عرض - غازي كشميم
الجمعة 07/02/2014
لم يجد الخطاب الديني بدا من اقتحام القنوات الفضائية بعد تكاثرها وثبوت تأثيرها على الرأي والوجدان الإسلامي العام، ولم يكتف بالمشاركة والدخول في هذا المضمار بل أخذ في المنافسة مع البرامج الأخرى والأفكار المغايرة، وأحيانًا بنفس الشروط والمعايير من الإثارة والتشويق والتسويق الإعلامي، فهل أثر ذلك على شكل الخطاب الديني في تلك القنوات الفضائية؟ وما الحالة التي بدا عليها ذلك الخطاب وهو يسوق نفسه من خلال المعايير الإعلامية التنافسية؟ وكيف يمكن تقديم خطاب ديني مؤثر في ذات الوقت الذي يحفظ له مكانته وهيبته بعيدًا عن أدوات الصراع والتنافس؟ هذا ما تناولته الورقة البحثية بعنوان: الخطاب الديني في القنوات الفضائية العربية.. دراسة وتحليل للمضمون).
ينطلق أستاذ الفلسفة في كلية الآداب والعلوم الإنسانية الدكتور محمد الغيلاني في أطروحته من مبدأ التنافس على الدين كظاهرة تشمل كل المجتمعات، ويشير الغيلاني أن هناك طلبًا على التدين وعلى رموزه، في ذات الوقت الذي يوجد فيه فراغ وعجز تأمين عن الاستجابة لهذا الطلب، ويوضح الغيلاني أن مع هذه الفضائيات تحول التدين إلى منتوج إعلامي يخضع لمقتضيات المنافسة في سوق الإعلام والإشهار، كما يوضح الغيلاني أن مضمون الخطاب الديني في الفضائيات يغلب عليه طابع انفعالي، ولا يخاطب العقول بقدر ما يخاطب الوجدان الديني. وهنا تكمن استراتيجية هذا الخطاب وفعاليته، لأنه يشتغل على «اللاوعي الديني»، ويربط المؤمن بحالة وجدانية لا تساعده على المساءلة أو النقد أو التحفظ، فبنية الخطاب يخترقها المقدس، ومن ثم تستمد شرعيتها التي لا يجوز الطعن فيها أو ردها.
ويكشف الغيلاني أن الخطاب الديني في الفضائيات تهيمن عليه متطلبات التدين لا ضرورات الدين، لكن المتدين في العالم العربي لا يقيم تمييزًا ولا فصلًا بين الدين والتدين، مع أن الفارق بينهما كبير.
ويوضح الغيلاني أن هذا النمط من الخطاب وجد جمهورًا لديه استعداد معنوي، وسوسيولوجي ومعرفي، لأنه يستجيب لحاجة التدين لديه، ويوافق نمط التدين العميق في وجدان هذا الجمهور الذي يريد أجوبة جاهزة منقذة من دون تكلفة معنوية أو مادية.
ويؤكد الغيلاني أن هذه القنوات لا تقدم خطابًا دينيًا علميًا مؤصلًا، لأن هناك ضعفًا شديدًا لدى الرموز الإعلامية المتحدثة على الهواء. كما أن التمكن من المعرفة العلمية ليس من شواغل مشغلي هذه القنوات، لأن هاجسها الرئيس هو ترويج خطاب تنافسي يجلب جمهورًا. إذن، هناك رغبة في استقطاب أكبر عدد ممكن من المشاهدين كاستجابة لقواعد السوق والأسهم، والذي ينشط ضمنه الخطاب الإعلامي الديني. كما يكشف الغيلاني عن تحويل الدين إلى مادة إعلامية خاضعة للمنافسة، وبالتالي الرهان على جلب أكبر عدد من المشاهدين، الأمر الذي يستدعي نجومًا وليس مجرد دعاة.
خطاب جاهز للاستهلاك
يصف الغيلاني الخطاب الديني في الفضائيات على أنه يخلق الرضا عن النفس ويجلب الطمأنينة الداخلية، من خلال الانتماء إلى لحظة تاريخية مليئة بالأمجاد والبطولات والتفوق. وهو بهذا يطور ويغذي عاطفة دينية تعويضية من الناحية السيكولوجية على المستوى الفردي كما الجماعي. لذلك يتم تغييب قضايا المجتمع والسياسة من اهتماماته، ويحول المتدين إلى ناسك أناني. كما يغلب على هذا الخطاب استحضار مكثف للنصوص والسير والأحداث والروايات من دون ذكر لمصادرها أو التدقيق في صحتها، مما يترك المجال لسرد كل الأحداث الحقيقية والمزيفة على السواء، بل أحيانًا يتم الاعتراف بضعف بعض الروايات، ولكن بدعوى أن مضمونها تربوي، فإن ذلك يبرر الاستشهاد بها؛ ولهذا السبب يرى الغيلاني أن الخطابة وفنونها أهم أسلوب في الإقناع أو بالأحرى استجلاب الإعجاب، ومع الإعجاب يتوقف العقل عن التفكير أو التحليل أو المساءلة.كما يتهم الغيلاني الفضائيات بإنتاج خطاب ديني جاهز للاستهلاك، ويستطيع أن يستجيب لمعايير الاستقطاب الإعلامي ولمقاييس المشاهدة، ولذلك يغلب على الموعظة الدينية أسلوب الإثارة والتشويق وملامسة الوجدان. بهذا المعنى، يتحول التدين إلى شكل من أشكال الترويح عن النفس، كما لو أن المشاهد يخضع لحصة علاج نفسي واسترضاء وجداني. كما يوضح الغيلاني أن كل ذلك يتم من خلال قصص وحكايات هي أقرب إلى مثل مجتمع يوتوبي منها إلى واقع التجربة الدينية التاريخية. مضيفًا أن هذا الانزواء في التاريخ مغلف بأخلاقيات مجتمع تاريخي مليء بالرموز وبالكاريزمات، تُعَوِّد المتدين في العالم العربي على الاستمتاع الروحي ببطولاته للتعويض عن انكسارات الحاضر.
ويكشف الغيلاني أن هناك إمعانا في تصريف هذا الخطاب الذي لا يعترف بمشاكل العصر، بل يكتفي بالتحايل عليها، مما يعمق لدى جمهور المتدينين شعورًا بالإحباط الفردي والجماعي،لأن التقديس الذي يشحن به متن الخطاب الديني يولد تعجيزًا سيكولوجيا. وبهذا المعنى، فإن مفاعيل هذا الخطاب تزيد من منسوب الإعجاب بالماضي، والإحساس بالعجز أمام مشكلات العصر.
التناقض في الخطاب
ويكشف الغيلاني في دراسته أن ظاهرة القنوات الفضائية الدينية جاءت لتقوم بوظيفتين أساسيتين: أولاهما: التركيز على التدين الفردي، ومن ثم نشر قيم الخلاص الفردي باسم الدين، ثانيًا التركيز على الخلافات الإسلامية الإسلامية، (السنية الشيعية على الخصوص). وإن كان هذا التركيز لا يتم دائما بشكل مباشر، إذ يعمد الوعاظ على الفضائيات إلى تقديم منظومة من المقولات التمجيدية لشخصيات دينية تاريخية، كرد ضمني على ما يروج، لدى المخالفين مذهبيًا، حول مواقفها وممارساتها التي يعتقد الطرف الآخر أنها لعبت أدوارا تآمرية على مسيرة الإسلام التاريخية. يأخذ هذا التركيز طابعًا مذهبيًا صرفًا يبرئ الذات ويُنَمْذِجُ التاريخ، ويَذُم الخصوم المذهبيين ذما لسد الطريق على كل انفتاح أو تعاط متحرر من الموقف المذهبي. ويكشف الغيلاني أن الوظيفتين معًا جزء من استراتيجية لإعادة صياغة التدين في العالم العربي والإسلامي وفق منهج يصور الدين كقضية فردية، تتسم بنزعة روحية مفارقة، تدعو حينا إلى التسامح والانفتاح والتأقلم، فيما تدعو حينا آخر إلى القطيعة والانغلاق ورفض الآخر. خطاب يدين الحداثة ويتسامح مع مكتسباتها، يدين الأغيار ويطالب بالحوار معهم، يتشدد مع المخالفين مذهبيًا ويدعو إلى التسامح الديني. وفي الوقت نفسه هناك توجيه ديني للتشدد إزاء المخالفين من داخل الدائرة الدينية نفسها، حيث تعمد السياسات الإعلامية إلى تصريف خطاب مذهبي منغلق وغير متسامح. وبحسب الغيلاني فإن هناك مفارقة أساسية تدعو المتدين لأن يكون منفتحًا ومتسامحًا، وفي الوقت نفسه منغلقًا ومتشددًا.ويضيف الغيلاني أن القنوات الفضائية تعكس جزءًا من أزمة الفراغ التي تركها انعدام وجود مؤسسة دينية قادرة على إنتاج خطاب ديني له مصداقية، كما يشير إلى أن الطاقة الدينية لهذه المجتمعات تتعرض إلى نوع من الاستغلال العشوائي الذي يلحق بها تشوهات أصبح التدين ساحة لظهورها وتجليها، بالإضافة إلى ذلك تخلي النخب عن القيام بأدوارها في إعادة بناء وصياغة رؤى فكرية ومعرفية تستلهم من الدين مرجعياتها لتطوير حركة الاجتهاد والإبداع، وتحويل هذه الحركة إلى تيار اجتماعي تنتقل فيه الأفكار الدينية بوصفها إنتاجًا بشريًا خاضعًا باستمرار لإعادة النظر والتأويل. موضحًا أن هذه الحركة تنتظر من يتصدى لتفعيلها في إطار مشروع مجتمعي منفتح على الدين، ومتمثل لمقاصده العليا، باعتباره مشروعًا إنسانيًا كونيًا.

