مختار الغوث: إسلاميو تركيا أوجدوا قاسما مشتركا مع الوطنيين

في حوار حول تجربة الحركة الإسلامية بتركيا ونظيراتها العربية

مختار الغوث: إسلاميو تركيا أوجدوا قاسما مشتركا مع الوطنيين

الحركات الإسلامية العربية صارت جماعة صوفية لا حزباً سياسياً

(0 تصويتات, متوسط 0 من 5)

مختار الغوث
غازي كشميم
الحركات الإسلامية العربية مثار تساؤلات وجدالات لا تنتهي؛ حيث لم تتمكن من تحقيق مشروعها، كما أنها تخلي الساحة لغيرها، وما زالت باقية رقما محسوبا في الصراعات العربية الموجودة.
ولعل الحديث عن تقييم تجربة الإسلاميين في العالم العربي والإسلامي قد بدأ يتصاعد ويكتسب حجية ووجاهة منطقية في ظل نجاح بعض التجارب مثل حزب العدالة والتنمية التركي الذي استطاع أن يحقق نجاحات كبيرة شكلت بحد ذاتها تساؤلات وعلامات استفهام حول أسباب انفراد الحالة التركية بهذا التقدم وعدم تمكن الإسلاميين الحركيين من مجاراة هذه التجربة.
أسئلة ومقارنات طرحناها على الباحث والمفكر الدكتور مختار الغوث، الأستاذ بجامعة الملك عبد العزيز بجدة، وصاحب كتاب (الحركة الإسلامية في تركيا)، نرصد من خلالها أوجه الاختلاف بين تجربة الحركة الإسلامية التركية ونظيراتها العربية، وكيف استطاعت تلك أن توحد الشعب التركي وتسير به إلى أهدافها، بينما ما زالت الحركات الإسلامية في العالم العربي تراوح مكانها، وأين الخلل في أداء الحركات العربية؟ هل هو في قياداتها المتبوعة؟ أم في قواعدها التابعة الساكنة؟ أم في طريقة تفكيرها ومنطلقاتها؟
الواقع التركي أصعب
* عقدت في كتابك (الحركة الإسلامية في تركيا) مقارنات بينها وبين الحركات الإسلامية في العالم العربي، فهل هناك أوجه للمقارنة مع اختلاف الأجواء السياسية والاجتماعية؟ أليس هذا ظلما للحركات الإسلامية العربية؟
- ما أرى أنه ظلم؛ فالحال في تركيا أصعب منه في البلدان العربية، تركيا هي العلمانية الأولى في العالم الإسلامي، وعلمانيتها أعتى العلمانيات، والجيش الذي يحميها جيش عقدي، يحقد على الإسلام حقدا لا نظير له، وهو يتجاوز منع الأحزاب الإسلامية إلى منع التدين، ومحاربته بكل ما يستطيع، ويمنع تعلم القرآن والإسلام، ويربي جنوده على عقيدته منذ الصغر، ويمنع أن يدخله متدين، ومن دخله وكشف أمره فصله، ومع ذلك استطاعت الحركة أن تظهر في تركيا، وأن تبلغ ما بلغت.
أما الحركات الإسلامية العربية فهي أحسن حالا، وواقعها أفضل بكثير، فهي تعمل في بيئات متدينة، يباح فيها تعلم الشرع، وحفظ القرآن، وإنشاء الجمعيات والمدارس والجامعات الإسلامية، وليس في بلادها جيش يعادي الإسلام، ويتعهد بحماية عداوته، ويخوله الدستور حق التدخل للقضاء على كل ما يخالف فهمه للعلمانية.
* لكن تركيا تعيش أجواء من الحرية يفتقدها العالم العربي.. ألا ترى أن هذا الوضع يجعل القياس صعبا، ويمنح معاذير للإسلاميين في العالم العربي والإسلامي؛ حيث تكاد تنعدم هذه الأجواء أو تظل في إطار شكلي وهامشي؟
- لا أدري كيف نعتقد أن في تركيا حرية، وهي التي ما قام فيها حزب إسلامي إلا وتم حله!! فكيف تتأتى الحرية في بلد يعطي دستوره فئة من الشعب حق التحكم المطلق في سائره؟! ومعروف أن الذي يحل الأحزاب هو الجيش وهو قد مر بطورين: الأول طور الانقلاب العسكري الشامل على الأحزاب كلها، والثاني الانقلاب الخاص على الحزب الإسلامي عن طريق القضاء الذي يتولى تنفيذ ما يقرر له الجيش.
والجيش يعلم أن الذي يتقدم اليوم لإنشاء حزب هو ذلك الذي حُل حزبه بالأمس، وأن أفكاره التي يتقدم بها اليوم هي أفكاره التي حُل من أجلها بالأمس، وإن أُخرجت في ثوب جديد، لا يسترها عمن يعرف ما تحت الثياب.
فالقضية ليست قضية حرية، إنها حرية صورية، فرضها واقع سياسي دولي، لكنها قضية أناس واعين، استغلوا ما أتيح لهم في بلد غير حر، فأقنعوا فئات معتبرة من الشعب أن هذا الواقع يجب أن يتغير، أقنعوه بإنجازهم، وبتحقيق وعودهم حين يمكَّن لهم، وبصدقهم في الإيمان بالديمقراطية.
إن في حزب العدالة والتنمية الآن كثيرا من الأعضاء الذين كانوا في أحزاب شتى، غير إسلامية، منها حزب أتاتورك، جاءوا اقتناعا بأن واقع تركيا السياسي خطأ، ويجب إصلاحه وتجاوزه، وأن في وسع حزب العدالة والتنمية أن يعمل شيئا لتركيا، والجيش والدستور اللذان يمنعان بقاءه ينبغي أن يعاد النظر فيهما، بمعنى آخر الحركة التركية أوجدت قاسما مشتركا بين الوطنيين من الترك كافة، وأقنعتهم بالانخراط في العمل له.
والقاسم المشترك هو الحرية، والديمقراطية، والحفاظ على حقوق الإنسان، والتنمية، والاستقرار، وإخراج الجيش من الحكم، ووضعه في أيدي الشعب، وهي أمور لا يخالف فيها امرؤ وطني يعي.
تطور تركي مقابل جمود عربي
هذه حقيقة نضال الحركة الإسلامية في تركيا التي ظلت تتطور مع الواقع حتى غيرته، ولم تجمد على تعاليم المؤسس، ولا اتخذتها عقيدة تلقنها من ينضم إليها، وتعدها أمرا مطلقا، ينظر منه إلى كل شيء.
* دعنا نأخذ مثالا عربيا، هناك حركات إسلامية في الجزائر، والأردن، واليمن والكويت، تعمل في جو من الحرية، لا بأس به، وبين بعضها وحكومته حلف، فماذا عملت بجو الحرية والانفتاح؟ أليس معنى هذا أن الحركات العربية تسحب حكم الحركة في مصر وما شاكلها من الحركات العربية على سائر الحركات، مع اختلاف الواقع؟ ثم هل رأيت تفكيرا جادا من إحدى هذه الحركات في بناء تحالف وطني، يتجاوز العقائد التنظيمية، إلى العقيدة الوطنية، بالمعنى الإيجابي للوطنية؟
- إن الخلل يكمن في ثقافة الشعوب العربية، التي منها الاتباع على غير بصيرة، والانقياد العاطفي لمن يُحسن به الظن، وطريقة تفكير الحركات الإسلامية وعجزها عن تجاوز ما ألِفت منذ يوم نشأتها.
ويتجلى هذا في قيادة الحركات وقواعدها، في تركيا وفي البلاد العربية، فعلى حين تكتفي القواعد العربية الواعية بالهمس من وراء حجاب بانتقاد قياداتها، ثم تعجز عن أن تقف موقفا إيجابيا يغير مسار الحركة، يخرج جل القاعدة التركية مع شبابها المجددين، بعد أن استبان لها أن القيادة لم يبق في قوسها منزع، وأن تغييرها هو العلاج، فيكون ما يكون من النصر المبين، والنجاح المذهل، ويكون ما يكون من الجمود وتعطل المشروع في الحركات العربية.
انغلاق الحركات العربية
* هل مرد ذلك إلى أن الحركة الإسلامية في العالم العربي اتجهت إلى التربية الإيمانية والدعوة إلى الله بمفهومها الضيق، بينما الحركة في تركيا اتجهت إلى تنمية المجتمع وبنائه في كل جوانب الحياة؟
- الحركة الإسلامية العربية رضيت أن تكون طريقة صوفية، تعمل في غير مجالها (السياسة)، وبشيء من التفصيل: الحركة الإسلامية العربية فهمت أن سبب التخلف هو ضعف الإيمان؛ فاشتغلت بالتربية عن مجالات أخرى كثيرة، هذا أولا، وثانيا: انغلقت على نفسها وابتعدت عن نقل أفكارها إلى الشعب، لتكون أفكاره التي يطالب بها، ويتحمل واجبه في تمثيلها، وإنما حملت أفكارها وحدها، وانغلقت عليها، ولا تسمح أن يعمل معها إلا من تم عجنه في أوعيتها، وتخمَّر بخميرتها، ونضج في تنورها، ثم تعطيه شهادة الصلاحية للعمل تحت رايتها، على أن يكون جنديا لها مبايعا على السمع والطاعة، مسلما إليها نفسه، ينتظر أن تأمره، وإلا فلا يصلح أن يعمل لدين الله، وإذا عمل فهو مشاق لها!!
ثم استبدت بها المخاوف والأوهام، وضعف العدة عن هضم الناس واستيعابهم، والخوف على المكاسب اليسيرة، مع الشعور بالتضخم الواهم، فماذا كانت النتيجة؟ النتيجة أن فئات قليلة من الناس اقتنعت برأيها فانضمت إليها، فانعزلت معها.
وهذا عكس ما فعلته الحركة التركية؛ حيث انفتحت على الشعب كله، خاصة صورتها الأخيرة (حزب العدالة والتنمية)، حتى إنها قبلت في عضويتها العلمانيين.
هذه من أكبر مشكلات الحركات الإسلامية العربية، وأنا أرى أنه لم يبق في قوسها منزع، وهي آيلة إلى التحلل مع الأيام ما لم تنح منحى جديدا في التفكير والعمل.
وإنما يراخي من تحللها ثقافة الشعوب العربية السلبية، ونوعية من ينضمون إليها، والحجر على تفكيرهم، في العلاقات وفيما يقرءون حتى لا يلج عقولهم شيء يشوشها، لكن ثورة الشبكة الدولية (الإنترنت) لن تترك مخبأ إلا كشفته، وسوف يكون تراجع شعبية الحركات بقدر نضج الشعوب العربية.
طقوس الانضمام وهاجس الولاء
ووجه آخر من وجه الإخفاق عند الحركات العربية أنها صارت جماعة صوفية، لا حزبا سياسيا مهمته خدمة الناس جميعا بغض النظر عن آرائهم ومعتقداتهم ومذاهبهم.
وكان ينبغي أن تكون الحركات جبهات تضم كل من رضي بالإسلام مرجعا، بغض النظر عن آرائه، كما كان دأب المسلمين قبل التاريخ الحديث؛ حيث كانوا كلهم يعملون تحت لواء واحد، يختلفون في الآراء، ويتحدون في المواقف من الأعداء، وحين يقسَّمون على حسب آرائهم، ويوالون ويعادون بناء عليها، يكون الوهن والضعف، والفرقة، وما نهى الله عنه: (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم).
وكان ينبغي أن يكون الذي يفعل هذا غير الذي يدعو إلى إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، ألم يكن في جيش عمر بن الخطاب الذي كان يقوده سعد بن أبي وقاص أبو محجن الثقفي، وهو يشرب الخمر؟!
نضج الشعوب نهاية للحركات
* ذكرت نقطة مهمة في الفرق بين الحركة الإسلامية التركية ونظيراتها العربية؛ أنها في تركيا بدأت علنية وفي العالم العربي بدأت سرية كحالة استثنائية، لكن الحالة الاستثنائية استمرت وأصبحت هي الأصل، فهل لهذه الإستراتيجية التنظيمية دور فيما وصلت إليه الحركات العربية؟
- لا ريب؛ لأن نتيجة هذا أن الحركة أصبحت تفكر أن تكون بديلا للشعب، فبقدر ما ينضم إليها منه يكون تقدمه، وبقدر ما يقل الانضمام يكون تأخر المشروع.
وأنت تجد الحركة تأتي عليها عقود، لم تكتسب إلا بضعة آلاف! وبضعة آلاف لا تغني في التغيير المأمول، فلابد من تناسب بين المغيِّر ومن يريد تغييره، أي لابد من عدد معتبَر، يحقق قانون "الكتلة الحرجة"، وإلا كانت قلة ليس لها تأثير كبير، ويتجاوزها الزمن بعد حين.
والمجتمع إذا كان أنضج من حركاته، وأكثر منها قربا إلى الأهداف، وأكثر استعدادا لتحقيقها، وتأخرت عنه، آل أمرها إلى النهاية؛ لأنها فقدت مسوغ وجودها، وعجزت عن تحقيق وعودها، أو استغنى عنها من كان يرى أنه محتاج إليها، أو شعر أنها خذلته فيما كان يعول عليها فيه.
* ذكرت في كتابك (الحركة الإسلامية في تركيا) أن تبني المسلمين لقضايا الإسلام ليس بجهود الحركات الإسلامية، وإنما هو أثر من آثار بقايا الإيمان في النفوس، كيف ذلك والحركات الإسلامية تعد عودة الشعوب الإسلامية إلى دينها وتبنيها قضاياه هي ثمرة من ثمرات جهودها، ألم تكن سببا رئيسا في ذلك؟
- العالم الإسلامي في تاريخه كله لم يرتبط بغير الإسلام، والدليل على ذلك أن الاستعمار لما دخله هبت لمحاربته الشعوب كلها، قبل أن تكون الحركات الإسلامية، وهناك بلدان إسلامية يهز الإيمان وجدانها، وتحركها قضاياه، وليست بها حركات إسلامية، فالتدين شيء سابق للحركات، والحركات أثر من آثاره، وهذا لا يعني إنكار ما للحركات من فضل، ففضائل الحركات الإسلامية على الأمة لا يجحدها إلا مكابر، لكنها دون ما يصور بعضها.
الحركة الإسلامية أهملت التصوف
* انتقدتَ معاداة الحركات الإسلامية للتصوف، وقلت بأنها خسرت قطاعات عريضة من الشعب وإستراتيجية مهمة لتوليد الطاقات والكوادر.
- نعم، حصل هذا ويا للأسف! وأرى أن فيه عقوقا، فالحركات الإسلامية العربية أمها حركة "الإخوان" المصرية، وهي حسنة من حسنات الطريقة الحصافية الشاذلية، ومؤسسها حسن البنا -رحمة الله عليه- صوفي من فرقه إلى أخمصه، نشأ على التصوف ومات عليه، ونقل عنه أنه لم يترك الأوراد الشاذلية إلى وفاته، وأنا أعرف عدة قصص عن البنا تؤكد أنه كان شيخا صوفيا.
وهذا لا يعني أن التصوف ليس به أخطاء، فتلك مسألة أقر بها شيوخه منذ القشيري إلى الشيخ زروق، فقد قال القشيري: "اعلموا رحمكم الله أن المحققين من هذه الطائفة انقرض أكثرهم، ولم يبق في هذا الزمان من هذه الطائفة إلا أثرهم... وقد حصل الضعف في هذه الطريقة، بل اندرست...". وقال الغزالي: "واعلم أن السالك قليل والمدعي كثير"، لكن أخطاء التصوف وسلبياته لها نظائر في حياة الأمة الإسلامية وعلومها كلها.
* هل تدعو إلى التوجه للصوفية في مقابل المد السلفي الذي يجتاح بعض الحركات؟
- أدعو إلى إصلاح كل مختل من حياة المسلمين، وأن يشترك في إقامة المشروع الإسلامي كل من رضي بالإسلام مرجعا، وألا يقصى أحد بسبب آرائه في الفروع، فمن أقصيته اليوم لقدرتك عليه سيقصيك غدا إذا قدر عليك: (وتلك الأيام نداولها بين الناس).


 

ليصلك كل جديد عنا ولنكون علي اتصال