غازي كشميم - جدة
الجمعة 27/12/2013
في ظل طوفان البرامج الدرامية التلفزيونية التي يتعرض لها جمهور المشاهدين، برزت برامج كوميدية تتعرض لبعض الشخصيات والرموز العامة بالنقد الساخر، ومن جملة تلك الشخصيات رموز دينية تعرضت للنقد في خطابها وسلوكياتها، بالتزامن مع حملات على الانترنت بعضها مؤيد لتلك الانتقادات وأخرى معارضة ومدافعة؛ فما الموقف من نقد الرموز الدينية؟ وما الحد الفاصل بين النقد الإيجابي والسخرية والاستهزاء؟ وهل الرموز الدينية محصنة ضد النقد أو التصويب؟ (الرسالة) ناقشت موضوع الرموز الدينية بين النقد والاتهامات في سياق الاستطلاع التالي:
قال الأستاذ المساعد في كلية الشريعة بالأحساء الدكتور غازي المغلوث إن مبدأ السخرية مرفوض وغير مقبول إنسانيًا وشرعيًا، ولا يمكن أن يرضى أحد بالسخرية من أي أحد كان، وفرق المغلوث بين النقد الإيجابي والسخرية موضحًا أن النقد الإيجابي لا يطال الشخص وإنما يطال الخطاب، وأضاف المغلوث أنه في حالة وجود خلل وقصور في الخطاب فإنه يبين بأسلوب مهذب خاصة إذا كان موجهًا إلى العلماء لأن حملة العلم هم حملة الدين، وأكد المغلوث أن أسلوب تقويم الأخطاء التي يقع فيها العلم لا يكون خارج إطار الأدب والتلطف في الكلام، واستشهد المغلوث بقوله تعالى حين وجه موسى وهارون إلى فرعون فقال: «فقولا له قولًا لينًا لعله يتذكر أو يخشى» وهذا إذا كان في حق فرعون فما بالنا إذا كان في حق عالم أو رمز ديني، وقال المغلوث: إنه يتحفظ على أي سخرية توجه لعالم أو طالب علم، مشيرًا إلى أن السخرية من العالم أو الرمز الديني قد تدل على كره ما يحمل ذلك العالم أو الرمز.
ولا يرى المغلوث إقحام الشخصيات الدينية في المسلسلات الدرامية أو الأعمال الفنية لأن القصد فيها يكون السخرية والاستهزاء، وأشار المغلوث إلى أن غالب ما قدم في الأعمال الدرامية عن الدين والتدين هو بطريقة ساخرة كأن يقدموا رجال الدين بما يظهرهم في مظهر الدروشة أو الخفة أو عدم النضج، كما أن يتم تصويرها في كثير من الأحيان بأنها شخصيات تستغل الدين من أجل مآرب دنيوية، وأكد المغلوث ضرورة تجنب الرموز الدينية في الأعمال الدرامية حتى لا تكون سبة عليهم. وأضاف المغلوث أن تصويب أخطاء العلماء يكون بالمناصحة، وشدد على أهمية أن يكون تناول أشخاص العلماء في الدراما الفنية خطًا أحمر وتابوهًا لا ينبغي التطرق إليه، لكنه في ذات الوقت لا يمانع من تناول الأفكار والسلوكيات الخاطئة عن طريق الدراما إذ أن رسائل الدراما تصل إلى الجمهور بشكل أسرع وأبلغ. واستشهد المغلوث بالمثل الأمريكي الذي يقول إن العقول الكبيرة تناقش القضايا والأفكار، والعقول المتوسطة تتحدث عن الأحداث، بينما العقول الصغيرة تتحدث عن الأشخاص.
نقد لا استهزاء
وعن انتقاد الرموز الدينية قال أستاذ الإعلام والاتصال بجامعة طيبة الدكتور خالد أبو الخير: يجب أن نعرف مصطلح الرمز الديني أولًا؛ فهل الرمز الديني هو المفتي أم القاضي أم إمام المسجد أم الداعية أم أستاذ التربية الإسلامية؟ كل هؤلاء يتحدثون في الدين، ولا نستطيع أن نجمعهم كلهم في بوتقة واحدة، وأشار أبو الخير إلى أن الإسلام ليس كالمسيحية فيه كهنوت يمثل الله في الأرض. وأشار أبو الخير إلى أن الهيئات الرسمية كالإفتاء وغيرها من الجهات التي تجتهد في المسائل الشرعية فهذه الجهات لا يشنع عليهم إذ اجتهدوا في مسألة من المسائل سواءً أصابوا أم أخطأوا لأن المسألة فيها سعة. وفرق أبو الخير بين مصطلحي الدعاة والعلماء إذ ليس بالضرورة أن يكون الداعية عالمًا شرعيًا فالداعية له جمهوره الواسع وله اجتهاداته واختياراته في تواصل وسلوكياته مع الجمهور، ملمحًا إلى أن نقد تلك التصرفات لا يعد نقدًا لما يحمله من فكر ديني وإنما نقد للسلوكيات والتصرفات التي يطرأ عليهم فيها ما يطرأ على غيرهم من الخطأ والصواب. وأضاف أبو الخير أن هؤلاء الدعاة يمكن أن ينقدوا مثلهم مثل غيرهم ولكن ليس بطريقة الاستهزاء بشخصه الأمر الذي يخرج النقد عن الموضوع وعن الموضوعية. واستبعد أبو الخير أن يكون الاستهزاء والسخرية بالدعاة أو غيرهم من الرموز الدينية مما يقلل من هيبة أو محبة الناس لهم، وقال أبو الخير: إن الأمر على عكس ذلك فقد تزيد شعبيتهم جراء ذلك الاستهزاء، مؤكدًا ضرورة أن يكون النقد موضوعيًا وليس شخصيًا أو شكليًا مع الاحتفاظ للعلماء والدعاة بمكانتهم في المجتمع.
لا للتخوين
من جهته قال عميد معهد اللغة العربية للناطقين بغيرها بجامعة أم القرى الدكتور عادل باناعمة: إن هناك حملة تستهدف الرموز الدعوية عمومًا، ووصف باناعمة ما يوجه للرموز الإسلامية بأنه غير موضوعي ولا يتسم بالإنصاف والمصداقية، مشيرًا إلى أن مثل هذه الحملات لا تخدم الوطن وقد تسبب المزيد من الاحتقانات الفكرية بين أبناء الوطن الواحد، وأكد باناعمة أن الرموز الإسلامية لها جهودها وآثارها الواضحة في خدمة المجتمع التي يعرفها عامة الناس. وأشار باناعمة إلى أن المشكلة في هذه الحملات أنها لا تنطلق من أخطاء محددة تعالجها وتناقشها، بل تنطلق من (التخوين) و(القدح في ولاء) هؤلاء الدعاة لأوطانهم وولاة أمرهم. ثم تتجاوز هذا لما هو أخطر، وهو (التحريض) السافر على هؤلاء الدعاة، ومطالبة الحكومة مطالبةً صريحة بقمعهم ومواجهتهم وكأنهم خطرٌ داهمٌ سيبتلع البلاد! بينما أثبتت الأحداثُ أنهم من ألصق الناس بهذه البلاد ومن أكثرهم استعدادًا للتضحية لأجلها.وأضاف باناعمة أن هؤلاء الكتاب يتناسون -عمدًا- كمًا هائلًا من إنتاج هؤلاء يتضمّن الحرص الشديد على هذه البلاد حكومةً وشعبًا، ويتضمن الدعوة للوحدة والالتحام. كما يتناسى الكتاب أن فريقًا منهم كان يحضر المهرجانات الثقافية هنا وهناك ويصور للعالم أن المملكة بلد بدائي منغلق بعيد عن التحديث.
ويتناسون أيضًا أن بعضهم كان شديد الحفاوة برموز ثقافية تكفر بكل ما يميز هذه البلاد من خصوصية دينية وثقافية، روجوا لهم رغم سوء قالة بعضهم في المملكة ونظامها الذي يعتبرونه رجعيًا. ويرى باناعمة أنه رغم كل ذلك فإن أحدًا لم ير في شيء من تلك التصرفات خيانةً للوطن ولا قفزًا على مبادئه وثوابته ولا مشاقّة لولاةِ أمره الذين يؤكدون في كل حين على المرجعية الإسلامية للبلد ورفضهم لتيارات التغريب والمبادئ التي لا تتفق مع الأساس (الديني) الذي قامت عليه هذه البلاد منذ عهد المؤسس، بينما رأوا في (التعبير) عن موقف من قضية إقليمية شغلت الناس خروجًا عن الوطنية.
الحقيقة هي الفرق
وفي ذات السياق قال الإعلامي والكاتب الصحفي عبدالله الكعيد: إن الفرق بين النقد والسخرية هي الحقيقة؛ فعندما نأتي بأشياء غير واقعية من الخيال ونلبسها على الواقع فلا بد أن يكون هناك استهزاء وسخرية، بينما حين نتحدث عن واقع ملموس يراه ويشاهده الجميع فأعتقد أنه قابل للنقد تمامًا، وأوضح الكعيد أن اختراع قصص وحكايات ومقولات من الخيال وإلباسها على شخصية معينة يعد استهزاء أكثر منه نقدًا. واستنكر الكعيد مصطلح «رموز دينية» وقال: إنه ليس هناك رموز دينية وإنما هناك وعاظ ومشايخ وفقهاء وكل هؤلاء تزخر بهم البلد، ونفى الكعيد أن يكون الشخص الذي صنع نجوميته بنفسه من التلفزيون رمزًا، وإنما الرمز من يكون له بصمة حقيقية في مسيرة الدعوة الإسلامية ونشر الإسلام، وأشار الكعيد إلى أن الواعظ حين يكون نجمًا من خلال وسائل الاتصال وغيرها لا يعد رمزًا في الحقيقة، بالإضافة إلى أن كل شخص مهما كان نجمًا في التلفزيون أو غيره ليس بمنأى عن النقد، كما أن نقدهم ليس هو نقد للدين. وألمح الكعيد إلى أن هؤلاء النجوم كثرت سقطاتهم لأن من يكثر حديثه وخروجه في وسائل الإعلام تكثر أخطاؤه وبعد ذلك يحاول أن يتراجع لكن المجتمع لا يرحم. وأضاف الكعيد أنه من الواجب أن لا تشخصن القضايا في أي حال من الأحوال سواء كانت ضد الشخصيات الدينية أو غيرهم من الشخصيات السياسية والاقتصادية أو نجوم دراما. وأكد الكعيد أن النقد يجب أن يوجه للفعل وليس للشخص مشيرًا إلى أن ما دعا الناس لانتقاد الأشخاص بذواتهم هم الأشخاص أنفسهم. وأوضح الكعيد أنه من غير المقبول ولا المعقول أن يؤخذ تيار كامل بجريرة شخص أو أفراد منه، وأكد أن التعميم في النقد صفة العاجز دومًا لأنه عندما لا تكون هناك أدوات حقيقية للنقد يتوه النقد في التعميم ومأزقه، موضحًا أن التعميم ضد أي فعل أو تصرف من غير العقل، كما قال تعالى: «ولاتزر وازرة وزر أخرى».
احتقان المجتمع
من جانبه لا يرى الكاتب والباحث الدكتور عبدالله السفياني استخدام كلمة «الرمز الديني» وتحويل العلماء والدعاة والمفكرين إلى رموز بغرض التقديس أو المبالغة في التعظيم، مشيرًا إلى أن هذا لا يتنافي مع تقديرهم وإنزالهم منازلهم. وأكد السفياني أن النقد ضرورة ملحة في كل حين، وخاصة في وقتنا الراهن، وهو طريق للعافية ينبغي علينا البحث عنه واستجلابه، وعدم التخوف منه أو التهوين من شأنه بل الواجب تعزيزه والدعوة إليه وتعويد الناس والأجيال عليه، وشدد السفياني على أهمية أن يتسم النقد بسمات أبرزها العلمية والأخلاقية فلا نقد إلا بدليل وحجة وبرهان مع مراعاة جانب القيم من عدل وإنصاف وموازنة. وأشار السفياني إلى أنه ليس هناك أحد له قداسة تعصمه من النقد وبيان الحق إلا للوحي وما عدا ذلك فإنه كلام بشر يعتريه الخطأ والصواب ويقبل الجدل والحوار. كما أن النقد لا يعني السخرية والاستهزاء وانتقاص الناس أيا كان مركزهم الاجتماعي؛ لأن بين النقد والاستهزاء والسخرية فوارق يعرفها الناس فهناك فرق في الهدف وفرق في الوسائل والأدوات؛ موضحًا أن هدف النقد بيان الحق وتصحيح الخطأ ورد الظلم، وهدف السخرية إضحاك الناس أو إسقاط الخصوم والتندر بهم. كما ألمح إلى النقد يعتمد على أدوات البحث والتحليل وإقامة الحجج والنظر في الأدلة مع احترام القيم والأخلاق التي تجعل للخصم حق العدل والإنصاف والرحمة. بينما تعتمد السخرية على التقليد والمحاكاة والمبالغة في تصوير المخالف، وتصويره في صورة الساذج والتافه مع وضوح في انتقاصه وازدرائه، وهذا كله ليس من النقد في شيء وإن سموه نقدا لأن العبرة بحقائق الأشياء لا بمسمياتها فإن تسمية الخمر لبنًا مثلًا لا تغير من حقيقتها. وعن استخدام الدراما في عمليات النقد أوضح السفياني إمكانية استخدامها من غير أن تغفل جانب القيم وجانب العلم، وأن تسلط نقدها على السلوك والظاهرة وليس على الأشخاص سواء بالتصريح أو التلميح. ونفى السفياني ضرورة أن يكون من يمارس النقد كاملًا ونقيًا كالملاك بل هو ناقد ومنقود وفيه من الخطأ ما لا يمنعه من بيان الحق وكلنا كذلك! كما أشار السفياني إلى أن السخرية والاستهزاء بالأشخاص والمؤسسات والتيارات بطريقة مستفزة هو عامل من عوامل احتقان المجتمع، وتكريس ثقافة الكراهية بين أفراده، وتشجيع للتحزبات التي ما أنزل الله بها من سلطان؛ ولذلك يرى السفياني أن على العقلاء خاصة من صناع القرار ورواد الإعلام أن يعيدوا النظر في المواثيق الأخلاقية وما يقدم من برامج وغيرها، وتقييم أهدافها وأثرها على السلم الاجتماعي بما يحقق المصلحة الاجتماعية الكبرى.
