غازي كشميم - جدة
الجمعة 14/02/2014
ما زالت تجليات أدوات التواصل الاجتماعي الحديثة تتبدى وتتشكل، بل وتشكل المزاج النفسي والاجتماعي للمجتمع، وما زالت تلقي هذه الأدوات بظلالها على العلاقات البينية بين كل شرائح المجتمع ومن أهمها العلاقات بين الشباب والفتيات والتي ربما تنتهي إلى زواج شرعي وربما تنتهي إلى علاقات فاشلة، بالإضافة إلى ما تساهم به هذه الأدوات من تغيير نمط التفكير لدى كل من الشاب والشابة في شريك أو شريكة حياته، فكيف تسهم أدوات التواصل الاجتماعي في تشكيل العلاقات بين الشباب والفتيات؟ وما تأثير تلك العلاقات على منظومة الزواج كقيمة دينية واجتماعية؟ «المدينة» تفتح هذا الملف في ثنايا التحقيق التالي:
قال أخصائي الطب النفسي العام والعلاج النفسي للأطفال والمراهقين الدكتور ملهم الحراكي: إن أدوات التواصل الاجتماعي وفرت بيئة إيجابية وسلبية في ذات الوقت بالنسبة للعلاقة بين الشباب والفتيات، وأوضح الحراكي أن هذه الوسائل تكشف عن اهتمامات الطرفين وتتيح لكل طرف أخذ فكرة وخلفية عن الطرف الآخر سواء نشاطاته أو اهتماماته أو الصفحات التي تعجبه، مما يساعد على التعرف على الآخر بشكل كبير وبالتالي إمكانية التآلف والانسجام بينهما، وأضاف الحراكي أن وسائل التواصل الاجتماعي تخفف من مغامرات الزواج غير المدروسة، مشيرًا إلى أنه بالإمكان أن يكون هناك حوار نصي بين الطرفين من خلال ترتيب الأفكار وطرح الأسئلة التي يرغب كل طرف في معرفة أجوبتها لدى شريك أو شريكة حياته، وعن سلبيات التواصل عن طريق هذه أدوات التواصل الاجتماعي أوضح الحراكي أن هذه الأدوات قد تعطي صورة غير صحيحة عن الطرف الآخر، خاصة إذا كان أحد الأطراف يسقط ما فيه خياله من مثاليات على الطرف الآخر الذي يتواصل معه عن طريق تلك الأدوات، موضحًا أن الغالب في محادثات من هذا النوع أنها عاطفية وخيالية لا تبنى على أشياء واقعية، وحين يتم الزواج يفاجأ كل منهما بغير الحقيقة التي رسمها في مخيلته وتحصل الصدمات العاطفية، وكشف الحراكي أن هذا يحدث حتى على مستوى الصداقات في إطار الجنس الواحد، فتجد الشاب أو الشابة يرسم صداقات خيالية عن طريق الإنترنت وتبنى عليها أشياء كثيرة وهي في واقع الحال بعيدة عن واقع الحال، وحذر الحراكي من تبادل الآراء والأخبار الكاذبة عن طريق هذه الوسائل والتي تتسبب في كثير من الحالات بحدوث مشكلات نفسية للأطفال أو مشكلات أسرية في العلاقات بين الزوجين، وعن تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على الزواج قال الحراكي: إنه يمكن أن يؤثر إذا كان مفهوم الزواج غير واضح لدى الشباب، وشدد على أهمية توضيح هذا المفهوم للأبناء للشباب وعدم اقتصاره على علاقات عاطفية أو جنسية فقط، وإنما يشمل الزواج مفاهيم مثل المودة والرحمة والبركة في المستقبل عن طريق إنشاء جيل جديد يخدم المجتمع، وأكد الحراكي أن وسائل التواصل الاجتماعي تساهم في مثالية الصورة التي يرسمها الشاب أو الشابة عن شريك أو شريكة حياته، ويجعلها بعيدة عن الواقع، واصفًا هذه الأدوات بأنها تجعل الحياة جميلة، بينما هي في واقع الأمر مليئة بالتحديات والمشكلات، كما أن تلك الأدوات تظهر أفضل ما يمكن لدى كل طرف وبالتالي يغفل أن شريك حياته هو في النهاية شخص عادي تعتريه ما يعتري الآخرين من مشكلات وهموم.
الوسيط البديل
من جانبه، قال الباحث في الإعلام الجديد فدغم المخيدش: إن شبكات التواصل الاجتماعي وما تتيحه من تفاعل خلقت حالة جديدة من العلاقة بين الفتيات والشباب من خلال بعض المؤشرات كإعادة التغريد والتفضيل والإعجاب والاهتمام وغيرها مما تتيحه هذه الأدوات، ويعتقد المخيدش أن الأمر فعلًا بحاجة إلى دراسات اجتماعية تبين التطور والتغير الحاصل في نمط العلاقات بين الشباب والفتيات نتيجة الاستخدام الواسع لشبكات التواصل الاجتماعي وللإنترنت عمومًا، كما أن هذه الدراسات يمكن أن تفيدنا في توعية الشباب والشابات بكيفية الاستخدام الأمثل للإنترنت في قضايا العلاقات بين الجنسين أو تكوين الزيجات، وأوضح المخيدش أن هناك علاقات عديدة تمت عن طريق الإنترنت بعضها تم بنجاح وبعضها انتهى إلى الفشل، ويكشف المخيدش أن أدوات التواصل الاجتماعي توفر التعرف على الجنس الآخر من خلال متابعة ما يطرحه وما يفكر ويهتم فيه، وما تبينه من اهتمامات الأفراد، الأمر الذي يسهل على الأطراف جميعًا التعرف على الخلفيات والاهتمامات لكل منهم، وأكد المخيدش أهمية تفهم هذا التطور الاجتماعي ومواكبته وإعطاء مزيد من التوعية حول هذه القضية، ونفى المخيدش أن تكون هذه العلاقات المتشكلة عن طريق الإنترنت سببًا في عزوف الشباب عن الزواج أو قلة رغبتهم فيه، نظرًا لما يتمتع به الشاب من وعي وضبط، مشيرًا إلى دراسات توضح أن شبكات التواصل الاجتماعي ممكن أن يخف بريقها في السنوات القريبة، وأكد المخيدش أن هذه الأدوات يمكن أن توفر الوسيط البديل عن الأسرة في التعرف على شريك الحياة لا سيما وأن هذه الوسائل توفر أدوات للرسائل المباشرة والبينية، وربما بالصور أيضًا.
الثقافة الجنسية
من جهة أخرى، قال أستاذ علم هندسة السلوك بجامعة أم القرى سابقًا الدكتور محمد أنس قاضي: إن العلم بالشيء خير من الجهل به، وبما أنه ليست لدينا مناهج في التربية الجنسية فيضطر الشاب والشابة إلى أن يأخذوا مسالك أخرى، وهذه المسالك الأخرى قد تأخذهم إلى طريق صحيح إذا أتت من خبراء وعارفين بهذه القضية، وقد تأخذهم إلى طرق وسلوكيات خاطئة إذا كانت المصادر غير تربوية وغير منهجية، وأكد قاضي أهمية الغريزة الجنسية لدى الشاب والشاب، وأن هذه الغريزة هي نعمة من الله تستدعي التوجيه والتهذيب، وأوضح قاضي أن العلاقات بين الشاب والشابة إذا كانت في حدود الزمالة العامة أو الأماكن العامة فإنه يكون مقبولًا مثل ما هو موجود في الدول الأخرى من غير أن تتجاوز العلاقة هذا الإطار، وقال قاضي: إن مجتمعنا فقير إلى «الثقافة الجنسية» وعطشان إلى مثل هذه الثقافة، وبالتالي فمن المتوقع حصول الكثير من السلوكيات وردات الفعل غير المنضبطة خاصة إذا جوبه الشباب والفتيات بعبارات العيب والحرام في كل شيء على حد وصف قاضي، وأضاف قاضي أن هناك عادات وتقاليد أدخلناها في الدين، مشيرًا إلى تجارب ودراسات عالمية تؤكد أن الشركات التي توفر «الاختلاط العلني» بين الذكور والإناث تكون فيها نسبة الإنتاجية أفضل. وعن نسب الاغتصاب والتحرش الجنسي في الدول المنفتحة والتي تتيح اختلاط الرجال بالنساء قال قاضي: إن المتطرفين موجودون في كل زمان ومكان، موضحًا أن نسبة هذه الجرائم بالنسبة إلى الأعداد الكبيرة لدولة مثل أمريكا تعد شيئًا طبيعيًا، وأضاف قاضي أننا ننظر دائمًا إلى سلبيات الظواهر أكثر من إيجابياتها.

