اليحياوي: فاعلو العولمة يكرسون الارتهان إلى النظرة الاستهلاكية

عرض - غازي كشميم
الجمعة 14/02/2014

اليحياوي: فاعلو العولمة يكرسون الارتهان إلى النظرة الاستهلاكية

ربما لم تنل ظاهرة عالمية من البحث والدراسة والتنقيب مثل ما نالته (العولمة) بكل تجلياتها الاقتصادية والسياسية والثقافية، ورغم كثرة ما كتب ويكتب حولها إلا أن الأمر لا يزيد ذلك إلا تعقيدًا وغموضًا حول هذه الظاهرة وآليات عملها، والعوامل المؤثرة فيها على مستوى الفرد والشعوب والدول.

ولعل مما أسهم في التباس هذه الظاهرة وزيادة حصة الضبابية حولها في عالمنا العربي، عنصر الإسقاط الذي لازمها منذ البدء، دونما ضبط لعناصر الإشكالية فيها أو تحديد مجالات عملها وتأثيرها، كما يقرر ذلك الباحث بجامعة محمد الخامس بالرباط الدكتور يحيى اليحياوي، ويضيف اليحياوي كدليل على ذلك الإسقاط إلحاق العولمة تارة بالاقتصاد والمال والأعمال، وتارة بالتكنولوجيا والشبكات وتيارات المعلومات، وتارة أخرى بالسياسة والديمقراطية والحكم الجيد، وتارات عدة بالثقافة واللغة والحضارة وما سوى ذلك.
فاعلو العولمة
ويشير اليحياوي إلى أن المشكلة في «عملية الإلحاق» هذه لا ينحصر فقط بربط سياق الظاهرة بسياقات أخرى، قريبة منها أو مشابهة لها أو ملازمة لعناصرها، بل في كون علمية الإلحاق هذه تعمد إلى «لي عنق» الظاهرة، ليربطها قسرًا بروافد أخرى قد لا يكون لها بها رابط موضوعي، أو عنصر مباشر، أو تأثير من طبيعة خاصة.
ويؤكد اليحياوي أن ظاهرة العولمة قد طاولت شتى مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والتربوية وبشكل متباين بين الدول والشعوب، إلا أنه يؤكد في الوقت ذاته على أنها طاولت أيضًا العديد من المفاهيم التفسيرية، والمكونات المؤسساتية، والتشكيلات الفردية والجمعية، كما كثفت من سبل تدافع المصالح والمنظومات والقيم، وحدت بالعديد من جهات العالم إلى «ركب مدها» بهذا الشكل أو ذاك، إما بحثًا عن إمكانات تعظيم مزاياها ومكاسبها، أو دفعًا للمخاطر والتهديدات التي قد تكون ثاوية خلفها في الحال أو في المآل.
ويوضح اليحياوي في بحثه (العولمة: التباس في الظاهرة أم لبس في المفهوم) أن العولمة بما أنها تحيل على السوق وعلى السياسة وعلى الثقافة، وتتطلع إلى الدفع بمستوياتها إلى كل أركان الكون، فإنه من البديهي أن تعمد الدول والشعوب إلى تحديد موقعها وموقفها منها، والتدقيق في حمولتها والخلفيات النظرية الناظمة لصيرورتها، وهذا أمر لا يستدعي في وجهة نظر اليحياوي فقط تحديدًا أوليًا «للظاهرة/المفهوم» أو تحديد تشكيلات القائمين عليها، الدافعين بناصيتها، ولكن أيضًا يستدعي النظر في سبل التعامل معها دونما زعزعة للمنظومات الذاتية، أو مصادرة لخاصية التنوع والاختلاف التي طبع بها الله تعالى الطبيعة والفكر، وجعلها سرًا من أسرار العيش والتعايش.

ركائز العولمة
ويكشف اليحياوي أن العولمة تتكئ على ثلاث ركائز كبرى، تعمد إلى تعضيدها وتقوية الأواصر الناظمة لها مجتمعة، وأوضح أن الركيزة الأولى تتمثل في اعتماد العولمة على «اقتصاد السوق»، ليس فقط بحكمه روح الرأسمالية البراغماتية، وجوهر الحرية الفردية والجماعية التي نادى بها «الآباء المؤسسون» للاقتصاد السياسي، ولكن أيضًا باعتباره المحك الذي على أساسه تقاس وترتب الدول والشعوب في منظومة العولمة القائمة، أما الركيزة الثانية التي تسند العولمة عليها كما يراها اليحياوي فتكمن فيما يسميه «ديمقراطية السوق»، ويعني بها الديمقراطية المقصودة التي تمثل مرجعية في التباري السياسي بين الفرقاء في الفضاء العام، وعلى هذا الأساس، فالديمقراطية ذات المرجعية الليبرالية تحديدًا لا تتعاطى مع الشأن العام كحركية اجتماعية، أو كحالة حضارية، بل كفضاء للتنافس بين عارض للبرامج وبين طالب يختار الأصلح منها، تمامًا كالتباري بالسوق على خلفية من العرض والطلب التقليديين، وهو ما تعبر عنه الانتخابات وتكرسه نظم التمثيل الشعبي المتعارف عليه، وثالث هذه الركائز التي يشير إليها الباحث فتتمثل في سيادة ما يمكن الاصطلاح عليه بـ»ثقافة السوق»؛ ويعني بها «ثقافة العولمة» المبنية على المنافسة حتى الموت، والبقاء للأقوى، والعبرة بالأصلح، والمتبنية لسلسلة من الوصايا الكبرى، كالمرونة والإنتاجية والإبداعية والاعتماد على النفس وما سوى ذلك.

الاقتناء كغاية
من خلال ذلك يتبين أنه في وسط هذه العولمة مدى ارتهان الكل إلى النظرة الاستهلاكية التي يذكيها فاعلو العولمة الكبار، ويتطلعون إلى أن تتعمم بالمكان والزمن، في أفق تكوين المجتمع الاستهلاكي الواسع المنشود، وفي ظل ذلك فالمطلوب من أي مجتمع وفقًا لمنطق العولمة ليس فقط اقتناء السلعة أو الخدمة، بغرض إشباع الحاجة (المادية كما المعنوية)، بل دفعه إلى الاقتناء من أجل الاقتناء، أي الاقتناء كغاية وليس كوسيلة لإشباع الرغبة.
ويبين اليحياوي في بحثه المنشور على موقع مركز أسبار للدراسات والبحوث والإعلام أن هذه الركائز الثلاث الكبرى هي التي على أساس من تبنيها والدفع بها، تعمد العولمة وفاعلوها الكبار إلى توسيع مجالها الطبيعي المباشر، وإلى فتح المجالات الأخرى التي تتراءى لها عصية على الاختراق، أو ممانعة في الانصهار في المنظومة إياها، نافيًا أن تكون العولمة حالة شمولية أو كونية، كما يعتقد بذلك بعض الباحثين والدارسين العرب للظاهرة، كما أكد اليحياوي أن «الثقافة العالمية» المراد تعميمها على المستوى الكوني، لم يتسن لها بعد تنميط السلوكيات، وإخضاع الخصوصيات، ودمج التشكلات الذاتية بالشعوب المختلفة ضمن التمثلات الغربية، وتأسيسًا على ما سبق، فإن العولمة الحالية ليست بأي حال من الأحوال حالة كونية بحكم اقتصارها في الزمن الراهن على الفضاءات الغربية، وفي أحسن الأحوال على «الشرائح ذات القدرة الاستهلاكية».



 

ليصلك كل جديد عنا ولنكون علي اتصال