العثيم: نحتاج إلى أن نقلل من الصراعات البينية لصالح مشاريع البناء


انتقد الإغراق في الصراعات التي يخوضها البعض بحجة إنكار المنكر، أو التصدي للمؤامرات، مطالباً بأن تكون الجهود منصبة أكثر في مشاريع البناء أكثر من الانشغال بالمناكفات البينية. كما أوضح أهم الخطوط الرئيسة للتأثير على الناس تأثيراً مستديماً وليس لحظياً كما هي عادة الخطب والمواعظ، وبين مفهوم (التدين الشكلي) لدى شريحة من الناس وأسباب انتشاره في مجتمعنا خاصة .. هذه المحاور وغيرها ناقشناها وسلطنا عليها الضوء مع ضيف هذا اللقاء الكاتب والباحث سلطان العثيم، فإلى تفاصيل الحوار:

• بما أنك تحضر لرسالة دكتوراة في (المشروع الحضاري في السيرة النبوية) ألا ترى أن تدريس السيرة اقتصر في كثير من جوانبه على المعارك والغزوات.
 كما ينسحب هذا أيضاً على دراستنا للتاريخ الإسلامي في كثير من الدراسات والأبحاث حتى في مناهجنا الدراسية التي ركزت على الجانب السياسي وأغفلت الجوانب الاجتماعية والثقافية، هل أثرت هذه النظرة على رؤية الأجيال لتاريخها؟
هذا الاختزال لا شك في أنه أثر، اليوم التعليم يمثل جزاءً رئيساً من وسائل برمجة الناس، بالإضافة إلى البيت والإعلام والأصدقاء والخطاب الديني، وهذه الخماسية دائماً تبرمج الأمم والشعوب بتفاوت النسب، ونحن لدينا الخطاب الديني يختزل السيرة في الجانب العسكري رغم أن هناك تعاطيا إيجابيا مختلفا بدأ يظهر الآن. حيث إن هناك محاولة لإعادة قراءة السيرة من قبل بعض الشرعيين.
وأود الإشارة في هذا الصدد أيضاً إلى جانب مهم ومغفل في سيرة النبي عليه الصلاة والسلام وهو «الرسول الإنسان»، ونرى الآن آثارا وأصداء واسعة لبعض المواد التي تتحدث عن السيرة بطريقة مختلفة رغم أنها لم تأت بجديد في مادة السيرة، إلا أن تعاطيها من جوانب مختلفة أثر في كثير من الناس حتى كأنهم يسمعون السيرة لأول مرة في حياتهم.

• تحاول أن تمزج التنمية الفكرية بالتنمية البشرية بالتنمية الإيمانية، ما الخطوط أو الملامح العامة التي يمكن أن تجمع هذه المسارات لا سيما أن كلاً منها يحتاج إلى جهود مضاعفة؟
عندما تريد أن تؤثر في الناس عليك أن تدرس مستقبلات الناس، وهي الحجة العقلية والعاطفة الإيمانية والمهارات الحياتية.
 فالحجة موجودة في القضايا الفكرية، والرقائق والإيمانيات موجودة في الطرح الإيماني والروحي، ويريدون كذلك مهارات من أجل تحويل هذه الطاقة الروحية والفكرية لمشاريع عمل.
 بمعنى آخر عندما أعطيك ألف معلومة ولا أعلمك كيف تستفيد من هذه المعلومات، هنا تصبح إشكالية الناس تستقبل في اليوم أكثر من (4000) معلومة، وكثير من الناس لا يستطيعون تحويل (1%) من هذه المعلومات إلى واقع عمل.
 لذلك فالتنمية البشرية تغطي جانب المهارات، والتنمية الإيمانية تغطي الجانب الروحي وتوقظ الهمم، والتنمية الفكرية تجيب عن الأساس المنطقي وتؤصل للقناعات.
 لذلك أي منظومة تأثير في تصوري يجب أن تحوم بين التنمية بالإيمان والتنمية الفكرية والتنمية البشرية، وتعميقنا هذه الثلاثية سيوصلنا إلى مستوى مميز من التأثير الذي يبقى وليس التأثير الانفعالي.
 وأنا أنصح أحبتي في المجال الدعوي بأن يجمعوا بين الخطاب الوعظي العاطفي والخطاب المنطقي الفكري، لأن الخطاب الوعظي خطاب قصير الأمد، وإن لم تغير قناعات الناس سيكون هناك خلل، لذا لا بد أن يطير الخطاب الإسلامي بجناحي الوعظ والمنطق.

• لماذا نلحظ في الغرب قلة المواعظ، لكن الناس متخلقون بأخلاق راقية، بينما هنا يكثر الوعظ ويقل التخلق بالأخلاق الإسلامية؟
• إشكاليتنا في العالم الإسلامي هي إشكالية التخلف، والتخلف يفرز إشكاليات واضحة في جانب السلوك.
في الغرب نجد أن النظام والقانون والالتزام به قوي، لذلك وجود نظام يجبر الناس على أن يسلكوا مسلكاً حسناً، فقوة النظام وتطبيقه جعلا المجتمع يتعامل برقي ونظام.
 ثانياً هذه الأنظمة التي تتكلم عنها تمتاز بقوة التعليم والتوعية، ونحن لدينا فرصة مواتية في عالمنا للرقي والتطور، لأن لدينا نفس مستوى الانفتاح الذي تعيشه تلك البلدان خاصة في وسائل التعليم الذاتي والتقني.
 فالمعلومة التي تكون متوافرة في باريس أو لندن يمكن أن تتوافر في أي مدينة إسلامية، وتبقى مشكلة تطوير وتحديث أنظمة التعليم بما يضمن حداثة المواد وتطوير قدرات الشباب وتوفير بيئة تفاعلية والتركيز على إطلاق طاقات الشباب في العمل التطوعي والاستفادة من برامج التوعية والحوارات، وتكريم المبدعين.
كل هذه الأمور وغيرها، بالإضافة إلى كتابة أنظمة وقوانين في مختلف المجالات، لأن عدم كتابة أنظمة وقوانين يوجد مشاكل أخرى غير التي موجودة أصلاً مثل الاستثناءات وضياع هيبة النظام.
وأنا مبتهج من الجيل الشبابي الموجود الآن، إذ إنه بدأ يوعي نفسه بنفسه ويطور من مهاراته وقدراته والتزامه بالأنظمة والقوانين.

• جوانب النهضة ألفت فيها العديد من الكتب والبحوث، ومحاولات النهوض والبحث في أسباب التخلف لم تتوقف منذ نهايات القرن التاسع عشر؟ برأيك أين أخفقت تلك المحاولات؟
• أي مشروع للنهوض والتقدم لا بد أن ينطلق من فقه الواقع، لأن الواقع غلاب، بمعنى أنك عندما تريد أن تنهض بأي مجتمع في المجال الاقتصادي أو العلمي أو الفكري، فلابد أن تدرس واقعك.
 والأمة مرت بمرحلة استعمار خلف مشكلتي التقسيم والتخلف، ولو نقرأ الوثائق البريطانية في بدايات القرن الماضي ستجد أن بريطانيا وفرنسا اتفقتا على أن يمنعا عن دول العالم الإسلامي الاستفادة من التقدم العلمي، إضافة إلى الزج بها في صراعات بينية.
 فبدلاً من أن تذهب طاقات هذه الأمة في الإعمار والبناء ذهبت في الصراعات الحدودية والصراعات الفكرية والمذهبية، وكانت هذه الصراعات تشجع من قبل المستعمر.
 ولا شك في أن عالمنا شهد أطروحات فكرية ونهضوية عديدة وكلها لبنات فوق بعضها، وأظن أن الإنتاج الحضاري للأمة عند مقارنتنا القرن الماضي بالقرن الحالي فإن الإنتاج الحضاري في صعود.
 ورغم ظروفنا الصعبة التي نعيشها، إلا أني مستبشر خيرا، لأن الظروف الصعبة تستنفر الطاقات وتجعلها تستجيب للتحديات.
 وأود أن أشير إلى أننا لدينا هوس في فكرة الرجل المنقذ، لا يوجد رجل يغير العالم، وهذه إشكالية منتشرة عند البعض.
 نحن تجاوزنا مرحلة الرجل المنقذ، والحزب المنقذ إلى مرحلة المجتمع المنقذ، المجتمع الذي يترابط ويتكاتف ويتبادل الخبرات ويتعاون في سبيل الأوطان والنهوض بالقطاعات المختلفة، وكل شخص لديه مسؤولية في أي قطاع عليه واجب الدفع بالمجتمع إلى الأمام، وعلى المجتمع استيعاب المبادرات المختلفة، وعندما قلت: إننا في وضع أفضل ليس معنى هذا أنه ليست لدينا تحديات. فالتحديات موجودة لكن التجارب على مستوى الأفراد والمؤسسات تبشر بخير، لكننا نحتاج الى أن نقلل من صرف طاقاتنا على الصراعات والمناكفات البينية، وأن نسخر طاقاتنا في مشاريع البناء، وتعجبني في هذا الصدد تجربة الدكتور عبدالرحمن السيمط الذي ابتعد عن كثير من الصراعات الفكرية والسياسية وركز على مشروع تنموي استطاع من خلاله أن ينهض بقارة كاملة.
 ولدينا تجربة العالم الحاصل على جائزة نوبل محمد يونس الذي أسس بنك الفقراء في بنجلاديش، وغيرها من التجارب.
وهناك نقطة مهمة.. علينا أن نتخلص على الصعيد الشخصي من فكرة أننا يجب أن نغير العالم أو أن نغير كل شيء.
 لا يجب أن ينطلق الفرد فينا مما يحب ويتقن وفي محيطه وما يقدر عليه، وأن يكون لديه مشروع ورسالة حياة، وأؤكد أن نسقنا الحضاري في صعود.
 نحن تجاوزنا مرحلة السبات، ومرحلة الصحوة التي اكتنفها الجانبان العاطفي والحماسي، والآن بدأ الخطاب الإسلامي يجمع بين الطرح العاطفي والطرح العقلاني.
 كما أن الخطاب الإسلامي صار أكثر انفتاحاً على واقعه وعلى العالم، وعلينا أن نلتزم بقيمة الإتقان، وهذا تحد حضاري كبير، فكلما كان إنتاجنا أكثر جودة تقدمنا أكثر.

الحالة الدينية
• على ذكر الصراعات والتخفيف منها التي ذكرتها، هل مازلنا نعاني أزمة هوية وصراع عليها؟ أم أن الأمر مبالغ فيه وأخذنا إلى ساحات صراع بعيداً عن ساحات البناء؟
• أزمة الهوية مازالت موجودة، وإن كنا نعاني في الماضي الاستعمار، فإنه يطل علينا بوجوه مختلفة.
 فبدلاً من الاستعمار الصلب العسكري استعمل بدلاً من ذلك الاستعمار الناعم من خلال التعليم والثقافة وغيرها، لذلك على المهتمين بهذا الجانب أن يسعوا ويبذلوا لتثبيت القيم، لكن من غير أن تنزعهم الصراعات أن يتركوا جوانب البناء والنهوض والمشاركة، فان ترد على قضية أو شبهة معينة جيد، لكن أن تكون كل جهودك وأبحاثك في صراعات حتى داخل الإطار الإسلامي نفسه هذه إشكالية، ووجدت من خلال احتكاكي ببعض الرموز الإسلامية أن هناك صراعاً داخل التيار الإسلامي يصل إلى مرحلة كسر العظم والتهميش والإقصاء، وهذا أمر مضحك، وأظن أن التيارات الإسلامية في جزء منها لم تصل إلى مرحلة النضوج ومرحلة الخطاب المتسامح والمنفتح والخطاب التصالحي.
 نحن بحاجة إلى خطاب يجمع الناس ويقربهم، ويدافع عن القيم والهوية، لكن بتوازن يبعدنا عن أن نجيش الناس ونحرضهم على المزيد من الصراعات وفكرة المؤامرة، مع التسليم بأن كثيراً من الدول لديها مشاريع، لكن لا يمكن أن نفسر كل شيء على أنه مؤامرة، أو نفسر تصرفات الأشخاص بأنها خيانة أو عمالة أو غير ذلك.
وأقول: إن الأمر بالمعروف مقدم على النهي عن المنكر، لذلك لا بد أن نركز على الأمر بالمعروف أكثر من النهي عن المنكر، وأن نتقدم بمشاريع عملية ومبادرات بدلاً من الاكتفاء بالنهي عن المنكر.
 ولأن إزالة المنكر تتطلب إقامة معروف أيضاً، لذلك علينا أن نمتثل القاعدة التي تقول: تفاعل مع العالم من غير ذوبان، وخصوصية من غير انغلاق، كما أنني ضد أن نتعامل مع الناس على أساس إسلاميين وغير إسلاميين.

• لك مقال بعنوان (التدين الشكلي) وصفت فيه شريحة من المتدينين بالتناقض بين الجوهر الداخلي مع السمت الخارجي.. لماذا هذا التناقض برأيك؟ 
• ينشأ هذا التناقض لأن التربية المجتمعية تربي على ذلك، ولا شك في أنه مهم، لكن كما ورد في الحديث: «إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم».
 فعندما يأتي المتدين ويكون قاسياً على زوجته مثلاً أو سيىء السلوك، فهذا يعكس صورة سلبية -بلا شك- والاختبار الحقيقي هو اختبار السلوك، وأنا دعوت من خلال هذا المقال إلى أن يعمق الناس قضية التدين الحقيقي، والجمع بين الشكل والمضمون هو الغاية.
 وأعتقد أن المجتمع بحكم أنه مجتمع عاطفي فيظن أن هذه المظاهر هي كل شيء، والبعض يستغل هذه المظاهر للتكسب أو الوجاهة، ونحن أيضاً في خطابنا الإسلامي وفي المحاضن التربوية تطغى أحياناً التربية المظهرية على الجوانب الروحية والقلبية، لذلك لابد أن يكون مظهر الإنسان متسقاً مع مخبره، وهذه رسالة الإيمان الحقيقية.
 أضف إلى ذلك أن التدين الأعمق أصعب من التدين الشكلي؛ لذلك بعض الناس ربما لم يستطع أن يجاهد نفسه كثيراً في هذا الجانب.

• بحكم دراستك أيضاً للإعلام وأدوات التواصل والتسويق، نلحظ تغيرات في المزاج لدى الرأي العام خاصة لدى الشباب، كيف يمكن صناعة وعي ثابت وراسخ في ظل الكم الهائل من المعلومات عبر وسائل الإعلام المختلفة؟
• من الصعب أن نصنع وعيا ثابتا، لأن العالم متغير الآن، وصحيح أن الشباب يعاني بعض الارتباك لكثرة ما يتلقى وتناقضه أحياناً، لذلك أنا مؤمن بما يسمى التعليم الذاتي الذي سيصل بالشباب والفتيات إلى مستوى متقدم من الوعي. فعلى الشباب ألا يكتفوا بما يتلقونه من المدارس أو الجامعات، وإنما عليهم أن يركزوا فيما تبثه أيضاً وسائل الإعلام الجديد وأن يستفيدوا منها.
 ونحن لدينا أيضاً إشكالية في القراءة النقدية والمشاهدة النقدية، فإذا علمنا أولادنا الرقابة الذاتية وأدوات النقد السليم، فإنهم هم من سيصنعون الوعي الذاتي لديهم، ويحصنون أنفسهم بأنفسهم، ويجعلهم يفرزون بأنفسهم الغث من السمين، حتى في الدورات العلمية والشرعية علينا أن نعلمهم ونربيهم على النقد بالمناقشة والحوار.

السيرة الذاتية
• باحث في مرحلة الدكتوراة في دراسة المشروع الحضاري في السيرة النبوية الشريفة.
• حاصل على درجة الماجستير في إدارة الأعمال التنفيذية.
• معد ومقدم برامج تلفزيونية.
• صدر له عدد من البحوث والدراسات الخاصة، بالإضافة إلى عدد من المشاركات في المؤتمرات والملتقيات الداخلية والخارجية.
• مستشار ومحاضر معتمد في التنمية البشرية والتطوير الإداري CC.


 

ليصلك كل جديد عنا ولنكون علي اتصال