حوار: غازي كشميم - جدة
الجمعة 30/08/2013
كثيراً ما نسمع ونقرأ «التاريخ يعيد نفسه»، و «إعادة كتابة التاريخ»، فهل هذه المقولات وغيرها دقيقة وواقعية؟ وهل فعلاً توقف العرب عند مقدمة ابن خلدون في محاولاتهم لفهم التاريخ وفلسفته وصيرورته؟ وما مدى العناية بالآثار والنقوش التاريخية في المملكة؟ وأي أبعاد وقيم تاريخية يمكن أن تضيفها مثل تلك الآثار والنقوش؟ ولم نعتمد في حفرياتنا التنقيبية للآثار على خبراء أجانب؟ ألا يوجد متخصصون وخبراء في جامعاتنا؟ هذه الأسئلة وغيرها، طرحناها على عضو مجلس الشورى السعودي وأستاذ التاريخ والآثار والنقوش الإسلامية الدكتور أحمد الزيلعي، في ثنايا الحوار التالي:
التاريخ يعيد نفسه والتاريخ لا يعيد نفسه, أي العبارتين أقرب إلى الحقيقة, ولم لا يتعظ الإنسان بتاريخه؟- ما يجري على ألسنة الناس من أن التاريخ يعيد نفسه ليس دقيقاً في ظاهره, لأن التاريخ علم الماضي, والماضي دائماً يكون في حكم المنتهي, وهو يذهب ولا يعود, فلا يمكن أن تقوم الدولة الأموية أو الدولة العباسية بشخوصها الذين نعرفهم, ونعرف تاريخهم مرة أخرى, ولا يمكن أن يهاجر العثمانيون مرة أخرى من الشرق إلى الغرب, وأن يعيدوا قيام إمبراطوريتهم من جديد, ولا يمكن أن تعود حرب داحس والغبراء في جزيرة العرب, ولا حرب المائة عام في أوروبا, وحرب الشاي في أمريكا بجميع بواعثها ومسبباتها وشخوصها والنتائج التي أفضت إليها كما هي مرةً أخرى, فهذا كله في حكم الماضي, وجميع ما فيها من تفصيلات وملابسات تعبر عن روح عصرها, وليس عن العصور التالية لها.
هذه الإجابة السابقة تتضمن أيضاً إجابة واضحة على الفقرة الثانية من السؤال. وهي « التاريخ لا يعيد نفسه». إلا أن هناك من المؤرخين من يرى أنه إذا توافرت أسباب وعوامل وأحداث وقعت في الماضي, وأفضت إلى نتائج ذات أثر بعيد في التاريخ أنه يمكن في حالة حدوثها مرةً أخرى سواء في الحاضر أو في المستقبل أن تفضي إلى نتائج شبيهة بتلك التي أفضت إليها من قبل, وإنما بروح عصرها الذي وقعت فيه, والأمثلة على ذلك كثيرة حتى في تاريخنا المعاصر, ومن هنا جاءت مقولة التاريخ يعيد نفسه التي كثيراً ما نسمعها على ألسنة الناس.
أما لماذا لا يتعظ الإنسان بتاريخه؟ فتلك طبيعة البشر, وهم ليسوا سواء, فمنهم العقلاء الذين يحسبون للعواقب ألف حساب, ومنهم الجهال المندفعون الذين يصنعون الفتن ويشعلون الحروب, وهم دائماً لهم الغلبة على المتعقلين لأن الشر إذا وقع عمّ.
فلسفة التاريخ في الكتابة العربية يبدو أنها توقفت عند نظريات ابن خلدون في العصبية, ونمو الحضارات من الطفولة حتى الشيخوخة, برأيك لماذا لم ينتج العقل العربي مزيداً من النظريات في قراءة التاريخ؟ - ابن خلدون كتب في علم العمران, وهو سياق مما نطلق عليه اليوم علم الاجتماع, وهو في ذلك رائد دون شك, ويقع على رأس من وضع أسس هذا العلم, واشتهر لكثرة ما حظي به من دراسات في الغرب قبل الشرق. أما في كتاباته التاريخية فهو لا يختلف عن غيره من المؤرخين الذين سبقوه والذين جاءوا بعده. وأرى أننا نظلم مؤرخينا حينما نقرر أن فلسفة التاريخ توقفت عند نظريات ابن خلدون, وأن مؤرخينا وفلاسفتنا الذين جاءوا بعد ابن خلدون لم يقدموا نظريات في الكتابة التاريخية, وذلك لشحّ إن لم أقل انعدام الدراسات التي من المفترض أن تُجرى على نتاجهم الفكري في حدود علمي.
التاريخ كتابة أم صناعة
«التاريخ يكتبه المنتصر» هل معنى ذلك أننا يجب أن نعيد قراءة كل ما كتب في حقبة معينة حتى لا نخضع لأَسْر مؤرخي تلك الحقبة, وكيف يمكن الفصل بين الحقيقة التاريخية؟
- التاريخ يصنعه المنتصر ولا يكتبه إلا إذا كان التاريخ يسجل للمنتصر ما صنع من تاريخ سيئاً كان هذا التاريخ أم غير سيئ, وهذه حقيقة لا ينبغي أن تغيب عن بالنا. أما أحداث التاريخ التي تودع في بطون الكتب فلا يكتبها المنتصر في الغالب, وإنما يكتبها المنهزم في أحيان كثيرة, وهو دائماً يندب حظه في كتاباته؛ فالذين كتبوا تاريخ سقوط بغداد على أيدي التتار هم المنهزمون الذين زعموا أن ماء نهر دجلة تغير لونه لكثرة ما القي فيه من مخطوطات حتى إن الأحبار التي كتبت بها تلك المخطوطات هي التي غيرت لون ماء النهر حينما ذابت فيه, وكأنّ نهر دجلة بركة أو بحيرة صغيرة راكدة وليس نهر جار!! فهل نصدق هذه الأقوال؟ وهم الذين سوّدوا تاريخ السلاجقة حينما فتحوا الهند وتبعهم المغول بعد ذلك, وأعظم حضارة الهند الباقية حتى اليوم هي مما صنعه المنتصرون السلاجقة, ثم المغول بعد ذلك. ولا يعني ما ذكرت أنني أبرّر أو أقبل بما فعله المغول الكفرة حينذاك من ارتكاب جريمتهم النكراء بقتل خليفة المسلمين, الخليفة العباسي المستعصم بالله ( رحمه الله ), واستباحة مدينته بغداد ( مدينة السلام ) التي أسسها أبو جعفر المنصور, أحد أعظم خلفاء الإسلام في زمانه, وإنما هذه حقيقة تاريخية مبثوثة في بطون المصادر التاريخية, وهي ماثلة للعيان فيما نشاهده من منجزات حضارية معمارية في الهند, والأمثلة على ذلك كثير في أوروبا بمختلف عصورها التاريخية, وفي كثير من أنحاء العالم. أما إعادة قراءة التاريخ فهذا مهم جداً في مختلف الأحوال, ولا تعني إعادة قراءته إعادة كتابته كما يحلو للبعض إطلاق مقولة: « إعادة كتابة التاريخ « وإنما تعني تحقيق التاريخ وتدقيقه وتمحيصه, وعرض ما فيه من حقائق على محكمة العقل لتقول فيها القول النهائي, وهذه لا يجيدها إلا المؤرخون المحققون والمجردون من كل هوى.
التاريخ السياسي
الآثار والنقوش
- ليس هناك أي موقف متردد تجاه الآثار في المملكة العربية السعودية, فالآثار في المملكة أمر واقع ويحظى باهتمام الدولة ورعايتها, وهي تشكل قطاعاً كبيراً من قطاعات الهيئة العامة للسياحة والآثار برئاسة صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن سلمان, رئيس الهيئة العامة للسياحة والآثار الذي يولي جل عنايته للآثار والكشف عنها وحمايتها والمحافظة عليها وعرضها للناس في متاحف أنشئت لهذا الغرض في مختلف مناطق المملكة ومحافظاتها, فضلاً عن العناية بنشرها وإتاحتها للباحثين والدارسين من أساتذة الجامعات وطلاب الدراسات العليا وطالباتها. أما الاستثمار فيها فهو متحقق؛ لأن الآثار أهم مقوم من مقومات السياحة, واستراتيجية الهيئة الآن أن أي موقع أثري ينقب فيه يجري ترميمه في الحال بهدف تهيئته للسياحة, فضلاً عن أن التوسع في بناء المتاحف القصد منه عرض ما يكتشف من آثار فيها بوصفها رافداً من روافد السياحة التي هي الاستثمار الحقيقي للآثار بصفتها-كما وضحنا سابقاً- مقوماً رئيسياً من مقوماتها. أما مسألة التحوّط الديني فأنت تعلم أن الدولة وعلى رأسها قيادتها الرشيدة حريصة كل الحرص على عدم الأخذ أو حتى الاقتراب من أي أمر يمس الدين, ويتعارض معه, ولو كان في الآثار ما يخل بالدين لما رأينا أدنى قدر من الاهتمام بها, ولما رأيتها تدرس في جامعاتنا, وتعرض في متاحفنا وفيها مختصون كثر من أبناء الوطن, بل على العكس من ذلك فإن ما خلفته الأقوام السابقة من آثار فيها مواعظ للقرون التالية أمرنا قرآننا الكريم في أكثر من آية بالسير في الأرض, والنظر إليها لمعرفة ما كانوا عليه من قوة وآثار في الأرض, ثم ما آل إليه أمرهم من الفناء لتعقبهم أجيال وأجيال إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. ثم إن في الآثار صورا حضارية وجمالية رائعة, وهي مصادر تاريخية لا يستغني عنها الدارسون والباحثون. وكبار علمائنا ومشايخنا ( حفظهم الله ) على وعي تام بأهمية الآثار سواء لما فيه من مواعظ, أو لأهميتها بوصفها مصادر لكتابة التاريخ, وبوصفها دلائل شاهدة على عظمة الإسلام آخر الأديان السماوية الذي حينما نزل على محمد صلى الله عليه وسلم لم ينزل على شعوب بدائية لا تعرف إلى المدنيّة و الحضارة أي سبيل. وإنما نزل على شعب في كامل رشده العقلي وذي خلفية حضارية لا تزال دلائلها شاخصة حتى اليوم, وحتى حينما حاججوه وجادلوه ورد على جدالهم لم يُخْرج لهم آيات محسوسة كما فعل من سبقه من الأنبياء, وإنما جادلهم بالقران حينما تحداهم بان يأتوا بسورة من مثله, فأسقط في أيديهم وبهتوا وفي ذلك منتهى النضج العقلي, ودليل على أن الرسالة المحمدية هي آخر الرسالات السماوية ومحمد صلى الله عليه وسلم هو آخر الأنبياء والرسل وخاتمهم.
كيف يمكن رد الاعتبار للآثار التاريخية في بلادنا خاصة وأنها تزخر بالكثير منها؟ - الآثار التاريخية في بلادنا لها اعتبار, يفوق كل اعتبار وخصوصا مواقع التاريخ الإسلامي التي تحظى بعناية قيادتنا الرشيدة, يتضح ذلك جليا من خلال ما أصدرته من أوامر سامية أمكن بموجبها إجراء مسح ميداني من قبل الهيئة العامة للسياحة والآثار استغرق بعض الوقت للتثبت والتدقيق من حصر تلك المواقع التي بلغت حتى الآن (384) موقعا, منها (118) موقعا في مكة المكرمة, و (266) موقعا في المدينة المنورة. وقد شكلت الهيئة العامة للسياحة والآثار برنامجا خاصا للعناية بمواقع التاريخ الإسلامي تشرف عليه لجنة توجيهية برئاسة سمو رئيس الهيئة الأمير سلطان بن سلمان بن عبد العزيز, وعضوية عدد من المتخصصين في التاريخ الإسلامي والآثار الإسلامية ومسؤولين كبار من بعض الجهات ذات العلاقة, بالإضافة إلى لجنة استشارية تضم بعض كبار المشايخ, وأهل الاختصاص. وبالجملة, فإن موضوع العناية بمواقع التاريخ الإسلامي يجسد توجيهات الدولة واهتمامها بتاريخنا الإسلامي المجيد, كما صرح بذلك سمو رئيس الهيئة للصحافة قبل بضعة أشهر من الآن, وهي عند سموه تقع على رأس الأولويات والمهام التي تضطلع بها الهيئة.
غياب المتاحف الوطنية
لماذا لا تكون لدينا متاحف للآثار طالما أننا نشارك بكثير منها في المعارض العالمية؟ ولماذا دائما نستعين بخبرات غربية لاكتشافاتنا الإسلامية, متى يمكن أن يكون لدينا متخصصون في التنقيب والحفر؟- لدينا عدد طيب من متاحف الآثار في المملكة العربية السعودية منها المتحف الوطني بالرياض, وهو من المتاحف الرحبة التي بنيت على أسس متحفية حديثة, وعشرات المتاحف الحكومية الأخرى في مختلف مناطق المملكة ومحافظاتها بعضها قديم التأسيس, وبعضها تحت الإنشاء والتوسعة, فضلا عن عدد لا باس به من المتاحف الخاصة. أما الاستعانة بالخبرات الأجنبية الغربية على سبيل التعاقد فهذا ليس موجودا في الوقت الحاضر لا في بعثات هيئة السياحة والآثار, ولا في بعثات الجامعات التي تنقب في عدد من المواقع الأثرية بالمملكة, وإنما يوجد بعض البعثات الأجنبية التي تنقب بنفسها وعلى حسابها في المملكة تحت إشراف الهيئة العامة للسياحة والآثار, وبمشاركة نِدّية من أكاديميين سعوديين وفق شروط دقيقة يحددها نظام الآثار في المملكة العربية السعودية, وهذا عرف عالمي, وهو شبيه بالاستمارات الأجنبية, وكان أحد المطالب التي كنت أطالب بها شخصيا, ولازلت أطالب بالمزيد منها, لما في ذلك من فوائد علمية وإبراز لتاريخ المملكة وحضارتها وتراثها وتقديمه بمختلف اللغات الحية إلى المعرفة الإنسانية على نطاق واسع, وقبل أن يزحف التوسع العمراني والزراعي المتسارع في بلادنا على الأمكنة التي يعتقد بوجود آثار فيها. أما متى يمكن أن يكون لدينا متخصصون في التنقيب والحفر؟ فأحب أن أطمئن القارئ الكريم بأننا لدينا الكثير منهم ممن يعملون في هيئة السياحة والآثار وفي الجامعات, ولدينا عدد من أقسام الآثار التي تخرج عشرات المتخصصين كل عام, وهم مدربون على أعمال التنقيب, وكلما يتصل بالآثار من مهارات أثرية.كثير لا يولون اهتماما للنقوش الأثرية, ماذا يمكن أن تعكس تلك النقوش التي تم اكتشافها مؤخرا في المملكة خاصة في المنطقة الشرقية والشمالية؟- النقوش الأثرية نصيبها من الاهتمام كبير جدا سواء ما كان منها إسلامياً أو ما كان قبل الإسلام, وأغلب المتخصصين في المملكة من السعوديين تخصصاتهم في الأصل نقوش صخرية, وكاتب هذه الأسطر أحدهم, وله فيها كتب و بحوث عديدة, وتزخر المكتبة بعدد لا باس به من الكتب و الدراسات التي أعدها متخصصون سعوديون في الكتابات والنقوش الإسلامية والقديمة على حد سواء, فضلا عن عدد من رسائل الماجستير والدكتوراه التي نوقشت في قسم الآثار بجامعة الملك سعود, وقسم التاريخ والحضارة بجامعة أم القرى. هذه الرسائل بعضها نشر, وبعضها في سبيله إلى النشر متى ما وجدت الدعم الكفيل بنشرها, مع ملاحظة أن شمال المملكة وجنوبها الغربي بما في ذلك الحجاز وتهامة من أكثر الأمكنة ثراءاً بالنقوش الصخرية في بلادنا, ونصيب المنطقة الشرقية منها أقل بكثير من المناطق المذكورة في حدود ما اكتشف منها حتى الآن ووصل إلى علمي.
كيف يمكن استرجاع آثار درست ومحيت خاصة في مكة المكرمة والمدينة المنورة؟- منذ فجر الإسلام والتوسعات في الحرم المكي والمسجد النبوي الشريف تتوالى عصرا بعد عصر حتى اليوم تبعا لزيادة عدد المسلمين, وكثرة الحجاج والمعتمرين والزوار, وسهولة الوصول إلى الأماكن المقدسة, ونتيجة لذلك جرت توسعات كثيرة في عهد الخلفاء الراشدين, وعهد بني أمية, وعهد بني العباس, وعهود المماليك والعثمانيين حتى عصر الناس هذا. وما انقضى العصر الأموي والعصر العباسي إلا وجميع بيوت الصحابة المجاورة للمسجد النبوي الشريف دخلت فيه, وأشهر الدور القريبة من الحرم المكي دخلت فيه كذلك, وما بقي منها خارج تلك الزيادات, وهي أحدث نسبيا دخلت في توسعات المماليك والعثمانيين. وطبيعي أن يتضاعف أعداد الحجاج والمعتمرين والزوار في العهد السعودي نتيجة لاستتباب الأمن في البلاد المقدسة, ونتيجة لتحسن وسائل المواصلات, والتسهيلات التي تقدمها المملكة لضيوف الرحمن, فأصبحت التوسعات الحالية ضرورة حتمية تتناسب مع الأضعاف المضاعفة لأعداد الحجاج. إلا أن الهيئة العامة للسياحة والآثار بالمملكة عمدت مشكورة في التوسعة الأخيرة في مكة المكرمة إلى تجنيد كوادر متخصصة لمرافقة الشركات في أثناء إزالة البيوت التي تعترض التوسعة, حيث تمكنت تلك الكوادر من جمع كميات كبيرة من اللقى الأثرية إلى جانب الأبواب والشبابيك ومختلف المشغولات الخشبية وغير الخشبية التي علمت أنها ستكون في متناول أيدي الدارسين والباحثين, وستعرض في المتاحف الرسمية للهيئة. وهذه خطوة جيدة من جانب الهيئة آمل أن تتبعها خطوات مماثلة لإجراء حفريات استباقية عند تنفيذ أي مشروع تنموي في الأمكنة التي يعتقد بوجود آثار تحتها, وآمل أن تجد التعاون الكافي معها من مختلف الجهات ذات العلاقة.

