هل أثر الخطاب الديني على ظاهرة الإلحاد؟

غازي كشميم - جدة
الجمعة 21/03/2014



 تطل علينا -من بين ظواهر عديدة- فتنة الإلحاد، وافتتان بعض الشباب بأقوال فلسفية، ومذاهب فكرية قد تخرجهم من دائرة الإيمان إلى دائرة الكفر وإنكار وجود الله. فهل الإلحاد ظاهرة غريبة جديدة أم إنها موجودة في كل عصر وفي كل زمن؟ وما العوامل والأسباب التي تثيرها وتبرزها بين فترة وأخرى؟ وهل للخطاب الديني السائد دور سلبي أو إيجابي في هذه الظاهرة؟ وأين يقف العلماء والدعاة والوعاظ في مواجهة هذه الظاهرة. قضية (الإلحاد والخطاب الديني) تفتحها المدينة من خلال التحقيق التالي:

قال أستاذ الثقافة الإسلامية بكلية الشريعة بالأحساء الدكتور غازي المغلوث: إن قضية الإلحاد ليست في ارتباطها بالخطاب الديني سواءً كان متسامحًا أم لا، أو متساوقًا مع إيقاع العصر أم لا، موضحًا أن هذا لا يفسر ظاهرة الإلحاد. وأكد المغلوث أن الإلحاد مرتبط بالشخصية القلقة والشخصية المتسائلة، التي دائمًا ما تبحث عن أعماق الأمور وبواطنها والغامض منها، وبالتالي تجد عندها دائمًا طرح الأسئلة التي ربما لا تجد لها إجابات، مشيرًا إلى أن هذا موجود في كل المجتمعات، وقال المغلوث: إن بلدًا مثل الصين به ثلاث ديانات: الكونفشيوسية، والطاوية والبوذية، وهناك الديانة الرابعة وهي اللادينية، وكأنها إشارة إلى أن الإلحاد موجود ولكن بنسبة تزيد وتنقص على حسب تدين المجتمعات، وتدين العصر، وأشار المغلوث إلى كتاب الفيلسوف بدوي (من تاريخ الإلحاد في الإسلام) والذي ذكر فيه شخصيات قلقة في الإسلام، وذكر فيه علماء وطلاب علم كانوا قلقين ومتشككين حتى وصلوا إلى الإلحاد. وأبان المغلوث أن وسائل الإعلام في العصر الحديث لعبت دورًا كبيرًا في إظهار هذه الظاهرة بحيث طفت على السطح، مبينًا أنه قبل هذه الثورة الإعلامية كان الإلحاد موجودًا لكنه لم يسلط عليه الضوء بشكل كبير، بينما الآن فإن أي ظاهرة حتى لو كانت صغيرة يمكن أن تظهر وتتضخم في وسائل الإعلام، مؤكدًا أن المسألة لا علاقة لها بالخطاب الديني، ومدللًا على ذلك بوجود الإلحاد في مصر رغم أن الأزهر يقدم خطابًا دينيًا إلى حد كبير متسامح. وكشف المغلوث عن سبب آخر له علاقة بالإلحاد وهو أن كل شخصية تقرأ وتطلع فإنها في الغالب تنقطع عن المجتمع تمامًا وتتحول إلى رؤية ثقافية مغايرة للمجتمع، مشيرًا في ذلك إلى بعض المثقفين العرب المنفصلين عن الناس وعن واقعهم، لذلك تجد بعض المثقفين والمفكرين العرب يكتب عن غربته في المجتمع. ويرى المغلوث أن الشخصيات القلقة والمتسائلة لا تعود وترجع إلى الفكر الصحيح إلا في نهاية العمر، وهذا ما يغلب عليهم كما نجد ذلك في تاريخنا القديم والمعاصر. وقال المغلوث: إنه لابد من قبول هذه الظاهرة كظاهرة طبيعية في كل زمن وفي كل مجتمع، ونركز على العلاج أكثر من كلامنا على الظاهرة نفسها. وكشف المغلوث إلى أن الدين لابد أن يؤخذ باقتناع لا كعادة ووراثة، موضحًا أن الدين لا يؤخذ بالعادة ولا بالتبعية ولا بالوراثة وإنما الأصل أن يبنى الدين على الاقتناع الكامل، وبما أننا مجتمع محافظ فإن الشخص العادي يتبنى ما عليه مجتمعه بينما الشخص القلق والمتسائل أو المثقف لا يقبل ذلك بل يكون متمردا على ثقافة المجتمع. وأضاف المغلوث أن علاج ظاهرة الإلحاد لا يكون بالتشهير والهجوم خاصة إذا تبناه شباب لأن الشباب يتصفون بالحماسة والعنفوان لأي فكرة يتبنونها، فإذا ما وجدوا هجومًا معاكسًا فإنهم يزدادون حدة وتمسكًا بآرائهم، لذلك فلابد من محاورتهم ونقاشهم والإشفاق عليهم وتجنب معاداتهم، مشيرًا إلى المقولة الشهيرة (كسب القلوب أهم من كسب المدن). وأشار المغلوث إلى أنه يجب عدم تضخيم ظاهرة الإلحاد لأن الظاهرة الدينية ما زالت هي الأوسع والأكثر انتشارًا على مستوى العالم.
تهمة دون إثبات
من جانبه يرى أستاذ العقيدة بجامعة أم القرى الدكتور يوسف الغامدي أن ربط الإلحاد بالخطاب الديني تهمة تحتاج إلى إثبات، مضيفًا أن قضية الإلحاد ينظر لها من زاويتين: إما أن تكون رغبة في التحلل من القيود والضوابط والتخلص منها، وبالتالي يكون المحرك أو المؤثر شخصي وليس خارجي، أما الزاوية الأخرى فهي المؤثر الخارجي وهو المؤثر الغالب في هذه الظاهرة. وأشار الغامدي إلى ما يسميه (الهروب من الداخل) أو عدم استيعاب بعض القضايا الشرعية، أو الإيغال في الدين والتشدد فيه. وأكد الغامدي أن السبب الخارجي هو العامل الأهم والأكثر تأثيرًا في هذه الظاهرة سواءً كان العبث بالأفكار أو إثارة الشبهات، أو تقبل الأفكار من غير أي ضوابط. وأوضح الغامدي أننا لا نستطيع اتهام الخطاب الديني لأنه عبارة عن نصوص الشرع، وإنما الإشكالية التي قد تقع هي في مبلغ الخطاب أو ناقله. مشيرًا إلى بعض القصور في من يبلغ هذا الخطاب الديني، ومبينًا أن من يحمل الخطاب الديني لابد أن يكون على قدر عالٍ من الوعي والتأثير وعلاج الانحرافات، كما أنه لابد أن يكون قادرًا على رد الشبه والإشكالات، وأكد الغامدي أن الشبه لا يجب معالجتها بالعواطف والمواعظ، أو بخطاب تقليدي قبلي يكرس من أهمية العادات والتقاليد، مشيرًا إلى محاورة إبراهيم -عليه السلام- مع النمرود ومحاجته العقلية له. كما أكد الغامدي على أهمية فهم الطرف الآخر ومن لديه الشبهة، بالإضافة إلى تسلح حملة الخطاب الديني بالأسلوب البلاغي والعقلاني وغيرها من الأساليب التي يحتاج إليها إيضاح الأفكار، خاصة في مخاطبة الشباب، مع أهمية استخدام الأسلوب الأنفع والأصلح لكل حالة، وحذر الغامدي من إثارة الشبه أولًا ثم الرد عليها لأن ذلك يمكن أن يورد إشكالات كثيرة على الشباب، مشيرًا إلى أهمية مراعاة المخاطبين؛ فعندنا في الكليات الشرعية وخاصة أقسام العقيدة وأمثالها لابد من طرح مختلف المسائل العقلية والفلسفية وتسليح الطلاب ابتداءً بها، لكن غير ذلك من الأقسام فليس من الحكمة أن تعطيهم الشبه والردود عليها. أما عن ارتباط التشدد الديني في السلوك وعلاقته بالإلحاد رد الغامدي إن الإلحاد ظاهرة فكرية وليست سلوكية، لذلك فعلاجها علاج فكري وليس سلوكي، وأشار الغامدي إلى أن علاقة الإلحاد بالخطاب الديني ليست علاقة لازمة أو مطلقة، ويرى الغامدي أن السلوك العملي للدعاة والعلماء ليس سببًا في الإلحاد. كما كشف الغامدي أن الإلحاد المعاصر يظهر في عدة صور وليست فقط صورة إنكار الإله، فقد يظهر في بعض صور الفكر الوجودي، كذلك صور من الفكر الاشتراكي خاصة التي كانت موجودة في السابق، وبعض الممارسات العلمية التي تقول: إن البحث العلمي يجب أن ينخلع عن المقررات الشرعية والموروثات الدينية.

أحادية الرأي
أما الباحث والمشرف على موقع التاريخ الدكتور محمد بن موسى الشريف فرفض مبدأ التعميم وإلصاق التهمة بإطلاق على الخطاب الديني كونه سببًا في الإلحاد، وبين الشريف أن هناك خطابا منفرا وخطابا متميزا داخل الدائرة الإسلامية، كما أشار إلى أن هناك من حملة الخطاب الديني من يحسن مخاطبة الشباب، وألمح الشريف إلى وجود فجوة بين بعض العلماء والدعاة وابتعادهم عن مخاطبة الشباب بخطاب عقلاني يلبي احتياجاتهم الفكرية ويجيب عن تساؤلاتهم الفلسفية، مشيرًا إلى أن علماء الإسلام مثل أبي حنيفة وأبي جعفر الباقر وغيرهم تصدوا وناقشوا القضايا العقلية، واستدلوا على وجود الله بالعقلانيات. وعن تشدد بعض العلماء والدعاة وأثر ذلك على نفور الشباب من الدين، قال الشريف: إن العالم حين يتبنى قولًا أو رأيًا معينًا لا يتبناه عن هوى أو من شهوة أو رغبة في التعسير على الناس وإنما هذه هي قناعته، مشيرًا إلى أن هناك من يريد علماء يفتونه على هواه أو رغباته، خاصة من قبل الشباب وهذه مشكلة سلوكية، لأن العلماء ليس (ما يطلبه المستمعون)، لكن الشريف أقر بأن لدينا نوعًا من أحادية الرأي والإصرار عليها، وأوضح الشريف أن هذه الأحادية تقابلها مدارس تعطي أكثر من رأي للسائل كأنهم يخيرونه ويوسعون عليه في المسألة حتى يأخذ بأي الرأيين يشاء، مشيرًا إلى أن كل مدرسة لها مزايا عن الأخرى كما أن البيئة تملي أيضًا على العلماء بعض الأمور والقضايا التي يراها البعض تشددًا خاصة مع انفتاح وسائل الإعلام. ويقول الشريف: إنه لأول مرة في التاريخ ينتشر المفتون انتشارًا هائلًا في وسائل الإعلام، ويسهل الوصول إليهم، وأصبح الإنسان يسمع فتوى من هيئة كبار العلماء في السعودية، ثم يسمع فتوى ثانية من مصر، وثالثة من المغرب، وهكذا...، بما تحويه هذه الفتاوى من مدارس مختلفة تتسبب في البلبلة والإرباك، وأشار الشريف إلى أن هناك مدارس تتوسع في مسألة التيسير وبعضها يأخذ بالأحوط والقوة والشدة، ويصبح الشاب مع ذلك في غاية من البلبلة والحيرة من أمره الأمر الذي يؤثر عليه بالتأكيد. ودعا الشريف الشباب إلى الأخذ بالقوة في أمور دينهم، وأن لا يتساهلوا في أمر الفتاوى.

عاديات وافدة
في ذات السياق قال عضو مجلس الشورى عازب المسبل: إنه لابد من تحرير المصطلحات؛ فما هو الخطاب الديني المقصود في هذه القضية، وأوضح المسبل أنه إن كان يقصد بالخطاب الديني الكتاب والسنة فإن هذا الخطاب لا يأتي إلا بالخير ولا يدعو الناس إلا إلى الخير، مشيرًا إلى أن هناك عاديات كثيرة وفدت على بلاد المسلمين وأثرت على شبابها وصرفتهم عن دينهم، مع وجود من يستغل هذه العاديات في التأثير على الشباب مع غياب أحيانًا لبعض أهل العلم الشرعي وانكفاء لبعض العلماء وأهل الدعوة الأمر الذي جعل تلك العوامل لها تأثير كبير. وعن ابتعاد العلماء والدعاة عن مخاطبة الجمهور بخطاب عقلاني وفلسفي يرد على الشبهات قال المسبل: إن ديننا ليس بحاجة إلى فلسفة لأنه دين واضح وجلي، لكنه بحاجة إلى علماء لهم باع في العلم الشرعي والنصوص الشرعية، ولديهم بيان يجلون به ما علق في أذهان الناس من الشبه والضلالات، مشيرًا إلى أن الإسلام دين واضح يفهمه كل شخص رجلًا أو امرأة، صغيرًا أو كبيرًا. وتمنى المسبل أن تكون هناك ثلة من العلماء الذين ينافحون عن دين الله وسنة رسوله ويدفعون الشبه ببيان واضح لا يحتمل جدلًا. وعن تهمة التشدد التي يقولها البعض وما إذا كانت تؤثر في دفع الشباب إلى الإلحاد، قال المسبل: إنه لا يعد تشددًا من يتمسك بكتاب الله وسنة رسوله ويتقيد بالعبادات والسنن على وجهها الصحيح، لكن الداعية من صفاته أن يستوعب الجميع، وأن يصبر على الناس ويتحملهم، وأن يقتدي بنبينا محمد -عليه الصلاة والسلام- حين وجهه ربه جل وعلا: «ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك»، وأكد المسبل أن على الداعية حين يوصل لللشباب رسالة الإسلام أن يوصلها لهم برحمة ورفق.


 

ليصلك كل جديد عنا ولنكون علي اتصال