غازي كشميم - جدة
الجمعة 15/11/2013
بدأت فكرة التقارب بين المذاهب الإسلامية والعقدية منذ أربعينيات القرن الماضي، بمبادرة من الأزهر الشريف والحوزة العلمية في قم، وبعد ما شهدته المنطقة خلال العقود الماضية وحتى هذه اللحظة من صراعات طائفية واضطرابات مذهبية، وتراجع بعض الرموز عن فكرة التقارب خاصة بين أكبر طائفتين في الأمة الإسلامية السنة والشيعة، بات سؤال مصير التقريب ملحًا؛ فإلى أي مدى نجحت فكرة التقريب بين المذاهب والطوائف الإسلامية؟ وما البدائل المطروحة في حالة فشلت فكرة التقريب؟ «الرسالة» طرحت هذه الأسئلة على مجموعة من المهتمين والمتخصصين في سياق التحقيق التالي:
أكد الكاتب والباحث
محمد محفوظ أن وجود مبادرات تستهدف تقريب وجهات النظر وتدوير الزوايا بين أهل
المذاهب الإسلامية يعد حالة صحية وإيجابية، مشدداً على ضرورة استمرار كل المبادرات
التي تستهدف تجسير الهوة بين أهل المذاهب الإسلامية، وتوسيع المساحات المشتركة في
الدائرة الإسلامية والوطنية، ويعتقد محفوظ أنه آن الأوان على مستوى هذه التجارب أن
تتشكل مبادرات على المستوى الوطني في كل بلد عربي وإسلامي لأن أحد المآخذ الأساسية
على مثل هذه التجارب التاريخية أنها تتكلم في الفضاء المجرد والعام وتعمل على
صياغة خطاب أخلاقي وتقريبي دون مقاربة المشكلات الحقيقية التي تحول دون تطوير
مفهوم التحاور في مختلف مناطقهم وبلدانهم، ويعتقد محفوظ أننا نحتاج إلى مبادرات
تفاهمية في كل بيئة حتى تتمكن هذه المبادرات من معالجة المشكلات الواقعية التي
يعاني منها أهل كل بلد ومنطقة، وحتى تؤتي هذه المبادرات ثمارها المرجوة ينبغي أن
نحدد مجموعة من المفاهيم الأساسية، ومنها: أن المذاهب كمنظومة فقهية وعقدية لا يمكن
التقريب بينها، وإنما يمكن التقريب وزيادة نسبة التفاهم بين أهل هذه المنظومات؛ موضحاً
أننا حين نتحدث عن التقريب بين المذاهب فنحن لا نتحدث عن التقريب بينها بقدر ما
نتحدث عن التقريب بين أهلها، وقال محفوظ إن فكرة التقريب بين المذاهب قد لا تراعي
طبيعة الحساسيات الاجتماعية والسياسية والوطنية في كل بلد. وأضاف محفوظ أن الحوار
والتقريب بين أهل هذه المذاهب لا يعني بأي حال من الأحوال أن يغادر طرف من أطراف
الحوار موقعه الأيديولوجي أو الاجتماعي أو الفكري إلى موقع الآخر، وإنما يعني
توسيع المساحات المشتركة وهي كثيرة وتعزيز عناصر التلاقي والتفاهم بين أهل هذه
المذاهب. مشدداً على ضرورة عدم إلغاء مفهوم المواطنة من حساباتنا بوصفه الحمولة
والعنوان القانوني والدستوري التي نستمد منها منظومة الحقوق والواجبات حين نتحدث
عن التقريب والتفاهم بين أهل هذه المذاهب الإسلامية، مشيراً إلى أن الحرص على
التقريب يأتي من أجل تعزيز قيم المواطنة في الدائرة الوطنية والاجتماعية، وأكد
محفوظ أن مبادرات التقريب والتفاهم ليست بديلاً عن قيم المواطنة وعن حقوقها
وواجباتها، وإنما هي مقدمات أولية تساهم في تعزيز قيم المواطنة في الفضاء
الاجتماعي، ويشير محفوظ أن المطلوب هو البحث عن كيفية تجسير العلاقة بين أهل
المذاهب الإسلامية في الدائرة الوطنية لكي لا تحبس هذه الطائفة أو تلك في شرنقتها
المذهبية، ولكي تصيغ خطاب ديني متسامح يجسر العلاقة ويحترم المختلف ويثري التنوع
سواء على مستوى مناطقي أو مذهبي أو قبلي.
الاستغلال السياسي
وعن الاستغلال
السياسي للمشكلة الطائفية وتوجيهها حسب الأجندة السياسية لبعض الدول الإقليمية
أوضح محفوظ أن المشكلة المذهبية ليسن دينية بالأساس أو ثقافية في جوهرها لأن
التعدد الفقهي في العصور الإسلامية الأولى كان عامل ثراء وعامل صحة لهذه التجربة،
فوجود تعددية فقهية ومذهبية في العصر الحديث ليست مشكلة بذاتها، وإنما المشكلة من
طبيعة الخيارات السياسات المتبعة في إدارة هذه الاختلافات، وألمح محفوظ إلى أن هذه
الطبيعة رافقت التجربة الإسلامية منذ سنينها الأولى في التاريخ، ويؤكد محفوظ أن
المشكلة في جوهرها سياسية إذ إن هناك اعتبارات سياسية تفرق بين مواطن وآخر على أسس
مذهبية هي التي تؤسس لحالة من الإحن والأحقاد أو سوء الفهم والتفاهم بين أهل
المذاهب الإسلامية المتعددة، ويشير محفوظ إلى أن حل هذه المشكلة مرهون بطبيعة
الخيارات السياسية المتبعة، وإدارة التعددية المذهبية في كل بيئة اجتماعية، ومع
تأكيده على أن طبيعة المشكلة هي سياسية إلا أن ذلك بحسب محفوظ لا يعني أن القوى
والفعاليات الدينية والاجتماعية لا تتحمل مسؤولية في هذه المشكلة، ويعتقد محفوظ أن
مبادرات التقريب تعمل على تنفيس حالة الاحتقان في البيئات الاجتماعية وتدوير
الزوايا بين مختلف المواقع في الدائرة المذهبية؛ لذلك هي ضرورة اجتماعية وإسلامية
من أجل إراحة المجتمعات الإسلامية من الإحن المذهبية ولكن في ذات الوقت نعتقد أن
الحلول الجذرية هي مرهونة بطبيعة القرارات والخيارات السياسية المتبعة في التعامل
مع حقيقة التعددية المذهبية في كل بلد عربي وإسلامي.
وعن تفسير التأجيج الطائفي في كثير من مناطق
العالم الإسلامي والمستفيد منه قال محفوظ إن المستفيد الأساسي من تأجيج الصراع
الطائفي في المنطقة طرفان رئيسيان: القوى المعادية للأمة جمعاء من مختلف القوى
الدولية؛ فهذه لها مصلحة أساسية في تطبيق أجندتها ومشروعاتها في إبقاء حالة التوتر
والخصومة في المجتمعات الإسلامية على أساس طائفي ومذهبي، والطرف الثاني المستفيد
هي القوى المتطرفة والمتشددة في كل الأطراف المذهبية؛ لأنه لا حياة حقيقية لها في
أي بيئة اجتماعية إلا باستمرار التطرف والغلو المذهبي؛ لذلك كل طرف متشدد له مصلحة
مذهبية في إذكاء حالة التوتر الطائفي والمذهبي، ولكي نتمكن من محاصرة هذا التطرف
في الطوائف ونتمكن من إفشال المخططات الدولية التي تستهدف تمزيق البلاد العربية
والإسلامية علينا أن نقرر جميعاً من مواقعنا المختلفة المذهبية والدينية
والاجتماعية أنه لا لأي توتر طائفي أو مذهبي، وأن مشكلاتنا يجب أن تعالج على قاعدة
الحوار والتلاقي وتدوير الزوايا مهما كان حجم الاختلاف.
الانتصار للذات
أمّا أستاذ الإعلام بجامعة الإمام الدكتور عبدالله المحمود فقال إن كل ما بذل ويبذل في هذا الموضوع بين المذاهب والعقائد والأفكار بشكل عام هو مبني على باطل وما بني على باطل فهو باطل، ويعلل المحمود ذلك بأنه من غير الممكن أن تقرب بين منظومات مختلفة ومتباينة في الأصول، وطرح المحمود مبدأ وقاعدة أخرى يمكن أن تبنى عليها العلاقة وهي مبدأ «لكم دينكم ولي دين»، وأوضح المحمود أن علينا تشكيل ثقافة شخصية لكل أفراد المجتمع بأن كل شخص بالغ وقادر وعاقل له حق الاختيار فيما يعتقده ويراه، وتدار شؤون الحياة بما يجمع عليه المسلمون في كل قطر أو بلد، وبالتالي تنعزل كل الأفكار والعقائد عن إدارة الآخرين في الحياة إلا من خلال ما يتراضونه كأسلوب حياة، وعندها يمكن أن نتقارب تلقائيًا، وأشار المحمود إلى أن طبيعة الصراع بين الأفكار والعقائد هو محاولة فرض سيادة مذهب ما على الآخرين، وحين يتم ذلك تبدأ الطوائف والعقائد الأخرى بالمطالبة بحقها في إدارة شؤون حياتها من خلال مذهبها أو أفكارها وبالتالي نبقى في دائرة الصراع. وأشار المحمود إلى أن فكرة التقريب قد تستخدم لأغراض بريئة لكنها لن تحقق الهدف منها لذلك السبب، بالإضافة إلى أنها قد تستغل في كسب الوقت أو إضاعته وتفويت الفرص على المذاهب والفرق الأخرى المخالفة. ويؤكد المحمود أنه حتى تنجح فكرة التقارب لا بد من تحييد الجانب الفكري والعقدي عن التحكم في شؤون الحياة، ولا يعني هذا أن نقصي الدين عن إدارة الحياة، وإنما المقصود أن الأنظمة والقوانين هي التي تحكم الناس وليس المذاهب.ويشير المحمود إلى إشكالية أخرى تكتنف التقريب أو الحوار بين أهل المذاهب وهي الرغبة في الانتصار للذات من كل طرف، والدليل أن كثيرًا من الحوارات التي تدار لا تنتهي إلى التراضي وإنما كل طرف يحمل معه نفسية إما أن يكسب الرهان أو يخسره، موضحًا أن هذه ثقافة كارثية إذ إننا ندخل في حوارات مع الآخر وأعيننا أن نربح هذه الجولة من الحوار بإثبات أن ما لدينا من فكر ومذهب ورؤية هي الحقيقة المطلقة في مقابل ذلك المخالف. وأشار المحمود إلى أن معنى التقارب هو أن هناك حقيقة مجردة سائلة لا يعرفها أي مذهب وبالتالي يتناقشون ويتحاورن في سبيل الوصول إلى هذه الحقيقة بمنطق «أنى وجدها فهو أحق بها»، بينما ما هو حاصل بين المذاهب هو أن كل طرف منهم يظن أنه يمتلك الحقيقة والحكمة وعلى الآخر أن ينصاع له. ويؤكد المحمود على أهمية إلغاء ثقافة التميز أو الحق المطلق لأي مذهب أو فكرة، وأن يصبح الانتماء المذهبي حق شخصي ليس له أي قيمة مجتمعية أو سياسية، مشيرًا إلى أنه في حالة تمكن أهل المذاهب أو العقائد في إدارة شؤون الحياة المختلفة لا يمكن أن يكون هناك تقارب على الإطلاق، وإنما فرض المنهجية والمدرسة الطائفية، وسيادة المذهب على الآخرين. لذلك فالحل هو في تحييد الأفكار والمذاهب. داعيًا إلى ابتكار آلية للتعايش السلمي تقوم على أساس أن لكل فرد الحق في الاعتقاد، وتبتعد عن تمييز إحدى فئاتها وعندها سنجد أنفسنا في بيئة تحترم التعايش بين جميع أفرادها لأن حينها لن يكون هناك ما يؤجج الصراع بين أفراد المجتمع، أمّا إدارة شؤون الحياة وما تكتنفها من أفكار ستكون عبر آليات تظهر إجماع الأمة واتفاقها عليه.
استمرار الحوار
من جانبه أكد الأستاذ المشارك بقسم الدراسات الإسلامية بجامعة الملك عبدالعزيز الدكتور هاني عبدالشكور على أهمية استمرار الحوار مع كل الطوائف الإسلامية وغير الإسلامية لأن هذا مطلب شرعي كما قال تعالى: «وجادلهم بالتي هي أحسن»، لكن عبدالشكور يرى أن فكرة التقريب بين المذاهب والطوائف الإسلامية لم تنجح رغم قدمها، والسبب في ذلك يعود من وجهة نظر عبدالشكور إلى التأزيم الداخلي والتأزيم الخارجي، موضحًا أن التأزيم الداخلي يمارسه أبناء الطائفتين أنفسهما، وتأزيم خارجي يغذيه أعداء الأمة الذين يهمهم توسيع الهوة بين الجانبين لإشغالهم عن قضاياهم الأساسية. وأشار عبدالشكور إلى أن هناك طوائف يمكن التقريب بينها وهناك طوائف لا يمكن التقريب بينها لاختلاف الأصول اختلافًا كبيرًا وامتداده تاريخيًّا، مبينًا أن أهل السنة والجماعة على مدار تاريخهم يقبلون بالمخالف ويتحاورن مع الآخر، ولم يعرف عن الدولة الإسلامية في التاريخ أنها أساءت للمخالف إلاّ إذا تعدّى، كما طلب أصحاب الإمام علي -رضي الله عنه- أن يقاتل الخوارج فقال لا حتى يبدؤوا هم القتال، لذلك لم يعرف عن الدولة الإسلامية الاعتداء على المخالف ما لم يكن هناك تعدٍّ. وأوضح عبدالشكور أن هناك أصولًا كثيرة تجعلنا نتعايش بدلًا من أن نتقارب مثل التاريخ المشترك وأصل الإسلام مشددًا على ضرورة الحوار الذي يعتبر تمهيدًا للتقارب فيما بعد، وبين عبدالشكور أن الله ذكر الصابئة، وأهل الذمة في القرآن، ثم ذكر أن الله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون مشيرًا إلى وجود هذه الفرق والطوائف في كثير من البلدان الإسلامية منذ فجر الإسلام وحتى يومنا هذا.وأكد عبدالشكور على أن أصل الخلافات ونشوئها بين الطوائف الإسلامية سياسية في الأساس وذلك عندما اختلفوا على أحقية الخلافة بين الصحابة ومع مرور الزمن وعوامل أخرى تحولت هذه الخلافات تدريجيًا إلى خلافات دينية ثم عقدية. وطالب عبدالشكور العقلاء في كل الطوائف أن يتجردوا عن الهوى والعصبية في حواراتهم.
تحفيز التعايش

