غازي كشميم- جدة
رغم تعدد المشروعات الخيرية وكثرة الداعمين لأعمال الخير إلا أن المشروعات الوقفية ما زالت تعاني من ضعف على سواء مستوى الإجراءات والقوانين أو على مستوى الثقافة والوعي بأهميتها في ترسيخ العمل الخيري والتنموي، فما الأسباب التي تقف خلف نمو وتطوير مشروعات الوقف؟ ولماذا لم تزدهر «صناعة الوقف» لدى الجمعيات الخيرية؟ وكيف يمكن خلق بيئة جذابة وفاعلة لتطوير واستدامة الأوقاف لعقود من الزمن؟ (المدينة) تفتح ملف الأوقاف في سياق التحقيق التالي:
في البدء أوضح رئيس مركز جمعية الزواج بمكة عبدالعزيز الحنش أن عدم وجود مراكز متخصصة في الوقف لبيان أهمية الوقف الكبرى والعوائد الناتجة منه وكيفية إدامته يمثل عائقًا رئيسيًا من العوائق، التي تقف أمام المشروعات الوقفية، وأوضح الحنش أن وجود هذه المراكز ضروري لتوعية الناس والمساهمين خاصة وتوضيح أهمية الوقف في الحياة العامة من خلال إقامة الندوات والاستشارات، وأضاف الحنش كذلك أن من أبرز معوقات الأوقاف الإشراف على تنمية الوقف واستمراره ونمائه، وأكد الحنش على أهمية أن يكون ناظر الأوقاف جهة مشرفة أو مجلس إشراف وليس فردا حتى تكون النظرة شمولية والرأي جماعيا في إدارة الأوقاف والحفاظ والرقابة على أموالها، أو التساهل في استغلال العائد ومتابعة إنفاذ شرط الواقف.. كما أشار الحنش إلى أن صعوبة الإجراءات الرسمية التي تلاقيها إدارات الأوقاف في حال استبدال الأوقاف أو ترميمها أو تجديدها، حيث لا تعطى الأوقاف أولوية في إعطاء التصاريح وقد يتعطل الوقف سنوات بسبب هذه الإجراءات.. وبين الحنش أنه لا بد من وجود أكثر من جهة حين تقييم الأوقاف والنظر إليها خاصة تلك الجهات ذات المعرفة بطبيعة الأوقاف وقيمتها السوقية وعدم الاكتفاء فقط بهيئة النظر التي قد لا تكون لديها دراية بالسوق العقاري أو التجاري مثلًا.. وطالب الحنش بعدم الحجر على الأوقاف ونقلها من مكان إلى آخر خاصة إذا كان في مصلحة الوقف والعوائد المتحصلة منه.. وعن اهتمام الجمعيات الخيرية بالأوقاف كاستراتيجية لها في تنمية مواردها المالية قال الحنش، إن ذلك يعود إلى ثقافة المتبرع نفسه، حيث إنه ينشط ويتفاعل مع بعض قطاعات العمل الخيري وقلا لا يتفاعل مع البعض الآخر، ودعا الحنش المساهمين إلى إعطاء اهتمام بمختلف المناشط الخيرية خاصة تلك التي تؤثر تأثيرًا مباشرًا على الواقع والمجتمع. ودافع الحنش عن الجمعيات الخيرية وأكد أن بها تسويقًا جيدًا لمشروعاتها لكن المساهمين تنقصهم الثقافة والوعي بأهمية وشمولية الأوقاف خاصة أن كثيرًا منهم يتجه إلى المشروعات ذات التأثير المباشر والعاجل وليس إلى صدقة جارية.
من جهته قال الأمين العام السابق لهيئة الإغاثة الإسلامية الدكتور عدنان باشا: إن الثقافة والوعي بأهمية الوقف تلعب دورًا مهمًا في تنمية الأوقاف، مبينًا أن الوقف يسهم في تنمية واستقرار الدعم الذي تعتمد عليه الجمعيات الخيرية خاصة وأن الاعتماد على دخول الأفراد يمثل مخاطرة عالية لأن الأفراد يتعرضون لأزمات شخصية متعددة في مقابل التزام المنظمات الخيرية بمشروعات ومصروفات يومية وشهرية وسنوية.. وأشار باشا إلى أنه لا توجد أنظمة وقوانين لاستقبال أموال الأوقاف وتنميتها وتطويرها والاستفادة القصوى منها في العمل الخيري، وأضاف باشا إلى أن بعض المساهمين يتخوفون من مآل أوقافهم خاصة أنه لا توجد صورة قانونية ملزمة وواضحة تضمن بقاء هذه الأوقاف وتطويرها والحرص عليها وصرفها في مكانها الصحيح.. وبين باشا أن الجميعايت الخيرية ما زال ينقصها الوعي والثقافة بأهمية الأوقاف والانهماك في العمل الدوري واليومي وعدم النظر باستراتجية بعيدة المدى لضمان مصادر الدخل عن طريق الأوقاف، وأشار باشا إلى أن هناك نقصًا لدى الجمعيات الخيرية في العمل التسويقي لمشروعاته بحيث تجذب المساهمين.
وفي ذات السياق أكد أستاذ الثقافة بجامعة الملك سعود الدكتور خالد القاسم أن أهمية الوقف تنبع من جهتين؛ فهي أولًا تقوم بمصالح المسلمين إذ إن القيام على مصالح المسلمين ليست خاصة بالدولة بل هي مسؤولية عامة يساهم فيها المجتمع ويكمل دور الدولة، كما أن الوقف من جهة ثانية ينفع الميت بعد وفاته كما قال صلى الله عليه وسلم: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث...صدقة جارية»، وكما ورد عن جابر بن عبدالله أنه «ما من أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ذو مقدرة إلا وقف». وعن أبرز العوائق التي تقف أمام نشر ثقافة الوقف بين المسلمين قال القاسم إن عدم الطمأنينة لدى الناس تجعلهم يترددون في الوقف، ودعا إلى أن تكون هناك أنظمة صارمة لحماية الأوقاف حتى يطمئن الواقف أن أوقافه لن يتم العبث أو التدخل بها ويتصرف عوائدها في أماكنها. كما دعا القاسم إلى أن يكون هناك نظام للنظار والقائمين على الأوقاف، وأكد القاسم على ضرورة تسهيل إجراءات تسجيل الأوقاف.

