مساجد جدة القديمة.. تاريخ عريق يشكو الإهمال والاندثار





مسجد الحنفي (يمين)- مسجد المعمار (يسار)

تقرير: غازي بن هلابي - جدة

حين تصلي في أحد مساجد جدة «التاريخية» القديمة لن يفاجئك أنه لا أحد يعرف شيئاً عن تاريخ ذلك المسجد الذي يعود إلى مئات السنين الغابرة، وحين تسأل مؤذن المسجد أو القائم عليه أو حتى إمامه ربما تتعجب أنه لا يعرف عن ذلك المسجد إلا اسمه، هذا فضلاً عن مئات المصلين الذين يؤمونه للصلاة يومياً خمس مرات.
هذه الحالة تلخص ما وصلت إليه مساجد منطقة «جدة التاريخية»، والتي نالها من الإهمال والنسيان ما يهدد عراقتها وتاريخيتها. فمسجد «عثمان بن عفان» والذي يعده البعض أقدم مساجد جدة حيث بني في عهد الخليفة الراشد -عمر بن الخطاب أو عثمان بن عفان على اختلاف في الروايات-، وقد ذكره الرحالتان ابن جبير وابن بطوطة في كتبهما، هذا المسجد لا يكاد يرى له أي أثر تاريخي، بل تحول إلى «زاوية» من الزوايا الصغيرة المنتشرة في تلك المنطقة، كما أن أعمال الترميم والتجديد قد طمست باقي معالمه ليصبح مسجداً مثل باقي المساجد الحديثة. وغير بعيد عن مسجد «عثمان بن عفان» تجد مسجد «المعمار» والذي يتجاوز عمره أربعمائة عام كما يشير الطرابلسي في كتابه (جدة حكاية مدينة)، وسمي باسم والي جدة مصطفى معمار باشا عام 1284 حيث قام بتجديده وإعادة عمارته، وقد توالى على المسجد عدد من أبرز علماء القرن الرابع عشر الهجري، كما يحظى المسجد بأوقاف عديدة من المحال والمكاتب التي يعود ريعها للمسجد، ورغم ذلك فإن المسجد لم يبق من آثاره القديمة سوى مئذنته، و(مكبرية) في وسط المسجد كان يرقى عليها المؤذن ليبلغ تكبيرات الإمام قبل أن تدخل (مكبرات الصوت) الإلكترونية، ويقال إن للمسجد أقبية تحت الأرض كانت تستخدم للتعبد.
أما أبرز المساجد وأشهرها فهو مسجد الشافعي أو (الجامع العتيق)، حيث يعد من أكبر وأقدم مساجد جدة التاريخية، ويعود بناؤه إلى عهد الأيوبيين في القرن السابع الهجري، كما أنه من أجمل المساجد القديمة من حيث البناء والطراز المعماري، حيث يأخذ شكلاً مربع الأضلاع، يحوي في وسطه صحناً مكشوفاً للتهوية، كما تتميز واجهة قبلته بالزخارف الإسلامية القديمة، وقد بقيت مئذنته رغم إعادة بناء المسجد في فترات تاريخية سابقة. كما اعتاد أهل جدة في زمن قريب مضى أن تتوجه مواكب أعراسهم إلى (الجامع العتيق) لعقد القران هناك والصلاة فيه. وإذا كانت مساجد «التاريخية» قد نالها من الإهمال والنسيان الشيء الكثير فإن مسجد الشافعي قد حظي مؤخراً بإعادة تأهيل وترميم مع المحافظة على معالمه التاريخية وذلك بعد قرار خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بإعادة تأهيله وما زال يخضع لأعمال الترميم منذ منتصف 1432هـ، وهناك تخوفات أن تطمس أعمال التجديد القائمة الآن بعض معالمه الأثرية.
وهناك العديد من المساجد التاريخية الأخرى كما هو الحال مع مسجد عكاش والذي شهد مفاوضات سياسية بين وفد الأمير سعود الكبير في عهد الدولة السعودية الأولى وبين الشريف غالب حاكم جدة في ذلك الوقت. لكن المسجد تم تجديده بالبناء المسلح والذي طمس معالمه التاريخية. وإلى الشمال من مسجد عكاش يقع مسجد الحنفي والذي بني عام 1240هـ، وجددت عمارته عدة مرات، كما كان يصلي به الملك عبدالعزيز صلاة الجمعة حين كان يقيم في بيت نصيف. وغير ذلك من المساجد التاريخية القديمة والتي طمست آثارها بالبناء المسلح الجديد، كما أن التصاق الأسواق بجوانب تلك المساجد حجبها عن الظهور مما يجعل الزائر لا يكاد يعرفها أو لا يراها إلا بعد السؤال عنها. 
ويعلق الخبير المعماري الدكتور سامي عنقاوي عن عمليات الترميم والتجديد التي تشهدها بعض مساجد جدة التاريخية ويقول: إن ترميم المساجد التاريخية ينبغي أن يكون بطريقة علمية واحترافية، مبيناً أن هناك نوعين من ترميم العمارة التاريخية القديمة؛ إما ترميم فقط والذي يتطلب إعادة ما تساقط من العمارة والحفاظ على هيئتها وشكلها الهندسي كما هي، وإما ترميم وتطوير وهو الأصعب والذي يتضمن إحياء تلك العمارة واستخدامها الاستخدام المناسب، وأشار عنقاوي إلى أن الترميم الحاصل في مساجد جدة التاريخية ترميم غير صحيح أفقدها عتاقتها وغدت كأنها بناية جديدة، موضحاً أن هناك من يتبرع لترميم المساجد بدافع الخير لكنه لا يتبع الأساليب الصحيحة والعلمية في الترميم.وأضاف عنقاوي أنه يجب تدارك الأمر بسرعة لأن الوضع يزداد سوءاً في مساجد جدة التاريخية، وكشف عنقاوي أن البيوت والعمارة التاريخية القديمة تتنفس وتتحرك فإذا ما كتمت أنفاسها بالدهان والطلاء والاسمنت فإنها تتآكل من الداخل حتى تموت.



 

ليصلك كل جديد عنا ولنكون علي اتصال