باحث تونسي: ما يتلقنه الطلاب في المدارس يخدم صدام الحضارات

غازي كشميم - جدة
الجمعة 03/01/2014


تعددت منابر الحوار والتلاقي بين نخب الثقافة الإسلامية والثقافة الغربية حتى لا يكاد يمر شهر من غير أن نسمع عن ندوة هنا ومؤتمر هناك؛ يتحاور فيها أهل الفكر والرأي حول قضايا طالما تسببت في تأجيج الصراع بين الثقافتين، وعند تجاوزنا لأهمية ذلك الحوار ومنابره لا ينبغي أن نغفل عن سؤال النتائج التي ترتبت على تلك الحوارات واللقاءات، وما الذي أسهمت فيه ونجحت؟ وما الذي أخفقت فيه وفشلت؟ ولماذا فشلت؟ وما العوائق التاريخية والتنظيمية التي تقف أمام تلك الفعاليات؟ وما الأدوات الفعالة التي أغفلها المتحاورون والمثقفون لنشر هذه الثقافة بين أبناء شعوبهم؟
في دراسته التي نشرها مركز «مؤمنون بلا حدود» للدراسات والأبحاث يلاحظ الأستاذ بكلية ﺍﻟﻌﻠﻮﻡ ﺍلإﻧﺴﺎﻧﻴﺔ ﻭﺍلاﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ ﺑﺘﻮﻧﺲ الدكتور علي بن مبارك أن كثرة ملتقيات الحوار في كل المجالات على المستوى الوطني والعربي والإسلامي والعالمي لم تؤثر في السلوك الثقافي وفي عقلية الإنسان العربي والمسلم، وتساءل الباحث؛ لماذا لم تستطع كل هذه الحوارات والملتقيات أن تحول التنوع الثقافي إلى سلوك وتخرج به من دائرة الشعارات والبيانات؟ كما تساءل ما إذا كان هذا يعني أن حوار الثقافات لم يكن في حقيقته سوى حوار مثقفين اجتمعوا وتبادلوا الآراء والمجاملات ثم ختموا لقاءهم ببيانات منتظرين لقاءً جديداً؟ ويؤكد الباحث أن محدودية تأثير الحوارات الثقافية في المجتمعين العربي الإسلامي والغربي من أهم العراقيل التي حالت وما تزال تحول دون تغيير صورتنا حتى يفهمها الآخر على حقيقتها، مشيراً إلى عدم وجود أصداء لهذه الإنجازات الحضارية الكبرى في برامج التعليم أو وسائل الإعلام أو الخطب الدينية. كما أوضح الباحث تقصير وسائل الإعلام ومؤسسات التربية والتعليم بالاهتمام بهذه المسألة بل ربما وجدت برامج دينية تثير نعرات الخلاف والصدام. وفي المقابل أوضح الباحث أن الإنسان الغربي يعاني من أمية ثقافية لا تقل خطورة عن تلك التي نعيشها في عالمنا العربي والإسلامي؛ فباستثناء المشاركين في لقاءات ومؤتمرات الحوار الثقافي المنعقد بيننا وبينهم فإن المواطن الغربي لا يكاد يعلم بحيثيات تلك الحوارات البناءة. ويوضح مبارك أنه برغم وجود أصوات غربية منصفة لنا وتعترف بحضارة العرب والمسلمين وتدافع عن حقوقهم الثقافية وتمسكهم بهويتهم إلا أن تلك الأصوات لم تستطع أن تتجاوز قاعات المؤتمرات والندوات ولم تصل بعد إلى شعوب العلام الغربي، ويعزو مبارك السبب في ذلك إلى أن وسائل الإعلام الغربية تعد من أهم أسباب «الأمية الثقافية» التي تعيشها تلك الشعوب. خاصة أن القوى الصهيونية تهيمن على نسبة كبيرة من وسائل الإعلام الغربي، الأمر الذي يجعلها تهول وتوسع مجال الخلاف بين المنظومتين كلما وقع خلاف أو تصادم. ويوضح الباحث أمراً في غاية الأهمية وهو غياب التراكمية والتنسيق في جهود حوار الثقافات الأمر الذي يعد من أبرز العوائق في مسيرة الحوار. ويشير مبارك إلى غياب الاستفادة من التجارب السابقة بالرغم من كثرة الحوارات والملتقيات، مبيناً أن هذا الخلل التنظيمي يجعل من الحوارات بين الثقافة العربية الإسلامية وبقية الثقافات أعمالاً مشتتة ومتقطعة لا تأثير لها في أصحاب القرار والسلوكيات الاجتماعية. ومن جملة العوائق التي تقف أمام حوار ثقافي وبناء؛ الصعوبات المعرفية التي تتمثل في جهلنا بأنفسنا ابتداءً وبالآخر ثانياً، حيث يجهل أبناء العرب والمسلمين حقيقة إسهاماتهم العلمية وإنجازاتهم الحضارية ومواطن التنوير والازدهار، الأمر الذي ينعكس سلباً على قدرتنا على تقديم صورة واضحة ومشرقة لتاريخنا وحضارتنا، كما أن هذا الجهل بالذات يرافقه جهل بالآخر إذ لا نعرف عن ثقافة الآخرين وتاريخهم وتطورات أنظمتهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية عبر التاريخ. كما أننا لا نقدم في مدارسنا ومؤسساتنا التعليمية تصوراً كاملاً وموضوعياً عن الثقافة الغربية. ومن الصعوبات التي تلقي بظلالها على الحوارات الثقافية الصورة النمطية التي تأسست في أذهاننا تجاه الغرب وفي أذهان الأوروبيين تجاهنا والتي تستدعي الحروب الصليبية أو الحروب المقدسة كما يسميها الأوروبيون، كما تستدعي الصورة النمطية الاستعمارَ الذي جثا على صدور المجتمعات العربية والإسلامية عقوداً وقروناً. ويؤكد مبارك أن مما يرسخ صورة العداء الديني ما يتلقنه التلاميذ في المدارس والجامعات من دروس تضخم الأحداث وتوجهها لخدمة صدام الحضارات فيعيش المتعلم تلك الأحداث ويحلم بتجديدها في حين أن الدين وكما يرى مبارك لم يكن إلا عاملاً من عواملها.


 

ليصلك كل جديد عنا ولنكون علي اتصال