حوار: غازي كشميم
الجمعة 13/12/2013
استكمالًا للحلقة الأولى من حوارنا مع الباحث والمحاضر في جامعة الملك عبدالعزيز وصاحب كتاب (حركة التصحيح الفقهي.. حفريات تأويلية في تجربة ابن تيمية مع فتوى الطلاق) الدكتور ياسر المطرفي، نواصل في الحلقة الثانية النقاش حول ما يسمى «سلطة الإجماع» وما إذا كانت تمثل قيودًا على الفقيه؟ وتلازم الاجتهاد والشذوذ عن السائد، وانتشار آراء ابن تيمية من غير أن يرافقها انتشار لمدرسته ومنهجيته في البحث والاجتهاد، وغيرها من القضايا في سياق الحوار التالي:
هناك سلطة الآن إذا صح أن نسميها «سلطة الإجماع» و»جمهور العلماء»؛ فكثيرًا ما نسمع «أجمع العلماء.. جمهور الأئمة على كذا..» إلى أي حد يمكن أن تمثل هذه الحالة سلطة مقيدة خاصة، وأن ابن تيمية خالف ذلك الإجماع؟
الاعتراف بالإجماع كمبدأ يُحدد مفهوم النص والحكم لم يكن هو محل النزاع بين ابن تيمية ولا عامة فقهاء المذاهب في عصره، لكن الجديد عند ابن تيمية هو تحرير مفهوم هذا المبدأ ودرجاته، وتحرير دعاواه، وإعادة تأسيس النظر فيها.
فابن تيمية يرى أن الإجماع ليس على درجة واحدة، وأنه ليس كل دعوى إجماع تؤخذ بالتسليم، وكان على استعداد أن يناقش أي إجماع مهما كثر ناقلوه -فعدد الناقلين للإجماع عند ابن تيمية لا تجعله غير قابل للنقاش والفحص والتدقيق- إلى كثير من القضايا المنهجية المهمة التي أثراها ابن تيمية حول الإجماع، وحاولت أن أسلط الضوء عليها في كتاب (حركة التصحيح الفقهي).
الشذوذ والاجتهاد
كثيرًا ما يكون الاجتهاد مصحوبًا بشذوذ عن السائد، هل هي متلازمة بين الاثنين: «الاجتهاد» والشذوذ؟ أم أن الشذوذ بحد ذاته ليس منقصة للفقيه؟ بداية في المنهج الأصولي الفقهي لا يُعتبر السائد معيارًا ضمن معايير القبول والرد للاجتهاد، ولذلك فإنه وعبر التاريخ يسود في بلد ما المذهب الحنفي أو الشافعي أو غيره، ولا يُمكن اعتبار الخروج عن هذا السائد انحرافًا فقهيًا إلا في عقول بعض المتعصبة، أو محدودي الاطلاع على أقوال الفقهاء، وهذا ما دعا الشاطبي (ت:790) أن يقول: «إن تعويد الطالب على ألا يطلع إلا على مذهب واحد ربما يكسبه ذلك نفورًا وإنكارًا لكل مذهب غير مذهبه ما دام لم يطلع على أدلته فيورثه ذلك حزازة في الاعتقاد في فضل أئمة أجمع الناس على فضلهم وتقدمهم في الدين وخبرتهم بمقاصد الشارع وفهم أغراضه». ولذلك كان من أهم ما يتدرب عليه الفقيه أثناء التعلم هو ضوابط الخلاف السائغ وغير السائغ، والتحدي الفقهي في هذه الضوابط من جهتين: الجهة الأولى: تحرير مفاهيمها العلمية التفصيلية وليست المجملة، فعندما تشترط ألا يكون القول مخالفًا للإجماع، فهذا شرط مجمل؛ والتفصيل يكمن في شروط تحقق الإجماع ودرجاته ونحو ذلك من المسائل، والأمر نفسه في اشتراط عدم مخالفة القطعي من النصوص، يأتي التفصيل: في مفهوم القطع وما يتعلق به. الجهة الثانية: التدرب العملي عليها، وليس الاكتفاء بالكلام النظري دون تفعيله على واقع المسائل، فالكثير ربما يتفق معك نظريًا على تلك الشروط، لكن الفجوة تظهر بشكل كبير في مساحات التطبيق.
القلق من الشذوذ العلمي الذي يواجه الفقه اليوم ليس من هذا النوع من الاجتهاد الفقهي الذي يلتزم بالمناهج العلمية للاجتهاد، وإنما يكمن التحدي من ثلاث فئات تمارس التصحيح في المجال الديني عمومًا -والفقهي- على وجه التحديد، مرتبة حسب الأشد فالأشد: الفئة الأولى: التصحيح الديني بشرط القطعية مع النظام الفقهي وأدواته: تعتبر هذه المدرسة أن أي تصحيح فاعل على أرض الواقع مشروط بتجاوز هذا النظام بالكامل، والقطيعة معه والتي يُعبر عنها أحد رموزها وهو عبدالله العروي فيقول في كتابه الحداثة وانتقاداتها: «رباطنا بالتراث الإسلامي في واقع الأمر قد انقطع نهائيًا وفي جميع الميادين، وإن الاستمرار الثقافي الذي يخدعنا لأننا ما زلنا نقرأ المؤلفين القدامى ونؤلف فيهم إنما هو سراب... وسبب التخلف الفكري عندنا هو الغرور بذلك السراب (الذي هو التراث الإسلامي) وعدم رؤية الانفصام الواقعي». الفئة الثانية: التصحيح الديني بشرط استبدال أدوات النظام الفقهي بأدوات جديدة: هذه المدرسة رأت أن التصحيح يمكن أن يكون بالاتصال مع هذا التراث ولكن ذلك مشروط بتغيير الأدوات، وقد جاء موقفها كموقف مقابل أيضًا لمدرسة التقليد، فبينما الأولى لم تحسن أدوات النظام الفقهي مما أدى إلى تعطيل حركة الاجتهاد وفاعليته، ذهبت هذه المدرسة إلى خيار الاستبدال فقررت أن التواصل مشروط باستبدال أدوات النظام الفقهي وإحلال أدوات جديدة أجنبية عنه «في المصطلح والأداة، أو في المنهج والرؤية، أو في التوجه والرهان» كما يقول علي حرب في كتاب الممنوع والممتنع. ونحن إذا ما تعاملنا مع هذا الاستبدال باعتباره اختيارا مبنيًا على أسس موضوعية وعلمية، فإن المشكلة التي وقعت فيها هذه المدرسة من جهة الأدوات تكمن في أمرين: الأولى: تكمن في أن توظيف أدوات هذه المناهج الجديدة هو «توظيف قام على تجاهل السياق الذي نشأ فيه المنهج وما يحوط ذلك من خصائص وينتج من مشكلات»، كما يقرر ذلك البازعي في «استقبال الآخر». والأمر الثاني: في أن هذا الاختيار مبني على عدم القدرة على فهم تلك الأدوات بالشكل الصحيح، فكان القرار هو الاستبدال. الفئة الثالثة: (التصحيح الديني مع ضعف تشغيل
أدوات النظام الفقهي): هذه الفئة دخلت في مجال التصحيح وهي لا تحسن تشغيل أدوات النظام الفقهي، وذلك يظهر من أحد سببين: لعدم فهمها الفهم الصحيح. أو استخدام تلك الأدوات بطريقة غير صحيحة.
الحديث عن هذه الفئات الثلاث يحتاج إلى حديث مفصل، وإيراد لأدلة شواهد وأمثلة حتى يتضح المراد منها بشكل دقيق، ومساحة الحوار لا تتسع لذلك.
التشويش على العامة
دعوات الإلجام والمنع لبعض الاجتهادات الفقهية أو الشرعية المخالفة للسائد، هل يمكن تبريرها بحجة المصلحة وعدم التشويش على العامة؟في المثال الذي قُمت بدراسته وجدت أن هذه الدعوى بالذات هي التي استخدمها المعارضون لابن تيمية في محاولة ثنيه عن القول بفتوى الطلاق، فحيث ينظر معارضوه على أن ما يفعله مخالف للمصلحة يرى ابن تيمية أن إشهار قوله هو المصلحة بعينها. وحيث يرى مخالفوه أن ما قاله هو تشويش للعامة كان ابن تيمية يرى أن ما يفعله هو توسيع ورحمة للعامة ولبيوتهم ولحياتهم وليس تشويشًا لهم. ولذلك فإن هذه التقديرات تحتاج لمعايير دقيقة تضبط هذا النوع من الادعاء بحيث نحرَّرها من المزاج الخاص للفقيه ومن تأثير شخصيته في تحديد ما فيه المصلحة من عدمه.
هل ترى أن حركة التصحيح التي قادها ابن تيمية (وليست الآراء الفقهية والعقدية فقط) كان لها انعكاس في الفترات التاريخية التي تلتها، وما أبرز انعكاساتها إن وجدت؟
في نظري أن حركة ابن تيمية الفقهية في الماضي ظلت محدودة التأثير، إلى أن جاء العصر الحديث الذي حصل لفكره ومنهجه انبعاث جديد بفعل عوامل كثيرة ليس هذا موطن ذكرها، ولكننا وبالرغم من ذلك نجد أن الانبعاث كان لصالح مفردات آراء ابن تيمية الفقهية والتي أخذت حيزًا لا بأس به من الانتشار في مقابل عقليته الفقهية وآليات اجتهاده التي لا تزال ضعيفة التأثير في الأوساط العلمية التي تتنبى تلك الآراء والأقوال.
هل لا بد لحركة التصحيح من سلطة سياسية تساندها وتقويها حتى يكتب لها النجاح والانتشار، وكيف يمكن أن تتعامل مع سلطات معارضة لها؟
لا شك أن تأييد سلطة سياسية (ما) لرؤية فقهية معينة أيًا كانت هذه الرؤية له أثر بالغ في سرعة انتشارها، لكن هذا ليس بالضرورة شرطًا يمنع من انتشار غيرها، خصوصًا إذا ما وجدت حركة التصحيح مناخًا مفتوحًا للتأثير. التحدي الذي ربما يواجه انتشار حركة التصحيح هو في حال مواجهة السلطة السياسية لها، فهذا ربما يحد من انتشارها في فترة زمنية ما على المدى القريب، لكنه على المدى البعيد قد لا يحد من انتشارها، كما هو الحال في حركة ابن تيمية. والأمر سيزداد صعوبة إذا ما استصحبنا في هذا الوقت تنوع أدوات التأثير المفتوحة (القنوات - المواقع الإلكترونية - الإعلام الجديد) وخروج كثير منها عن سيطرة السلطة السياسية في فضاء مفتوح يصعب السيطرة عليه.
الفقيه والفتنة
ذكرت موضوع الفتنة كسبب يجعل الفقيه يتراجع عن حركة تصحيحية ما، إلى أي مدى يمكن اعتبار الفتنة بمعنى (الاختلاف والتفرق) في سكوت العالم عن رأيه؟ الفتنة من حيث المبدأ يتفق كل فقيه على الحرص على تجنبها، لكن الشأن في مفهوم (الفتنة) وفي تنزيل هذا المفهوم على أرض الواقع. ولذلك لابد قبل الدخول في الجدل حول الفتنة لابد من تحرير مفهومها، فربما يقع المرء في الفتنة من حيث يريد الابتعاد عنها، ولذلك يقول الله سبحانه في مثل هذا السياق: (ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا). والفقيه هو الآخر قد يخطئ في تقدير الفتنة، فكما أن الفتوى قد تسبب فتنة، فالسكوت عنها هو الآخر قد يسبب فتنة أخرى، فرفع شعار الفتنة لم يعد كافيًا لإسكات الفقيه عن إظهار رأيه. نحن ننعت أنفسنا بأننا (أهل السنة والجماعة) لكننا لم نحافظ على التوازن الفعلي بين مفردات هذه التسمية فإما أن نضحي بالجماعة على حساب السنة وإما أن نضحي بالسنة على حساب الجماعة، نحتاج أن نؤصل لفقه الموازنة بينهما.
ألا يمكن أن يضيع الكثير من الوقت والجهد بين حركة التصحيح والممانعة في مسائل فرعية أو خارج سياق التصحيح، وكيف يمكن التقليل من هذا الجهد الضائع؟
الانشغال بالمفضول عن الفاضل ظاهرة أشار إلى نقدها الفقهاء من قديم، وقد كانت دافعًا لكثير من الفقهاء في تصنيف بعض مؤلفاتهم. الفقيه يمتلك قدره ذهنية محدودة، وعندما يستنفدها في قضايا جزئية معينة فإن هذا سيكون على حساب تحريره لقضايا أكثر أهمية منها. نعم؛ لا يمكن للفقيه أن ينفك من الاشتغال بفرعيات المسائل، لأن هذا من صميم عمله، لكن المهم أن لا يكون ذلك على حساب القضايا الكلية المنهجية الكبرى التي تضبط مسار الفقه وتُحدد معالمه الأساسية.
الانشغال بالمفضول عن الفاضل ظاهرة أشار إلى نقدها الفقهاء من قديم، وقد كانت دافعًا لكثير من الفقهاء في تصنيف بعض مؤلفاتهم. الفقيه يمتلك قدره ذهنية محدودة، وعندما يستنفدها في قضايا جزئية معينة فإن هذا سيكون على حساب تحريره لقضايا أكثر أهمية منها. نعم؛ لا يمكن للفقيه أن ينفك من الاشتغال بفرعيات المسائل، لأن هذا من صميم عمله، لكن المهم أن لا يكون ذلك على حساب القضايا الكلية المنهجية الكبرى التي تضبط مسار الفقه وتُحدد معالمه الأساسية.
ذكرت أن الحركة التصحيحية عندما لاقت ممانعة لجأت إلى السر والخفاء ولم تندثر، وكتب لها الانتشار بعد ذلك، هل معنى ذلك أن الأفكار الإصلاحية والتجديدية لا بد من إتاحة الفرصة لها لاختبارها على أرض الواقع؟
عندما نتحدث عن حركة تصحيح فنحن نتحدث عن تجربة عملية، وليس على مجرد آراء نظرية مثالية، حركة التصحيح لا يمكن أن تُسمى كذلك ما لم تتفاعل مع الواقع، وتؤثر فيه، وتساهم في تغييره. الواقع ليس دائمًا عنصرًا سلبيًا في علاقته مع الأفكار، بل الواقع شرط ضروري في تفعيل الأفكار وتنزيلها. هناك نظرة تخوف عند البعض من علاقة المسائل بالواقع من جهة القلق من ضغط الواقع الذي يؤدي إلى انحراف رؤية الفقيه. ووجود صور من مسايرة الفقيه للواقع على حساب النظر الموضوعي للواقعة الفقهية لا ينبغي أن تدفع الفقيه لتجاهل واعتبار الواقع، ففقه الضرورة والحاجة والمصلحة كلها مرتبطة بمراعاة إكراهات الواقع. هناك ما عنونت له في أحد فصول كتاب (حركة التصحيح) بـ: (الأزمة التي تنتج التحرير)، وقد تعرضت لها بشيء من الاختصار، بالرغم من أنها جديرة بالتوسع والتحليل وجمع الشواهد، فنحن في المسار الفقهي نجد أن كثيرًا من المسائل لم يتم تحريرها إلا عندما تعرضت لاختبار عسير على أرض الواقع وابتلي الناس بها، الأمر الذي جعل الفقيه مضطرًا لأن يراجعها ويحقق القول فيها ولا يكتفي بمجرد النظر العابر فيها الذي تلقاه عن شيخه أو مذهبه، وفي كثير من الأحيان يظهر للفقيه رأي مخالف لما كان عليه رأيه من قبل، وهذا بسبب ضغط الواقعة التي جعلته يعود إلى المسألة ويغرلبها من جديد.
عندما نتحدث عن حركة تصحيح فنحن نتحدث عن تجربة عملية، وليس على مجرد آراء نظرية مثالية، حركة التصحيح لا يمكن أن تُسمى كذلك ما لم تتفاعل مع الواقع، وتؤثر فيه، وتساهم في تغييره. الواقع ليس دائمًا عنصرًا سلبيًا في علاقته مع الأفكار، بل الواقع شرط ضروري في تفعيل الأفكار وتنزيلها. هناك نظرة تخوف عند البعض من علاقة المسائل بالواقع من جهة القلق من ضغط الواقع الذي يؤدي إلى انحراف رؤية الفقيه. ووجود صور من مسايرة الفقيه للواقع على حساب النظر الموضوعي للواقعة الفقهية لا ينبغي أن تدفع الفقيه لتجاهل واعتبار الواقع، ففقه الضرورة والحاجة والمصلحة كلها مرتبطة بمراعاة إكراهات الواقع. هناك ما عنونت له في أحد فصول كتاب (حركة التصحيح) بـ: (الأزمة التي تنتج التحرير)، وقد تعرضت لها بشيء من الاختصار، بالرغم من أنها جديرة بالتوسع والتحليل وجمع الشواهد، فنحن في المسار الفقهي نجد أن كثيرًا من المسائل لم يتم تحريرها إلا عندما تعرضت لاختبار عسير على أرض الواقع وابتلي الناس بها، الأمر الذي جعل الفقيه مضطرًا لأن يراجعها ويحقق القول فيها ولا يكتفي بمجرد النظر العابر فيها الذي تلقاه عن شيخه أو مذهبه، وفي كثير من الأحيان يظهر للفقيه رأي مخالف لما كان عليه رأيه من قبل، وهذا بسبب ضغط الواقعة التي جعلته يعود إلى المسألة ويغرلبها من جديد.
نقص في الحقل الشرعي
عملت دراسة حفرية لأحد أعلام التاريخ الإسلامي، ألا ترى أن هناك نقصًا في دراسة تاريخ الإعلام من ناحية مراحل تطورهم الفقهي والاجتهادي وتفاعلهم مع المجتمع لحساب التاريخ السردي المعلوماتي؟هذا صحيح، ونحن في مجال الدراسات الشرعية نعاني من ضعف وقِلَّة الدراسات التحليلية والتاريخية، وهذا أحد إفرازات مناهج التأهيل في الحقل الشرعي وفي الدراسات العليا من جهة، وقلة النماذج التحليلية في هذا الجانب التي يمكن أن يحتذي حذوها الباحث ويتأثر بطريقتها في الكتابة والتحليل. فالحقل الشرعي يحتاج إلى كثير من جوانب التدريب العملي على مناهج التحليل والنقد العلمي.
كيف تقيم حركات التصحيح في الوقت الحاضر، هل هناك حركة تصحيح، وما أبرز معالمها؟
في مقدمة كتابه (إصلاح الفقيه) أثار د.هيثم الرومي سؤالًا ذكيًا للغاية، وهو: هل نعيش نهضة فقهية حقيقية؟ وخلص في هذا المبحث إلى أن غالب ما يُذكر من سمات ليُبَرهن من خلالها على أننا نعيش حالة من النهضة الفقهية، هو في الحقيقة لا يمس جوهر العملية الفقهية، مما يجعلنا لا نستطيع أن نطلق عليه عصر نهضة فقهية حقيقي. وإن كان ذلك لا يعني انعدام أي علامات لتحسن الواقع الفقهي إلا أنه يبقى تحسنًا لا يُعبر عن نقلة نوعية للحياة الفقهية. وأنا أتفق مع رؤية د.هيثم الرومي، فالنهوض بالعملية الفقهية يحتاج إلى جهود واستراتيجيات ومناهج تعليمية جديدة ليتحقق ذلك.
نعيش حالة صراع كتلك التي عاشها ابن تيمية مع خصومه لكن على شكل تيارات فكرية، إذا ما أسقطنا تلك الحالة على التيارات الإسلامية المعاصرة، هل هي بحاجة إلى حركة تصحيحية في فكرها وممارستها؟
عملية التصحيح صيرورة لا يمكن التوقف عنها، وأي حركة لا تمارس التصحيح فإنها ستفقد حيويتها وإمكانية استمرارها وتأثيرها، وفي كثير من الأحيان تُقر التيارات نظريًا بأهمية التصحيح، لكن ممارسة التصحيح عمليًا مهمة شديدة الصعوبة، ولذلك نلاحظ أن النقد التصحيحي غالبًا ما يأتي للحركات من خارجها وليس من داخلها، والذين يُصححون من الداخل إما أن يتعرضوا للتهم بالتراجع أو يتعرضوا للنقد بعدم الحكمة.
غير مركزي
ذكرت من جملة الممانعين للتصحيح الجمهور والأتباع، وفي عصرنا الحاضر تعاظمت سلطة الجماهير كما هو حاصل في «الإعلام الجديد» مثلًا، إلى أي مدى يمكن أن يلعب الإعلام التقليدي والجديد دور المقيد للعالم أو الفقيه أو المصلح؟ ميزة الإعلام الجديد أنه إعلام غير مركزي، بمعنى: أنه ليس هناك جهة فكرية أو سياسية معينة يمكنها أن تحتكر القول أو التفاعل فيه. ولذلك فإن الجماهير في هذا الإعلام كما أنها تمارس على الفقيه دورًا كبيرًا في التصحيح، فإنها أيضًا قد تمارس ضغطًا باتجاه عدم التصحيح؛ فهي قد تُقيد حركة الفقيه حيث يتخوف من تعرضه للنقد في حال صرَّح ببعض الآراء المخالفة للسائد، وفي المقابل قد تدعوه لمراجعة بعض أقواله التي أخطأ فيها وزلت بها قدمه.
أشرت في أحد الهوامش إلى أن وصف مسألة ما بالعقدية أو الفقهية ليس وصفًا مؤثرًا من حيث الأهمية أو مسوغ الخلاف، هل معنى ذلك استواء المسائل العقدية والفقهية من حيث الإيمان والعمل بها؟
هناك اعتقاد شائع عند عدد من الباحثين إلى أن وصف المسألة بكونها عقدية يعطي لها امتيازًا خاصًا في التعامل معها يختلف عن التعامل مع المسألة الفقهية، وهذا ليس بصحيح؛ لأن الوصف بـ(العقدي) أو (الفقهي) تصنيف موضوعي فقط؛ أي: إلى أيِّ علم تنتسب هذه المسألة؟ ومسائل العلم الواحد ليست على درجة واحدة من حيث موقعها من النص الشرعي، ولذا فإن الاعتبار في كيفية التعامل يرجع إلى موقعها من النص الشرعي، فلا يمكنك مثلًا أن تساوي بين وجوب الزكاة وهي مسألة لا تذكر إلا في الفقه، وبين مسألة رؤية النبي لربه في الدنيا وهي مسألة مذكورة في كتب العقائد، فوصف المسألة بكونها عقدية ليس مؤثرًا في ذاته، بل المؤثر هو منزلة المسألة من الشريعة.

