“السياحة الدينية” بين التحفظ الشرعي والاستثمار المادي

غازي كشميم - جدة
الجمعة 27/12/2013


لا يكاد يعرف أو يتداول مصطلح «السياحة الدينية» إلا في العالم الإسلامي وربما في بعض دول شرق آسيا والتي تعتنق شعوبها بعض الديانات والمعتقدات، وفي ظل اهتمام بعض الدول العربية مثل مصر والعراق بما يسمى «السياحة الدينية» لما تمثله من حفظ للذاكرة التاريخية بجانب عوائدها المادية، يتحفظ البعض وربما يتخوف من استخدام هذا المصطلح لما يمكن أن يترتب عليه تغيير في السلوك التعبدي أو الاعتقاد القلبي تجاه بعض الأماكن والآثار الدينية، فهل هناك مبرر لهذه التخوفات؟ وهل نحن بحاجة إلى صناعة «سياحة دينية» تساهم في حفظ تاريخنا وتراثنا ونعتمد عليها كمورد مادي يعتمد عليه اقتصادنا؟ وهل هناك تجارب إسلامية اعتمدت على «السياحة الدينية»؟ وما الآثار التي انعكست عليها جراء تلك السياحة؟
(المدينة) تحاول سبر أغوار هذه القضية من خلال الاستطلاع التالي:


قال عضو مجلس إدارة الغرفة التجارية بجدة الدكتور عبدالله مرعي بن محفوظ: إن التخوف من استخدام مصطلح «السياحة الدينية» هو تخوف حكومي بالأساس لكن الإعلام الاقتصادي والقطاع الخاص يستخدم هذا المصطلح كون المملكة العربية السعودية تحتضن الحرمين الشريفين وتحصل على عائدات مالية جراء زيارات المسلمين لهذه الأماكن، وأكد ابن محفوظ أن إتاحة الفرصة للمسلمين بزيارة الحرمين فيه فائدة عظيمة لهم كما أنه يعود بفوائد كبيرة أيضًا لمنطقتي مكة المكرمة والمدينة المنورة، وأوضح ابن محفوظ أن التخوف الحكومي مقدر وله ما يبرره، لأن بعض العلماء والمشايخ يرفضون مثل هذه التسميات، مشيرًا إلى أن هذا التخوف ليس له أي انعكاسات على أرض الواقع، وموضحًا أن هناك تفاعلا جيدا ما بين هيئة السياحة والآثار وبين وزارة الحج وأمارة منطقتي مكة والمدينة لتسهيل إجراءات عديدة، وكشف ابن محفوظ أن تنمية ما يمكن أن يسمى «السياحة الدينية» منصب على بيت الحرام بما فيها الكعبة المشرفة وبالمسجد النبوي الشريف وليس على الآثار المحيطة بهما أو الموجودة في مكة المكرمة والمدينة المنورة، معللًا ذلك بأن الأصوات الأكثر عددًا وإلحاحًا هي الأصوات المنادية بمراعاة المسلمين حول العالم وتوفير كل الخدمات والتسهيلات لهم أكثر من الأصوات المنادية بالاهتمام بالآثار حول الحرمين أو الأماكن التاريخية في المدينتين، وأكد ابن محفوظ أنه من الواقع العملي والتجربة اليومية وجد أن 90% من المعتمرين يتركز اهتمامهم على الكعبة وعلى الحرمين الشريفين والعبادة داخلهما، ولم توجد أي بعثات أو شركات سياحة تطالب أو تهتم بزيارة الأماكن التاريخية أو المشاعر الأخرى، وإن وجدت فهي أعداد بسيطة جدًا، بل إن بعض البعثات تفضل زيارة مدن أخرى مثل الطائف أو جدة، وذكر ابن محفوظ أن لدينا في العالم الغربي حوالي (350) مليون مسلم كل اهتمامهم منصب في زيارة الكعبة المشرفة أو العمرة فقط، حتى إن مكوثهم هنا وزيارتهم للأماكن المقدسة لا تتجاوز بالأيام أصابع اليد الواحدة، لذلك فمن الناحية العملية فإن التركيز ينبغي أن ينصب على المسجد الحرام وما يحيط به فقط، وأكد ابن محفوظ على أن الاهتمام بباقي الآثار الإسلامية من غير الحرمين الشريفين سيكون إضافة سطحية فقط وليست السبب المباشر في ازدهار «السياحة الدينية» لأن من يأتي إلى هنا يأتي فقط للعمرة أو زيارة المسجد النبوي الشريف.
ثمرة ضعيفة
من جانبه قال عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الدكتور علي الشبيلي: إن مصطلح «السياحة الدينية» مصطلح معاصر يعمل به في داخل الدول الإسلامية لأن هناك مجموعة من الآثار المرتبطة بالإسلام، وأشار الشبيلي إلى أن جزءًا من هذا المصطلح جاء به الإسلام، ويرى الشبيلي أن خروج الإنسان لمجرد زيارة بعض الآثار يحتاج إلى إعادة نظرا لأن المعروف عن أهل العلم هو الخروج في طلب العلم بأنواعه المختلفة لكنه لم يعرف عنهم زياراتهم للآثار، وأبدى الشبيلي تخوفه من تجاوز بعض الناس في زيارة الآثار، مدللًا بأن بعض بلدان الإسلام بها آثار مصطنعة لا حقيقة لها، ولما ألف أحمد تيمور باشا كتابه المشهور (الآثار النبوية)، ذكر في ثنايا الكتاب أن كثيرًا مما يقوله الناس ليس له حقيقة ولا أصل، وأوضح الشبيلي أن المشكلة ليست في هذا الجيل الذي ربما يكون لديه علم ومعرفة لكن الأجيال القادمة ربما تعتقد أشياء أخرى غير ما كانت تعتقده الأجيال الأولى، خاصة وأن النبي -عليه الصلاة والسلام- أخبر بأن هذه الأمة سيحصل بها شرك في آخرها، وهذا الشرك منبعه التعظيم غير الشرعي، وقال الشبيلي: أخشى أن تكون «السياحة الدينية» منبعًا لهذه الأشياء، مشيرًا إلى أنه رغم أن هذه تخوفات إلا أن الشريعة تمنع من الشيء الذي يمكن أن يوصل إلى شيء محرم، وعن كون هذه «السياحة الدينية» قائمة بفعل زيارة ملايين المسلمين إلى الأماكن المقدسة في الحرمين الشريفين، ومدى إمكانية استفادة الدولة من تنمية آثار إسلامية أخرى بهدف العائد الاقتصادي من جهة وترسيخ الثقافة الإسلامية. من جهة أخرى رد الشبيلي بتساؤل عن مدى الاستفادة التي يمكن أن يجنيها المسلم من زيارة «جبل ثور» مثلًا؟ وأشار الشبيلي إلى أن بعض فرق الإسلام تأخذ حجارة من بعض الأماكن المقدسة لديها ويصلون بها لأنها منتسبة إلى مشهد معين، ويمكن إذا فتح المجال في بعض الآثار النبوية أن يأخذ الناس منها بقايا، وأكد الشبيلي أن الثمرة من فتح السياحة إلى مثل هذه الآثار ضعيفة جدًا، وعن المقارنة مع دول غربية تحتفظ بآثارها لترسيخ ثقافة وتاريخ تلك الدول لدى الأجيال، قال الشبيلي: إنهم ينطلقون من منطلقات غير منطلقاتنا كمسلمين لنا ضوابط في تعاملاتنا وفي كل ما نفعل، وألمح الشبيلي أن العائد الوحيد الذي يمكن أن يتحقق من فتح هذه الآثار للسياحة هو العائد المادي الكبير فقط، وأكد الشبيلي على أهمية توريث العقيدة الصافية النقية لأجيالنا بعيدًا عن أي شوائب لأن الشوائب إن كانت اليوم 5% أو 10% فإنها في المستقبل ستصبح 80% أو 90%، وأوضح الشبيلي أن رأيه هذا يبقى وجهة نظر مبني على احتياطات شرعية ولابد في هذه القضية للعودة إلى المرجعية الشرعية في البلاد.

تجربة تركيا
وفي محاولة لمعرفة تجارب العالم الإسلامي حول هذا المفهوم قال القنصل العام التركي بجدة فكرت أوزر: إن المساجد التاريخية والأثرية في تركيا تعتبر من الأماكن السياحية الهامة، والتي تحظى بنسب زيارة عالية جدًا خاصة في مدينة اسطنبول، ويشير أوزر أن هناك اعتناءً خاصًا بها كونها تمثل ثروة تاريخية وثقافية للبلد بالإضافة إلى عوائدها المادية كمعالم سياحية، ولفت أوزر النظر إلى أن تركيا رغم أنها تعتني بالآثار السياحية إلا أنها لا تتبنى مفهوم «السياحة الدينية»، وإنما تسعى إلى بلورة مفهوم «السياحة المحافظة» أو السياحة النظيفة» وهي تلك التي تعتمد على آثار إسلامية وتاريخية بالإضافة إلى اهتمامها بتوفير أجواء إسلامية محافظة بعيدة عن منتجات سياحية محرمة في الشريعة الإسلامية مثل النوادي الليلية، ومحاولة توفير أماكن سياحية عائلية خاصة وغير مختلطة خلاف ما تعتمد عليه السياحة في الدول الغربية، وأضاف أوزر أن مفهوم «السياحة المحافظة» أو «السياحة النظيفة» يتسع في تركيا باستثمارات دول عربية وخليجية بالإضافة إلى إدخال أنواع أخرى من السياحات كالسياحة الترفيهية أو السياحة العلاجية باستثمار الظواهر الطبيعية التي أودعها الله في الأرض كالجبال والبحار والمياه الكبريتية الحارة التي يقصدها الناس للاستشفاء وطلب العلاج.



 

ليصلك كل جديد عنا ولنكون علي اتصال