كتبهاغازي كشميم ، في 22 ديسمبر 2010 الساعة: 18:41 م
في أي طور تعيش أمريكا؟ هل هي فعلاً على حافة هاوية السقوط الحضاري؟ أم أنها لازالت القوة العظمى وستبقى كذلك في المدى المنظور؟ وهل من فائدة في زوالها وهي التي قدمت للناس أرقى مدارج الرفاهية الإنسانية؟
أمريكا الدولة/ الحضارة مثلها مثل الأمم والحضارات الغابرة تسري عليها سنن التاريخ ودوراته الحضارية. وكما تسري على الأفراد حالات الضعف والقوة، والنمو والعجز كذلك تعتري هذه الحالات الدول والأمم كما أكد ذلك ابن خلدون.
وقبل أن نحكم على أمريكا بالبقاء أو الفناء، أو نصف نجمها بالأفول أو استمرارية السطوع فإنه يجدر بنا أن نشخص الحالة الأممية لها عبر دورة حياة الأمم التي تبدأ بالطفولة فالشباب فمرحلة النضج والاستقرار ثم مرحلة الكهولة التي يتبعها الزوال لا محالة. فأمريكا بعد اكتشافها عاشت حالة من التردي والاضطراب انتشرت معها حرب أهلية كادت أن تقضي عليها في مهدها، بدأت بعدها بتوحيد أراضيها واستتباب أمنها وتفجير مكتنزاتها وإرساء حكم القانون بين مواطنيها وولاياتها. ويظهر من تاريخ حروبها الأهلية أنها كانت مرحلة بناء للذات ومحاولة انكفاء على النفس تجلى في مبدأ مونرو الذي ألزم الدول الأوروبية –القوى العظمى في وقتها- بعدم التدخل في شؤون الولايات المتحدة الأمريكية مما عزز انعزالها عن الشؤون الخارجية والدولية، ويمكن أن نطلق على تلك المرحلة من حياة الدولة الأمريكية مرحلة الطفولة والنمو. بعد أن استقرت وحدتها وحدودها قوي اقتصادها بما يملك من ثروات طبيعية وتبادل تجاري كبير مع الدول الأوروبية والأمريكية اللاتينية وبما ورثته من حليفها البريطاني من ثورة صناعية استطاعت تحويله إلى ثورة ثالثة هي الثورة التقنية (بعد الثورة الزراعية والصناعية). ولأن الحالة الصناعية ولدت قوة تجارية استهلاكية، ورغبة في تصريف الإنتاج المحلي فقد بدأت أنظارها تتجه إلى الخارج بشهوة التسلط واحتكار الأسواق الخارجية ولعب دور في السياسة الدولية، لم لا وهي الدولة-القارة كما يسميها جمال حمدان لاتساع رقعتها الجغرافية وإطلالها على أكبر محيطين: الأطلسي لجهة الغرب والهادي لجهة آسيا والشرق. ومع احتدام الصراع الدولي على النفوذ العالمي ودخول الدول العظمى آنذاك الحرب العالمية الأولى نأت بنفسها أمريكا عن الدخول في أتون تلك الحرب خوفاً على نفسها أو لأنها لم تكن تملك بعد تلك الأطماع التوسعية الدولية ولكن عند احتدام الصراع العالمي الثاني أقحمت نفسها بعد أن رأت طلائع هزيمة دول المحور وانتصار الحلفاء فرجحت كفتهم لتجد نفسها فجأة في صدارة المشهد العالمي. أعجبتها قوتها فبدأت مشوار التسلح والتوسع العابر للقارات الذي يهدف إلى خلق قواعد عسكرية في مناطق حيوية من قارات العالم كما في الخليج العربي وبحر قزوين، أو بالحروب المحدودة النطاق كما فعلت مع فيتنام. تلك الأطماع والتوسعات يمكن أن نشبهها بمرحلة الفوران والحماسة التي تصاحب مرحلة الشباب والفتوة لكن انتكاسة فيتنام كبحت جموح الثوران الأمريكي فبدأت معها مرحلة النضج والاستقرار، ومحاولة الإبقاء على سياسة "توازن القوى" بعد أن كانت تطمح إلى "تفتيت القوى". استمرت هذه المرحلة وبلغت ذروتها بعد سقوط الاتحاد السوفييتي وقدرتها على حسم حرب الخليج الثانية لتتربع على عرش بساط القوى الدولية وتؤسس لنظام عالمي جديد. لكن ليس ثمة بعد القمة من صعود. الآن وكما يبدو أن الولايات المتحدة تعيش مرحلة تزعزع هذا الاستقرار؛ فبعد دخولها أتون حرب أفغانستان ومن ثم العراق وما تبعهما من أزمة مالية أحدثت شرخاً في استقرار الدولة العظمى سيكون له ما بعده، لكن ليس من المنطقي ولا من سنن التاريخ أن تكون هذه نهاية أمريكا كما يتوهم البعض فالدول لا تسقط فجأة خاصة إذا كان بنيانها الداخلي مازال متماسكاً. وأمريكا ستستمر قوة عظمى في المدى القريب والمنظور، وعمر المراحل المذكورة ليس بالسنين بل بالعقود، وما يعزز استمرارها شبه الفراغ المسرحي من دولة عظمى مستعدة الآن للحلول بدلاً من أمريكا مكانةً وقوة، وإن كانت عوامل القوة بدأت تتوزع على دول عدة فلم تعد أمريكا تستأثر بالتكنولوجيا التي بها تصدرت القوة الاقتصادية، ولم تعد تحتكر القوة العسكرية وفي مقدمتها القنبلة النووية، كما أن الترسانة الإعلامية التي كانت تُحِكم قبضتها عليها وتبث من خلالها ما تشاء من رسائل فكرية ونفسية واجتماعية كان أثرها كبيراً في صدمة الشعوب وانبهارها بقوة أمريكا والاستسلام لها لم تعد تنفرد بتلك السيطرة الإعلامية؛ فقد ساهمت ثورة الاتصالات والفضائيات-التي كان لأمريكا النصيب الأكبر منها- في بث رسائل مضادة لها ساهمت في إظهار صورتها الحقيقية وضمور الإعجاب بها من قبل شعوب العالم. وبالتزامن فقد أصبحت المنتجات الغربية والأمريكية منها على وجه الخصوص سواءً منها المادية أو المعنوية والإنسانية ملكاً مشاعاً لشعوب العالم تقتبس منه وتعدل وتهذب ما تشاء بل وتستخدمها للرد على أمريكا؛ لذلك فأمريكا الآن لا تتهاوى وإنما تعيش مرحلة تذبذب هيمنتها الدولية التي قد تفضي بها إلى أن تكون دولة كبيرة لا عظمى، وإذا ما تعرضت لهزات عسكرية أو اقتصادية قد يعود بها الزمن إلى حالة العزلة الأولى وتنكفئ على نفسها لكن أمام أمريكا الكثير من الوقت حتى تصل إلى تلك الحالة لعدم وجود قوة قادرة على منافستها على الصعيد العالمي ومازال لها قدم السبق في ميادين العلم والاقتصاد. بينما تنشأ قوى إقليمية تناوش وتحاول التحرر والخروج من الأسر الأمريكي بل والمنافسة على المسرح الدولي. لكن هل يجب على تلك القوى أن تنكفئ على نفسها كما انكفأت أمريكا لتبني نفسها أولاً ثم تجد ما تصدره للخارج؟
