غازي كشميم- جدة
الجمعة 31/01/2014
يكاد يجمع المهتمون والأكاديميون على أهميتها ودورها في تنمية الواقع وحل مشكلاته، لكن السؤال يبقى قائمًا.. هل أدت دورها خاصة مع التوسع والانتشار العددي لها في معظم الجامعات السعودية؟ تلكم هي «الكراسي العلمية» التي بدأت تتنافس في إنشائها الجامعات في مختلف التخصصات، فما الدور الذي يقوم به هذه الكراسي تحديدًا؟ وهل استطاعت الإيفاء بأهدافها التي وضعتها لها؟ وهل أثر الانتشار العددي لها على حساب جودتها وكيفيتها؟ (المدينة) تفتح النقاش حول الكراسي العلمية في ثنايا التحقيق التالي:
في البداية أوضح عضو لجنة الشؤون التعليمية والبحث العلمي بمجلس الشورى الدكتور محمد الخنيزي أن هناك تقديرات تقول إن عدد الكراسي العلمية وصل إلى (193) كرسي في الجامعات السعودية وأن أكثر من 60% منها تستحوذ عليها جامعة الملك سعود، وهناك شخصيات وطنية كبيرة خصصت لها أموالًا كبيرة، وأضاف الخنيزي أنه بالنظر إلى الواقع فإن الكراسي العلمية لم تؤد الدور المطلوب منها في تطوير وحل مشكلات المجتمع خاصة بالمقارنة مع الأموال الكبيرة، التي دفعت من أجل ذلك، وأشار الخنيزي إلى أن بعض تلك الكراسي قامت بأدوار إعلامية وظهور دعائي أكثر من البحث العلمي، وعزا الخنيزي الحال الذي وصلت إليه الكراسي العلمية إلى أن أغلبها وضعت من غير تخطيط استراتيجي ولا نظرة بعيدة المدى، كما أنه ليست هناك خطة لنوع الدراسات التي يمكن أن تقوم بها الكراسي، كاشفًا عن إشكالية عدم وجود كفاءات وكوادر محلية للعمل في تلك الكراسي مما اضطر بعض الكراسي للإتيان بباحثين من الخارج مع ما يتكلفه ذلك من مبالغ مالية كبيرة أيضًا، مشيرًا إلى أن بعض القائمين على تلك الكراسي اضطروا لإقامة بعض الحفلات والندوات ويصرفوا عليها الأموال الطائلة حتى يستنفدوا الميزانية المخصصة لتلك الكراسي، مما حدا ببعض الممولين لهذه الكراسي أن يمتنع ويتوقف عن التمويل، وأشار الخنيزي إلى أن جامعة الملك سعود – على سبيل المثال- اضطرت إلى إيقاف تراخيص بعض الكراسي العلمية لهذه الأسباب عندما رأت أنه ليست هناك أدوار حقيقية ونتائج ملموسة على أرض الواقع من قبل بعض الكراسي، ودعا الخنيزي إلى توطين التخصصات التي تقوم عليها الكراسي العلمية لأن كثيرًا من الدراسات التي تقوم عليها الكراسي العلمية تحتاج إلى أوقات طويلة قد لا يكون العلماء المتخصصون من الخارج متفرغين لها.. وأكد الخنيزي أن الكراسي العلمية موجودة في دول العالم المختلفة وتلعب دورًا كبيرًا في تطوير المجتمع وهي تختلف عن رسائل الماجستير والدكتوراة التي هي متطلبات علمية وليس الهدف منها تطوير المجتمع وتلبية احتياجاته وحل مشكلاته.
تفاوت في الأداء
من جانبه أكد المشرف على كرسي الأمير سلطان للدراسات الإسلامية الدكتور خالد القاسم بأن الكراسي العلمية عادة ما تكون محصورة بموضوع أو مجال محدد، وأن هذه الكراسي العلمية لا تصاحبها في الغالب دعاية وإعلان عن أنشطتها وبرامجها وإنما يعنى بها أهل التخصص والاهتمام أكثر، وأوضح القاسم أن هناك جهودًا ملموسة لهذه الكراسي العلمية مع تفاوت بعضها في الإنتاج والنشاط، وأكد القاسم أن الكراسي العلمية هي جزء من الجامعات التي ينبغي أن تقوم بدور الريادة والإنتاج العلمي، وقال القاسم إن إنتاج الكراسي العلمية يختلف عن أبحاث الدراسات العليا للماجستير والدكتوراة والتي تتحكم فيها في العادة رغبة الطالب أو الباحث بكتابة بحث لإنهاء متطلبات دراسته والتي قد يستفيد منها المجتمع أو لا يستفيد، أما الكراسي العلمية فإنها لا تقدم على بحث إلا وهي متأكدة من عوائد ذلك البحث على البيئة والمجتمع لذلك فهي تنفق عليه وتطبعه وتنشره بالإضافة إلى اطلاع الجهة المعنية بموضوع البحث عليه. وأكد القاسم على ضرورة ربط الكراسي العلمية بجهات تنفيذية من القطاع الخاص أو العام، ودلل على أن هناك كراسي علمية ساهمت في تخفيف تكاليف بعض المصانع الوطنية الكبيرة بالتعاون معها، كما أن هناك كراسي مثلًا مهتمة بسوسة النخيل وكراسي مهتمة بتطوير الأدوية والعقارات وكراسي مهتمة بالدراسات الإسلامية المعاصرة وهكذا، مشددًا على أن الكراسي العلمية عليها أن ترتبط بالواقع ومشكلاته وليست للوجاهة الاجتماعية، وألمح القاسم إلى أن انحراف بعض الكراسي العلمية للاهتمام بالوجاهة الاجتماعية والظهور الإعلامي على حساب البحث العلمي قد يكون موجودًا ولكنه ليس الغالب على هذه الكراسي.. وأشار القاسم كذلك إلى اختلاف التمويل، والذي يؤثر بشكل مباشر على أنشطة الكراسي؛ لذلك اتجهت بعض الجامعات إلى رصد أوقاف لتمويل أنشطة وبرامج الكراسي العلمية بشكل مستديم. وعن أبرز المعوقات التي تقف أمام تفعيل الكراسي العلمية بشكل كبير أوضح القاسم أن ضعف التمويل لدى بعض الكراسي يعد عائقًا كبيرًا أمام عملها. وأضاف القاسم أن الإجراءات الإدارية والبيروقراطية تعد أيضًا عائقًا كبيرًا أمام أنشطة الكراسي خاصة في جانب الموافقات على عقد المؤتمرات والأنشطة المختلفة أو إعاقة بعض الموظفين الإداريين لنشاط ما، بالإضافة إلى التحديات البحثية والوصول إلى نتائج علمية بطريقة احترافية، والتي هي من طبيعة العمل البحثي والأكاديمي، بل وأصل إنشاء الكراسي العلمية التي تنبثق عن مشكلة بحثية أو تحدي علمي معين، مشيرًا إلى ضرورة تسهيل الإجراءات الإدارية خاصة من قبل وزارة التعليم العالي والجامعات حتى تتفرغ لصميم أعمالها البحثية والعلمية ولا يضيع جهدها في متابعة الإجراءات الإدارية، وأكد القاسم على أهمية تفريغ أكاديميين وباحثين لعلم الكراسي العلمية وتكريم المبدعين منهم. وأشار القاسم إلى ضرورة إتاحة الفرصة ومساهمة رجال الأعمال في دعم الكراسي العلمية منوهًا أن ذلك يعتبر من أعمال الخير والبر وخدمة للمجتمع خاصة الأوقاف الدائمة، وحتى من أراد منهم وجاهة إعلامية فلا بأس أن تكون هذه الوجاهة ذات مردود نافع للمجتمع، بالإضافة إلى بعض رجال الأعمال المتخصصين في جوانب معينة كالطب والصيدلة والذين أوقفوا كراسي علمية لخدمة هذه الجوانب، خاصة أن هذه الكراسي ملائمة لتخصصاتهم واهتماماتهم كونهم على إلمام بالتحديات والمشكلات التي تواجه هذه التخصصات، مما يعود بالنفع أكثر على المجتمع.
ثقافة الإنتاج
وفي ذات السياق قال مشرف كرسي المهندس عبدالله بقشان لأبحاث التربة الدكتور مصلح الشمراني إن فكرة الكراسي تعتبر حديثة نوعًا في مجتمعنا، مشيرًا إلى وجود كراسي علمية لم تحدد أهدافها وتخصصاتها بعد، كما أن بعض الوجهاء ورجال الأعمال أوقفوا عدة كراسي في مجالات بحث متخصصة ودقيقة، وأوضح الشمراني أن النجاحات متفاوتة في الكراسي العلمية فمنها ما هو متميز جدًا ومنها ما هو دون التوقعات المطلوبة منه، مؤكدًا على وجود كراسي علمية خطت خطوات جيدة جدًا، وتشارك مشاركة فاعلة في تنمية البحث العلمي وتوسيع دائرته العملية، كما أن أغلب الكراسي العلمية تمس حاجة المجتمع وتنميته خاصة في المجالات العلمية والطبية.. وأوضح المصلح أن الجامعات مرت بعدة مراحل أولها نقل المعرفة من الجامعات الخارجية إلى المجتمع المحلي، وهذه قد تجاوزتها الجامعات منذ عدة سنوات، ثم مرحلة ثانية وهي توليد المعرفة وهذا تحد قطعنا فيه شوطًا ولا يزال تحدي قائم، والمرحلة الثالثة، كما يشخصها الشمراني هي مرحلة تفعيل المعرفة على أرض الواقع، وهذه لا تستطيع الجامعات لوحدها أن تقوم بها بل لا بد من مشاركة جهات تنفيذية وقطاع خاص معها لأن إنتاج الأبحاث والمعرفة يحتاج إلى تطبيق على أرض الواقع خاصة الأبحاث العلمية التطبيقية وما يتعلق منها بالهندسة أو الطب أو الصيدلة أو غيرها.. وعن سبب عدم التكامل بين القطاعات البحثية والجهات والتنفيذية أو القطاع الخاص، قال الشمراني إن السبب يعود إلى الثقافة السائدة والتي تفضل الشراء والاستيراد الجاهز أكثر من البحث والإنتاج الذاتي لأن ذلك أسهل الطرق، وأضاف الشمراني أن من الأسباب أيضًا عدم القناعة بإمكاناتنا خاصة من قبل القطاع الخاص، فهو لا يثق كثيرًا بأن لدينا كفاءات وقدرات يمكن أن تساهم في إنتاج وتطوير المعرفة، وأكد الشمراني أن تفعيل المعرفة يحتاج إلى نفس طويل وثقافة لا بد من تأصيلها عند صانع القرار وعند الباحث وعند رجل الأعمال لا سيما أن بعض المشكلات لها صفة المحلية فلا يمكن أن يأتي أحد من الخارج ويحلها بشكل أفضل منا.
نشر الأبحاث
في حين يرى رئيس قسم العلوم السياسية بجامعة الملك عبدالعزيز الدكتور سعود العتيبي أن كثرة الكراسي العلمية يعد ظاهرة صحية بل ولا بد من التوسع فيها لاستيعاب كل الكوادر والخبرات، مؤكدًا أن كل كرسي يعالج مشكلة محددة، وتهتم به جهة أيضًا محددة تكون مسؤولة غالبًا أو جهة تنفيذية في قضية الكرسي.. فهناك مثلًا كرسي خاص لمكافحة ظاهرة التستر، والتي يشرف عليها الأمير مشعل بن ماجد وتذهب توصيات الكرسي له مباشرة لأنه يمثل جهة تنفيذية في هذا المجال، ونفى العتيبي أن يكون هناك تكرار لموضوعات الكراسي العلمية.. وأوضح العتيبي أن بعضًا من المسؤولين والتجار لا يستفيدون من هذه الكراسي وأبحاثها ولا من الكوادر العلمية الموجودة في حين أن الكراسي وجدت لتتيح الفرصة أمامهم للاستفادة منها، وعن مشكلة ضعف الكوادر والخبرات قال العتيبي: إنه لا يلمسها خاصة في العلوم الاجتماعية فلدينا قدرات وكفاءات كثيرة وجميع الكراسي في هذا الصدد يشرف عليها أساتذة على قدر عالٍ من التأهيل والمعرفة.وأكد العتيبي على ضرورة طرح إنتاج الكراسي العلمية من أبحاث وغيرها على موقع إلكتروني ليصل إليها أكبر قدر من المهتمين، كما يشدد على ضرورة رفع توصيات وأبحاث هذه الكراسي إلى المعنيين والمسؤولين من قريب أو بعيد حتى تصل لكل المهتمين والراغبين وطلاب الدراسات العليا أيضًا.

