عرض: غازي كشميم - جدة
الجمعة 03/01/2014
مع سرعة التغييرات الاجتماعية، وتطور الاحتياجات البشرية لا مناص للعمل الخيري -والذي يمثل ركيزة أساسية من ركائز التنمية في المجتمع- لامناص له من تطوير رؤاه واستراتيجياته، وتحسين قدراته وآلياته لتنفيذ خططه وأهدافه بما يتناسب وتطلعات المجتمع، وبما يضمن له مواكبة التغيرات الاجتماعية والثقافية لدى شرائح المجتمع المختلفة، وفي هذا الإطار تبرز أهمية تقديم المزيد من الدراسات والأطروحات حول العمل الخيري وسبل تطويره والارتقاء به وفي هذا الصدد جاءت دراسة «رؤية استراتيجية للعمل الخيري السعودي للخمس سنوات القادمة من 1434هـ- 1439هـ».
ففي دراسته التي أعدها لمركز مداد المتخصص في دراسات العمل الخيري أشار الباحث الدكتور غسان الصديقي إلى أهم الاستراتيجيات التي على الجمعيات الخيرية في السعودية تبنيها خلال الخمس سنوات القادمة؛ وأوضح الصديقي أن من أهم الاستراتيجيات توثيق الصلة مع المجتمع عبر الحملات الإعلانية والعلاقات العامة والبرامج الجماهيرية والذي من شأنه أن يعرف الجمعيات الخيرية بأولويات المجتمع وتحفيزه من جانب آخر للمشاركة في أنشطتها وبرامجها. وأوضح الصديقي أن ذلك يتطلب الاستفادة من خبرات المختصين في الإعلام والعلاقات العامة ومهارات الاتصال، كما أوضح الصديقي أن ذلك سيغير من نظرة المجتمع للجمعيات الخيرية والتي تنحصر في قيام الجمعيات بخدمة مجموعة محددة من الناس وعلى باقي الجمهور أن يتعرف فقط على تلك الأنشطة من غير مساهمة أو فعل ذاتي من الجمهور.
ثاني الاستراتيجيات التي تركز عليها الدراسة هي نشر ثقافة التطوع الأسري والذي يقصد به القيام بأعمال تطوعية من قبل أفراد الأسرة وليس بالضرورة أن يكون تحت مظلة جمعية معينة وإنما يكون عبارة عن مشروع قصير ينجز خلال أسابيع معينة، ويتجلى دور الجمعيات الخيرية في صناعة الأفكار وتصميم المشروعات والمبادرات المناسبة للأسرة المحلية، وتوفير الإرشاد والتوجيه اللازم إضافة إلى نشر هذه الثقافة، كما اقترحت الدراسة القيام بتشجيع الأسر من خلال عقد المسابقات والملتقيات وإبراز التجارب المميزة. كما أكدت الدراسة أهمية استراتيجية فتح أبواب الجمعيات للشباب المتطوعين نظرًا لتزايد المجموعات الشبابية المتطوعة، والتي باتت تستقطب الشباب من مختلف الأعمار والتوجهات. مشيرة إلى أن تلك المجموعات يمكن أن تمثل موردًا بشريًا للجمعيات لتوسيع نطاق برامجها وخدماتها. كما أنه سيساهم في توجيه الشباب وزيادة خبراتهم وصقل مواهبهم. وأكدت الدراسة على أن ذلك يتطلب إعادة تصميم بعض الوظائف بما يتناسب مع سمات الشباب، كما أنه يتطلب تصميم أنشطة جديدة يمكن إيكالها للشباب المتطوعين. من ضمن الاستراتيجيات التي تدعو إليها دراسة الصديقي؛ التوسع في إنشاء وتطوير المؤسسات الاجتماعية وهي التي تقوم على أعمال تجارية لغرض تحقيق أهداف اجتماعية، والأرباح التي تحققها يعاد استثمارها لتحقيق تلك الأهداف الاجتماعية، وذلك بعكس المنشآت التجارية التي تطمح لتحقيق أعلى عائد للملاك والمستثمرين، وتختلف الجمعيات الاجتماعية عن الجمعيات الخيرية التقليدية في كونها تدير أعمالها بطريقة ربحية تضمن لها الاستدامة المالية ولا تحتاج إلى تبرعات المانحين ودعمهم بشكل دائم، ويوضح الصديقي أن من مزايا المؤسسات الاجتماعية أن رسالتها تحفز العاملين بها وترفع إنتاجيتهم كما تحفز الآخرين من المتطوعين بدوام جزئي منخفض الأجور، كما أن تلك المؤسسات تستطيع الحصول على هبات أو قروض حسنة من جهات داعمة لها أو ممن يقتنع بفكرتها، ولأن المؤسسات الاجتماعية لا تهدف بالأساس إلى تعظيم الربح لذلك يمكنها تقديم خدماتها ومنتجاتها بأقل الأسعار.
ومن أهم الاستراتجيات التي دعت إليها دراسة الصديقي بناء القدرات المؤسسية للجمعيات الخيرية وذلك نظرًا إلى الضعف الكبير في الجوانب القيادية والإدارية في العمل الخيري عمومًا، مما انعكس على مخرجات ونتائج الجمعيات الخيرية، وفي هذا الصدد يشير الصديقي إلى أن أهم مؤشرات القدرات المؤسسية للجمعيات تمثل الرؤية الواضحة والمركزة، الأنظمة المالية الفعالة والشفافة، بيئة العمل المحفزة، القدرة على التنفيذ الفعال، إدارة الكوارث والأزمات، ثقافة التطوير المستمر. كما أشارت الدراسة إلى ضرورة توفير بيئة ملائمة وداعمة لمشاركة المرأة في العمل الخيري بما يمكن من الاستفادة من طاقات ومواهب قدرات نسائية للتأثير على بنات جنسهن. وتلمح الدراسة إلى أن وجود نماذج غير منضبطة ومبادرتها إلى المشاركة والظهور في الإعلام أدى إلى تكوين صورة ذهنية عن المتطوعات غير متطابقة مع الواقع.
وفي بناء التحالفات والشراكات في القطاع الخيري أوضحت الدراسة أن المسألة باتت ملحة للتنسيق والتكامل بين مختلف الجمعيات خاصة على نطاق المنطقة الواحدة، واقترح الباحث القيام بدراسات لمعالجة توفير ما يسمى «البنى التحتية المشتركة» مثل البنى التكنولوجية والمعلوماتية والتقارير الإحصائية، وغيرها، بالإضافة إلى التدريب المشترك وتبادل الخبرات والتجارب بين الجمعيات المتشابهة بهدف التطوير المستمر، وفي سبيل ذلك يدعو الصديقي إلى إنشاء مراكز معلومات ودراسات داخل الجمعيات الخيرية، وتشكيل مجالس تنسيقية للعمل التطوعي لدراسة هموم وقضايا العمل التطوعي.

