التراجع الأمريكي


كتبهاغازي كشميم ، في 6 نوفمبر 2010 الساعة: 16:32 م


كان من قبيل التصادف أن أقرأ كتاباً عن نشأة الولايات المتحدة الأمريكية وبعدها اصطدت كتاباً من إحدى المكتبات كنت قد دونته في مذكرتي من قبل وهو بعنوان "الفرصة الثانية" ل زبيغنيو بريجنسكي الذي يتحدث عن الحقبة التاريخية الأخيرة للولايات المتحدة (1989-2009) في عهد كل من: جورج بوش الأب، ثم كلينتون، ثم بوش الابن.
الكتاب يرصد أهم التغيرات العالمية وما تبعها من مستجدات على مستوى العلاقات الدولية، واستحداث نظام جديد سمي "بالنظام العالمي الجديد" الذي يدور رحاه على القطب الأكبر: الولايات المتحدة الأمريكية خاصة بعد سقوط الاتحاد السوفييتي.
وما أريد الحديث عنه ليس ملخصاً للكتاب وإنما محاولة قراءة أسباب تراجع الدور الأمريكي كقوة عظمى، ونزوع كثير من القضايا للابتعاد عن هيمنتها وتأثيرها لا سيما وقد قضت بضع عقود تسيطر على السياسة العالمية أو جزء منها.
الولايات المتحدة الأمريكية دولة قامت على أساس المصالح الذاتية لا القيم، وفي اعتقادي أن هذا ما حرمها من تشكيل قيادة فعالة للنظام العالمي رغم ما تمتلكه من مؤهلات بشرية وعلمية واقتصادية وقبل ذلك عسكرية. فأساس قيام أمريكا كان على اكتشاف ثروات ومعادن تلك المناطق التي كان يقطنها الهنود الحمر، ولما اشتد النزاع بين "المستعمرين الجدد" كان الحل في إحلال أنظمة وقوانين تكفل للجميع حرية العيش والتكسب. وقد آتت تلك الأنظمة والقوانين أكلها وأفرزت طبقات برجوازية رأسمالية حاكمة تسعى إلى التكسب بغريزة نهمة جشعة ضاقت عليها خيرات بلادها فنزعت إلى مد أذرعها للبلدان المجاورة والبعيدة مستفيدة من وراثة الإمبراطورية البريطانية التي كانت متقدمة في التسلح العسكري والاستعمار الخارجي. ولما حكمت أنظمة وقوانين الدولة الأمريكية شعوبها في الداخل وأنقذتهم من حروب أهلية اصطلوا بنارها كانت ترفض أمريكا الالتزام بمعاهدات دولية كثيرة كان يمكن أن تكبل يديها عن العبث في مقدرات الأمم الأخرى وتقف معها على قدم المساواة؛ لذلك أعاقت معاهدة أتاوه لحظر الألغام البرية (رفضتها لأنها نشرت في كوريا الجنوبية حاجزاً شاملاً من الألغام على طول خط الهدنة لأغراض دفاعية صرفة) كما رفضت نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية التي تجعل العسكريين الأمريكيين خاضعين للمقاضاة، ولم تدعم أمريكا الجهد الدولي لصياغة رد مشترك على تنامي تهديد الاحتباس الحراري العالمي لتعارضه مع المصالح الاقتصادية الكبرى، ورفضت التوقيع على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية. هذه الأمور وغيرها من تغذية الصراعات الإقليمية وعدم الوقوف منها موقف الحياد يشير بوضوح إلى أن المصالح هي التي تحكم وليست القيم ومن الطبيعي أن تصطدم مطامع ومصالح الأمريكان بمصالح الشعوب والأمم الأخرى وحين لا تكون أنظمة وقوانين وقوة تحكم تلك القوانين فإن مصير العالم أو المناطق المأزومة فيه يكون انعدام الأمن والاستقرار.
لذلك يقول بريجنسكي –مؤلف الكتاب- إن القيادة العالمية تتطلب درجة من نكران الذات الاجتماعي والتضحية ببعض الامتياز الشخصي أو بعض القيود على السيادة القومية واستخدام رأس المال السياسي والأخلاقي لأمريكا لصالح الخير العالمي الأوسع.
 

ليصلك كل جديد عنا ولنكون علي اتصال