غازي كشميم - جدة
الجمعة 14/02/2014
توصف معظم المجتمعات الإسلامية بأنها متدينة ومحافظة، فهل هذا التدين وهذه المحافظة نابعة من قناعة شخصية لدى أفراد هذه المجتمعات أم أن ذلك بحكم الأمر الواقع وضوابط العادات والتقاليد؟ ولماذا حين ينفك بعض أفراد هذه المجتمعات من القيود البيئية والاجتماعية نجد ألوانًا من المخالفات والخروج على تعاليم الدين والشريعة؟ وما دور كل من الرقابة الذاتية والرقابة الاجتماعية بمؤسساتها المختلفة في تحديد سلوك وأخلاق الفرد والثبات عليها في مختلف الظروف والبيئات؟ (قضية التدين بين الرقابة الذاتية والرقابة الاجتماعية) تطرحها المدينة في ثنايا الاستطلاع التالي:
بداية أوضح مشرف علم النفس بوزارة تربية والتعليم في الشرقية الدكتور خالد الشهري أن الإسلام نقل الناس نقلة كبيرة من السلوك الجاهلي إلى السلوك الإسلامي، والسبب في ذلك هو الإيمان الذاتي وتحول الرقابة الخارجية للمجتمع إلى رقابة داخلية ذاتية، مضيفًا أن رقابة الله هي أعلى درجات إسلام المرء، وهذا هو لب الموضوع في القضية. وكشف الشهري أن الطفل الآن لا يربى على مراقبة الله عز وجل، وإنما على الخوف من العيب ومخالفة العادات والتقاليد، فتختلط لديه العادات بالدين من غير أن يعرف أو يشعر، وتترسخ لديه فكرة (ماذا يقول عنك الناس؟) في كل سلوكه وتحركاته، وبين الشهري أن تربيتنا أشركت ما هو ديني بما هو عادات دنيوية ومحاذير اجتماعية، فأصبح الطفل يتربى على المعايير الخارجية الاجتماعية ومحددات ما يقوله الناس والمجتمع من حوله، ومن ثم فإن الفرد إذا انفك من رقابة المجتمع فإنه يمارس سلوكيات فردية خاطئة، وأكد الشهري أن لضغط المؤسسات التربوية أو المؤسسات الدينية المكلفة برقابة سلوكيات المجتمع دورًا في تكريس مثل هذه الحالات والانفصام، مبينًا دورها في تحول السلوكيات الاجتماعية من انضباط خلقي ذاتي إلى انضباط ورقابة اجتماعية ضاربًا مثلًا بما يحصل مع (كاميرات ساهر) المرورية والتي ينضبط الناس مروريًا بوجودها لكنهم يتفلتون في غيابها، ذات الشيء يحصل مع هذه المؤسسات التربوية والشرعية حين تكرس النمو الأخلاقي عن طريق الانضباط الاجتماعي على حساب الانضباط الذاتي، لذلك نجد أنه بمجرد غياب الرقابة تتفلت الأخلاق، ودعا الشهري إلى تغليب جانب مراقبة الله أكثر من تكريس الضبط الاجتماعي أو القانوني، وانتقد الشهري غياب منظومة أخلاقية متكاملة تتعاون فيها جميع المؤسسات التربوية والشرعية والإعلامية، مبينًا أن هناك آليات لصناعة لرأي العام والعقل الجمعي لكل مجتمع كما هو معلوم في علم الاجتماع لكننا نفتقد إلى التخطيط والتكامل بين كل تلك المؤسسات.
التدين والتسامح
من جانبه، أوضح المؤسس والمشرف العام على مشروع النهضة الأخلاقية عمر الانديجاني أن هناك تفريقًا بين الجانب العبادي والجانب السلوكي والمنعكس أخلاقيًا لدى فئة كبيرة من المجتمع، مبينًا أن هناك بترا واضحا بين قضية التدين وقضية الأخلاق بالرغم من أن مقاصد العبادات كلها تصب في جانب تعزيز الأخلاق مثل ما يقول الله سبحانه وتعالى: «إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر»، وقوله صلى الله عليه وسلم: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه»، مؤكدًا أن الإنسان كلما تدين كلما كثر تسامحه وقل تشدده، وأوضح الانديجاني أن الربط بين التدين والتشدد غير صحيح، وقال الانديجاني: إن بعض الناس تتناول بعض المظاهر الدينية مثل الحجاب وغيره كعرف اجتماعي وليست ثوابت دينية، وبالتالي فحالما يتم الخروج من قيود هذا المجتمع تزول معه مظاهره وأعرافه لأن الناس انطلقت في الحفاظ عليها من منطلقات اجتماعية وليست دينية، وعن سبب تكريس مثل هذه الحالات الاجتماعية المتناقضة أوضح الانديجاني أن السبب في ذلك يعود إلى الضعف في القيادات التربوية أو القيادات الشرعية، مشيرًا إلى نموذج النبي عليه الصلاة والسلام وتعامله مع مجتمعه في المخالفات الشرعية، حيث إن عدد إقامة الحدود في عهده لم تتجاوز أصابع اليد الواحدة، كما يقول الانديجاني: بينما كان المجتمع بأكمله متبنيين القيم الأخلاقية، وذلك لأن النبي عليه الصلاة والسلام عكس تلك الأخلاقيات بنفسه في المجتمع، كما أنه رباهم على حب تلك القيم والسلوكيات، وأوضح الانديجاني أن الآباء الآن يمارسون نوعًا من التناقض السلوكي حين يحثون أبناءهم على أخلاق معينة ثم يأتون خلاف تلك الأخلاق، الأمر الذي يكرس حالة التناقض في جميع السلوكيات، وعن الإجبار الذي تمارسه بعض المؤسسات التربوية أو الشرعية لتكريس بعض الظواهر أو الشعائر الدينية وما إذا كان يمكن أن يصب في الحفاظ على الطابع الإسلامي العام للمجتمع مع ضعف الانضباط الذاتي أوضح الانديجاني أنه يجب أن يسير خط الضبط القانوني والاجتماعي إلى جانب خط الانضباط الذاتي، مشددًا على ضرورة توافر القدوات الاجتماعية والتربوية والشرعية، كما أكد الانديجاني ضرورة الاهتمام بجانب التوعية إلى جانب الاهتمام بزرع الخوف أو المنع، وقال الانديجاني: أتمنى من سيارة هيئة الأمر بالمعروف أن لا تنزوي بجانب السوق حتى يمسكوا بالشباب الذين يرتكبون مخالفات أخلاقية بل أتمنى أن يظهروا أمام الناس حتى يرسلوا للناس رسالة أننا موجودون هنا لمنع المخالفات وليس فقط لضبطها، وأكد الانديجاني أن منع المخالفات أولى من ضبطها وهذه هي الحلول الوقائية.
غياب التربية
أما عميد كلية التربية بجامعة الملك فيصل الدكتور محمد العمير فقد أكد أن التدين قضية فطرية لا يمكن أن ينفك عنها الإنسان، فالإنسان خلق ليكون عبدًا «وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون»، موضحًا أن العبودية والتدين ليست محصورة فيما تعارف عليه الناس من شعائر ظاهرة فقط مع أهميتها وإنما أن يكون لدى الإنسان مرجعية مؤثرة في سلوكه متمثلة في دين الله أو في الأديان السماوية قبل الإسلام، وأشار العمير إلى أن عدم ارتباط الإنسان بهذه المرجعية سيجعله يستبدلها بالضرورة إلى مرجعيات أخرى، كما أوضح القرآن ذلك «أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ»، وكما في حديث النبي عليه الصلاة والسلام: «تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم تعس عبد الخميصة»، وأشار العمير إلى أهمية التربية على القناعة الداخلية بالتدين حتى يؤثر ذلك على السلوك الخارجي، ومن هنا يظهر أثر العوامل الخارجية، وقال العمير: إنه في غياب التربية على التدين بقناعة داخلية فإنه سيظهر الانحراف على السلوك، ولذلك جاءت الآية الكريمة صريحة «لا إكراه في الدين»، مبينًا أن الإكراه والضغط على التدين تولد نفاقًا لذا لم يوجد النفاق في المجتمع المكي وإنما في المجتمع المدني ليس لأخطاء ارتكبها الرسول عليه الصلاة والسلام -وحاشاه ذلك- بل لأن المجتمع أصبح مسلمًا ومن الصعوبة إخراج الأهواء النفسية والانحرافات الذاتية، فخرجت حركة النفاق، وكشف العمير عن بعد آخر غير القناعة بالتدين وهو التربية على التدين؛ فبعض الناس لديهم قناعات بضرورة سلوكيات وشعائر دينية معينة لكنهم يفتقدون إلى التربية النفسية عليها، وأوضح العمير أننا محتاجون للعصا والجزرة في دور المؤسسات التربوية والشرعية، فلولا هيبة الحاكم والمؤسسات الرسمية لما كان هناك انضباط لكن لا بد من أخذ جانب التربية والتحفيز كأساس ثم جانب النصيحة ثم جانب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كوظيفة رسمية للدولة.
مسلمة الدار والاختيار
وفي ذات السياق، قال الأستاذ المساعد في كلية الشريعة بالأحساء الدكتور عبدالرحيم الهاشم: إن الأسرة والمجتمع لهما أثر كبير على الإنسان في انضباطه، مضيفًا أن المسلمين إما يكونوا من (مسلمة الدار) أو (مسلمة الاختيار)، كما قال أهل العلم، وبين الهاشم أن (مسلمة الدار) إسلامهم ضعيف ويتأثر بالمؤثرات الأخرى لكن من هم من (مسلمة الاختيار) فإن إسلامهم أقوى وقناعتهم أكبر، وأكد الهاشم أن كون الدار أو المجتمع مسلما فإنه معين للفرد على إسلامه وتدينه، مستدلًا بالحجاج الذين يأتون ويجتمعون في مكان واحد فتجد أن من أبرز الإيجابيات كما ينقلون هم أنهم وجدوا بيئة مساعدة على التدين والمحافظة على الشعائر الدينية بخلاف الوضع في مجتمعاتهم. وكشف الهاشم أن هناك من الأشخاص من هم ضعاف الشخصية فتجدهم حين يخرجون من بيئاتهم إلى بيئات أخرى غربية أو غيرها يبدلون سواءً في أخلاقياتهم أو لباسهم، وأوضح أن ذلك إضافة إلى أنه خطأ عظيم فإنه فتنة لكثير من الكفار، حيث يظنون أن الإسلام فقط في بلاد الإسلام، وأكد الهاشم أن هذه الظاهرة سببها الأفراد أنفسهم كما تتسبب فيها المؤسسات التربوية وغيرها، خاصة في البيوت والأسر التي تفتقر إلى الأحاديث الدينية، حيث يغلب على أحاديثهم الأحاديث الدنيوية أكثر من الأحاديث الإيمانية والأخلاقية، وبين الهاشم أن الفرض والضبط من قبل مؤسسات شرعية كهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمر ضروري وله انعكاسات إيجابية، وهذا الذي فعله الرسول عليه الصلاة والسلام والخلفاء الراشدون من بعده، ووصف الهاشم دور المؤسسات الشرعية بالمهم والقوي كما قال عثمان بن عفان: «إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن»، وأشار الهاشم إلى الدور الذي تقوم به المؤسسات التربوية عن طريق المدرسين أو القائمين عليها حين يتركون بصمات وآثار إيجابية على تلاميذهم وهذا ما نلحظه في كثير من تعليقات وأقوال الطلاب، وأوضح الهاشم أن على المدرسين والتربويين ألا يكتفوا بإلقاء الدروس العلمية والمحاضرات الأكاديمية وإنما أن يمارسوا دورهم التربوي أثناء تأديتهم لواجباتهم العلمية من خلال بعض اللفتات التربوية، وقال الهاشم: إنه لا بد على المؤسسات الشرعية والتربوية من فرض قيودها ورقابتها على الناس وهذا من واجباتهم، كما أن عليهم السير في طريق الترغيب والترهيب، كما هو منهج القرآن الكريم، موضحًا أن ترك الناس من غير ضبط ورقابة سيحدث فوضى أخلاقية وسلوكية.

