين قالها أحمد
بن راشد في إحدى البرامج التلفازية، ومقالي كان قبل ذلك، لكن أحياناً تتقاطع
الأفكار، وبعضهم قال إن كتابي (الصحوة في ميزان الإسلام) هو رد على كتاب (الحداثة
في ميزان الإسلام) وأنا أقول إنها مُشاكلة لفظية فقط. وبناءً على معاييرهم
الإسلاموية فقد يكون الخطاب الصحوي أيضاً
متصهين فبالعودة إلى بروتوكولات حكماء صهيون نجد أن الإسلاميين ينحون نفس منحى
الصهيونية من السيطرة على وسائل الإعلام ومنابع المال والعقليات البريئة.
الحركة الثقافية
·
بما أنك كاتب وشاعر
أيضاً لك بعض الدواوين الشعرية، ما أبرز معوقات الحركة الثقافية والأدبية في
المجتمع السعودي؟
o
أحياناً أشعر بأن
مشروعنا الثقافي لم ينمو بشكل طبيعي، فالمشروع الثقافي أو الفكري دائماً ينمو بشكل
تدريجي مثل الإنسان حين يكون طفلاً ثم ينمو شيئاً فشيئاً، ونحن نمونا الثقافي لم
يكن تراكمياً صحيحاً فقبل أربعين سنة مثلاً كان هناك طرحاً ثقافياً قوياً وصراعاً
بين المثقفين والأدباء صراعاً من أجل الفكرة وليس صراعاً من أجل الحسابات الشخصية،
ثم جاءت الصحوة وعلا صوت المنبر على حساب الخطاب الثقافي، وهذا يعتبر وأداً
ثقافياً أو معنوياً لأنه أصبح هناك صوت واحد وباقي الأصوات كانت خائفة من المحاكمة
أو المحاسبة، ثم جاءت فترة الانفتاح هذه فاندفع الناس للكتابة والنشر وأصبح الكل
مثقفاً لأنه ليست هناك معايير واضحة للثقافة.
·
هل أدى ذلك إلى
(شعبوية الثقافة)؟
o
لا، الإشكالية في فقد
التراكمية الطبيعية دون أدلجة ولا تسييس ولا تدجين، المفترض أن يكون عمرنا الثقافي
أكثر من ثمانين سنة منذ بداية الوحدة الوطنية، لكنك لو تنظر الآن فستجد أن أضعف
أضلاع مثلث المجتمع لو اعتبرنا أن المجتمع (السلطة والدين والثقافة) هو ضلع
الثقافة، بينما الضلعين الآخرين بينهما انسجام وتقاطع. و الثقافي دائماً هو محل
تهمة ربما لأن انتماءه للثقافة الحرة والإنسان وليس للمصالح الخاصة، فالمثقف
العضوي المنتمي كما يقول غرامشي آخر ما يفكر بنفسه، ودائماً تفكيره في الآخرين. ومن
علامات البؤس لدينا أن أضعف شيء هو الثقافة والمثقفين. حتى شعبياً تجد أن السمعة
السيئة تحوط دائرة المثقفين، بينما هناك دوائر أخرى تقع منها أخطاء لكن سرعان ما
يغفر لها المجتمع كونها رموز دينية أو سلطوية أو غيرها. ونحن لا نبرئ الوسط
الثقافي من وجود الفساد الأخلاقي أو غيره من التصرفات الفردية التي تحسب على
الثقافة إلا أن المثقف كائن مغلوب على أمره.
·
هل هناك إرهاب
ثقافي من داخل الدائرة الثقافية؟
o
هناك إرهاب نفسي من
داخل المثقف نفسه، فتجد بعض المثقفين والكتاب يكتب مقالة ثم يرجع ويقول لك أريد
تعديلها أو تنقيحها أو غير ذلك، فهناك حالة قلق لدى المثقف، وبعضهم لديه حس القمع
البوليسي القديم، وهناك صورة تراجيدية نقلت أن أول من تعلم الكتابة في العالم
العربي حين كتب سمع به الوالي فقطع يده وعلقها على صدره، وأصبح لدى البعض رُهاب
مما يكتب أو يفكر فيه من اللامفكر فيه، وصح المثل الذي يقول (لذعته الشربة فصار
ينفخ في الزبادي) وفي الختام شكراً للرسالة التي أتاحت هذه المساحة للحوار وتبقى
الأفكار محل جدل وقابلة للنقاش أتمنى أن أكون هنا مُستقلّاً ليكون الكلام محسوباً
على شخصي فقط.
