غازي كشميم - جدة
الجمعة 31/01/2014
قضية تطبيق الشريعة إحدى إشكاليات الفكر الإسلامي، بل وربما هي إحدى أدوات وأسباب الصراع في بعض المجتمعات العربية والإسلامية، ورغم أهميتها لدى جموع الأمة الإسلامية إلا أنها لم تأخذ حظها من النقاش والبحث التفصيلي والبحثي بعد، ولعل من أهم المداخل التي عالجت هذه القضية مدخل النظرية المقاصدية؛ فهل يمكن أن تكون هذه النظرية مدخلا لحل هذه المعضلة نظريًا وعمليًا في المجتمعات الإسلامية؟
قبل ذلك فإن مصطلح «الشريعة» تعرض لعدة تغييرات وتطورات، وفي هذا الصدد يشير الخبير المقاصدي الدكتور أحمد الريسوني أن كل ما احتواه القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة هي الشريعة الإسلامية وفي هذا تدخل أعمال القلوب كالخوف والرجاء والتوكل وتقوى الله ضمن إطار الشريعة، كما تدخل مكارم الأخلاق من عدل وإحسان وتواضع وصدق وغيرها من أعمال الشريعة، كما أن التعفف عن المحرمات والخبائث والوقوف عند المباحات والطيبات هي أيضًا من الشريعة. والزواج ومساعدة الناس عليه، وحسن العشرة الزوجية فيه، وإنجاب الأولاد وتربيتهم وتعليمهم، كله شريعة وعمل بالشريعة. وكل ما يجلب أو يحقق أو يعزز كرامة الإنسان وحريته وأمنه ورفعته، ماديًا ومعنويًا، هو كذلك من الشريعة ومن إقامتها وتطبيقها. وكل عمل أو مجهود يرفع عن الناس الظلم والغصب والقهر والتسلط والاستبداد، فهو من صميم الشريعة. بل ويذهب الريسوني إلى أبعد من ذلك، متبنيًا رأي الراغب الأصفهاني حين قال: إن مكارم الشريعة تتلخص في تحقيق ثلاث غايات وجودية كبرى في الحياة هي عمارة الأرض وعبادة الله والاستخلاف. ومع التوسع في العلوم الشرعية والتخصصات العلمية ظهرت استعمالات اصطلاحية للفظة «الشريعة» كدلالتها على الأحكام العملية في الدين أي ما سوى العقائد من العبادات الظاهرة والباطنة والأخلاق والآداب، وبذلك أصبحت الشريعة مرادفة للفقه بمعناه الاصطلاحي، وفي العصر الحديث اتجه استعمال اسم الشريعة نحو مزيد من التخصيص والتقليص فأطلق مصطلح (التشريع الإسلامي) على غرار التشريع بمعناه القانوني؛ وبذلك أصبح مرادفًا لمعنى القانون، ومن هنا ظهرت المقابلة والمقارنة بين (الشريعة الإسلامية) و(القوانين الوضعية)، وتعززت هذه المقابلة لتتحول إلى خصومة ومنافسة خاصة حينما تعرضت أحكام الشريعة إلى إزاحة قصرية في بعض البلدان الإسلامية. ويخلص من ذلك الريسوني إلى أنه لا ينبغي أن يحجبنا الاستعمال الضيق لمفهوم الشريعة عن المعنى الأصلي والكلي الذي ينبغي على أساسه تناول مفهوم (تطبيق الشريعة). وبذلك يتضح مدى اتساع الشريعة وامتدادها وتنوع مضامينها، وأنها ليست بذلك الضيق الذي يتصوره أولئك الذين يرهنون الشريعة وتطبيقها بيد القضاة ومحاكمهم، أو السلطات الرسمية فقط، كما أن من أهم وأكبر الخدمات التي تقدم لتطبيق الشريعة في مفهومها الواسع إطلاق الطاقات المعطلة أو المعاقة على مستوى الأفراد وعلى مستوى المجتمعات بعلمائها ودعاتها ومصلحيها وشبابها ونسائها وأغنيائها، والتي ستشكل الرافد الأساسي في تطبيق الأمة لشريعتها التي ارتضتها لنفسها، كما أنها ستمثل الرافد القوي لكل المبادرات الحكومية الراغبة في تطبيق الشريعة، وبذلك تتحقق مقاصد الشريعة الكلية وتتضح سعة وسماحة الدين الإسلامي، وحرصه على مصلحة الدين والدنيا معًا، وحرصه على مصلحة الناس في جميع شؤون حياتهم.
