غازي كشميم- جدة
الجمعة 21/02/2014
لم تنبع أهميتها من عراقتها التاريخية فقط، وإنما مما تحكيه من قصة إبداع معماري وتكافل اجتماعي عاشه أهل جدة عبر تاريخهم الموغل في القدم مئات السنين، لكنها الآن تشكو حالها من النسيان تارة، ومن الإهمال تارة أخرى، حتى وإن تم الالتفات إليها فهي التفاتات عابرة ونظرات عاجلة، وخطوات متعثرة، تكاد تقضي على ما بقي منها من أطلال.. تلك هي قصة أوقاف وأربطة «جدة التاريخية».. كيف يمكن إنقاذ ذلك التاريخ؟ كيف يمكن الحفاظ على تلك القيم والروح التي سكنت ذلك التاريخ؟ وما المخاطر التي تتهددها؟ هذا ما نحاول البحث عنه في ثنايا التحقيق التالي:
في البدء قال رئيس مجلس إدارة نظارة الأربطة في جدة الدكتور عادل بترجي إنه بالعودة إلى تاريخ هذه الأربطة والأوقاف أي إلى ما قبل خمسين أو ستين سنة نجد أن هذه الأوقاف والأربطة تعود إلى عوائل جدة القديمة، مشيرًا إلى أن الجيل الأول من هذه العوائل اهتم بهذه الأوقاف والأربطة بإنشائها ورعايتها، غير أن الأجيال اللاحقة لم تهتم بتلك الأوقاف، كما اهتم بها آباؤهم وأجدادهم، ولفت بترجي إلى التقصير من قبل تلك العوائل وقلة الوعي بأهمية تلك المنافع وعوائدها على المجتمع، وبالتالي نال تلك الأوقاف من الإهمال والنسيان لسنوات طويلة جراء تقصير الأبناء في تلك الأوقاف. ويضيف بترجي أنه في السنوات الأخيرة أعيد الاهتمام لتلك المنطقة من قبل وزارة الأوقاف وبعض القائمين على نظارة تلك الأوقاف، وبالتالي سعى أولئك إلى إعادة ترميم بعض الأوقاف أو إعادة بنائها من جديد نتيجة سقوطها، وفي هذه الأثناء واجهتنا عقبة متمثلة في أن تلك المنطقة أصبحت محمية من قبل أمانة جدة الأمر الذي يحتاج إلى الالتزام بمعايير ومواصفات الأمانة من الحفاظ على الأحجار الأصلية والمواصفات التاريخية، التي قام عليها البنيان وغيرها من المواصفات عند القيام بأي عمليات ترميم أو إعادة بناء، وأوضح بترجي أن هذه العملية مكلفة جدًا للراغبين في إنشاء أربطة أو أوقاف أو إعادة تأهيل في تلك المنطقة، مضيفًا أن مساحة تلك المباني صغيرة مقارنة بما يتم إنشاؤه حديثًا خارج المنطقة التاريخية، كما أن من الصعوبة رفع تلك البنايات لأدوار كثيرة كما البيوت الحديثة مع المحافظة على تراث وتاريخية تلك البيوت.. وكشف بترجي أن مجلس النظارة عجز عن الوفاء بتلك الشروط والمواصفات المكلفة، وبالتالي توجه إلى إقامة أربطة وأوقاف خارج تلك المنطقة، نظرًا لحاجة محافظة جدة الملحة لهذه الأربطة.. وأشار بترجي إلى أن أصحاب تلك الأربطة والقائمين عليها رفعوا أيديهم عنها وذلك لعجزهم أيضًا عن الوفاء بمتطلبات مواصفات الأمانة للمنطقة التاريخية، وبالتالي حصل ما نراه الآن من إهمال وتقصير تجاه تلك الأوقاف والأربطة، خاصة أنه ليس لها عوائد استثمارية كبيرة ولا منافع اجتماعية خيرية كبيرة نظرًا لصغر حجمها. وكشف بترجي أن هناك رأيًا متداولًا الآن وهو أن تشتري الأمانة تلك الأوقاف والأربطة ويتم إنشاء أوقاف أخرى خارج المنطقة التاريخية، وبالتالي نكون حققنا الحفاظ على الأوقاف كمنفعة اجتماعية للمحتاجين، وبإمكان الأمانة أن تتصرف بتلك البيوت بما يحقق معاييرها واشتراطاتها للحفاظ على تلك الآثار والبيوت القديمة، لكن بترجي أشار إلى عقبة أخرى تقف أمام هذا الاقتراح وهو التكلفة العالية لتلك البيوت والعقارات، والتي ستتكفل بها وزارة الشؤون البلدية والقروية.. مؤكدًا أن كثيرًا من ملاك الأوقاف لا يجد فائدة في ترميم تلك الأوقاف أو الأربطة لتكلفتها العالية من جهة ولخروجها من حوزتهم من جهة أخرى. وأكد بترجي أن هناك تقصيرًا تجاه هذه الأوقاف والأربطة من قبل القائمين على هذه الأوقاف نتيجة إهمالهم المتراكم لها، مشيرًا إلى أن ما أصاب هذه الأوقاف قد أصاب بنايات كثيرة غيرها في هذه المنطقة التاريخية التي عانت الإهمال.. وأكد بترجي أنهم بحثوا كثيرًا من الطرق والآليات التي تضمن بقاء تلك الأوقاف ومنافعها الاجتماعية.. كاشفًا عن أن كثيرًا من العوائل كانت تستطيع تحمل نفقات ورعاية الأوقاف في القديم لكنها الآن لا تستطيع ذلك.. وأكد بترجي على أن الحل العملي الذي يحافظ على عدة مسارات في وقت واحد سواءً المسار الاجتماعي والخيري لتلك الأوقاف أو مسار الحفاظ على تلك المباني أو ما تبقى منها كجزء من تراث وتاريخ جدة هو أن تشتري وزارة الشؤون البلدية والقروية تلك المباني من وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف بحكم أنها المسؤولة عن الأوقاف العامة التي لم يعين لها نظار، وبالتالي تقوم وزارة الشؤون الإسلامية ببناء أربطة وأوقاف خارج المنطقة التاريخية، مع تنازل الأوقاف عن جزء من المبلغ لصالح الأمانة بحيث تقوم بترميم تلك المباني بما يحافظ على أثريتها وأقدميتها.. وكشف بترجي أن محافظة جدة بحاجة ماسة إلى أربطة وأوقاف لرعاية الأرامل والمطلقات وكبار السن خاصة مع غلاء أسعار الإيجارات، مشيرًا إلى أن الاستثمار في الأربطة والأوقاف مهم جدًا في هذا الوقت، وإذا نظرنا إلى المنطقة التاريخية لرأينا حجم الأوقاف والأربطة في العقود الماضية بالنسبة لحجم السكان فما بلك الآن وقد ازداد حجم السكان وتوسعت جدة جغرافيًا، داعيًا إلى العناية بهذه الفئات للحفاظ على كرامتها الإنسانية وتلبية احتياجاتها المعيشية، وكاشفًا عن كثير من الحالات التي ترد إلى نظارة الأربطة من قبل الشؤون الاجتماعية والتي تطلب الإسكان لفئات فقيرة ومحتاجة من الناس. وأبدى بترجي استعداده للتعاون مع الراغبين من رجال الأعمال وأصحاب الأموال لتقديم وإقامة مشروعات أربطة وأوقاف أو المساهمة في ذلك عن طريق هبات الأراضي أو المساهمة المالية في إنشاء عقارات وأوقاف، داعيًا أصحاب رؤوس الأموال إلى المساهمة في تلك الأعمال الخيرية خاصة أنها لا تكلفهم الكثير.
عزوف المستثمرين
من جهته قال أمين عام مشروع تطوير وسط جدة التاريخي الدكتور عدنان عدس، إن الوقف من المشروعات الرائدة والرائعة التي تميزت بها شريعتنا، وقد حفل التاريخ بأوقاف كثيرة وعديدة وفي مجالات مختلفة حتى وجدنا وقف لقطط وكلاب مكة. وأضاف عدس أن وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف هي الجهة المخولة بتطوير ورعاية الوقف بما يتضمن تنفيذ شرط الواقف، مشيرًا إلى أن أغلب الأوقاف تتمركز في المناطق القديمة والتاريخية، كما هو الحال في مدينة جدة التي تزخر بالأربطة والأوقاف التي تديرها الحكومة أو تديرها بعض العوائل المعروفة في جدة والتي تعود منافعها إما على أيتام وفقراء أو على مساجد، كما هو الحال في مسجد المعمار والشافعي مثلًا.
وكشف عدس أن ثلث المباني التاريخية في جدة القديمة تعد أوقافًا ترعاها الحكومة أي بما يقارب (170) مبنى، ناهيك عن الأوقاف الخاصة ببعض العوائل، غير أن حالتها ليست جيدة.. وكشف عدس أن وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف تأتي بمستثمرين عبر عقود استثمارية، ويتم تأجير تلك الأوقاف حتى تدر دخلًا والاستفادة منها في رعاية أوقاف أخرى.. وأوضح عدس أن المستثمرين ليست لديهم دراية بالتعامل مع المباني التاريخية بالطريقة العلمية الصحيحة، مما يتسبب في استخدامها استخدام عشوائي، وأضاف عدس أن الاشتراطات الجديدة للأمانة وهيئة السياحة والآثار قلصت من إقبال المستثمرين على تلك المباني، مما تسبب في خسارة وزارة الأوقاف لريع تلك المباني، مبينًا أن هذه إشكالية تحتاج إلى حل.. وقال عدس إن الأنظمة الجديدة، التي تشترط لإقامة مشروعات استثمارية تختلف عن رغبة كثير من المستثمرين؛ إذ إن الأنظمة الجديدة تحدد مجالات الاستثمار وأنشطتها في إطار الأنشطة التراثية كمطاعم أو نزل تاريخية حتى لا تطمس هوية تلك الأماكن، وبالتالي هذه الأنشطة غير محبذة عند المستثمرين، الأمر الذي سبب انخفاض العائد من تلك المباني على وزارة الأوقاف.. واقترح عدس أن يتم نقل الأوقاف والأربطة خارج المنطقة التاريخية لازدحامها وعدم ملاءمتها لذلك المكان.. كما اقترح عدس أن تقوم الشركات الحكومية بتوقيع عقود استفادة مع الأوقاف لأخذ تلك المباني وترميمها وإعادة تأهيلها، ومن ثم استخدامها في منظومة سياحية أو مكتبية أو أي مشروعات لا يمكن أن تؤثر على تراث تلك المباني. وأوضح عدس أن الأوقاف العائلية أفضل حالًا نسبيًا من الأوقاف التي ترعاها الحكومة، مشيرًا إلى أهمية التزام تلك العوائل بنفس اشتراطات الأمانة في الحفاظ على تراثية تلك الأماكن مع إعطائهم مدة زمنية كافية لتطوير الوقف وإعادة تأهيلية واستثماره، كما كشف عدس عن مشكلة تكتنف تلك البيوت والعقارات العائلية لتشعب الورثة أو الشركاء من الأبناء والأحفاد.
وكشف عدس أن ثلث المباني التاريخية في جدة القديمة تعد أوقافًا ترعاها الحكومة أي بما يقارب (170) مبنى، ناهيك عن الأوقاف الخاصة ببعض العوائل، غير أن حالتها ليست جيدة.. وكشف عدس أن وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف تأتي بمستثمرين عبر عقود استثمارية، ويتم تأجير تلك الأوقاف حتى تدر دخلًا والاستفادة منها في رعاية أوقاف أخرى.. وأوضح عدس أن المستثمرين ليست لديهم دراية بالتعامل مع المباني التاريخية بالطريقة العلمية الصحيحة، مما يتسبب في استخدامها استخدام عشوائي، وأضاف عدس أن الاشتراطات الجديدة للأمانة وهيئة السياحة والآثار قلصت من إقبال المستثمرين على تلك المباني، مما تسبب في خسارة وزارة الأوقاف لريع تلك المباني، مبينًا أن هذه إشكالية تحتاج إلى حل.. وقال عدس إن الأنظمة الجديدة، التي تشترط لإقامة مشروعات استثمارية تختلف عن رغبة كثير من المستثمرين؛ إذ إن الأنظمة الجديدة تحدد مجالات الاستثمار وأنشطتها في إطار الأنشطة التراثية كمطاعم أو نزل تاريخية حتى لا تطمس هوية تلك الأماكن، وبالتالي هذه الأنشطة غير محبذة عند المستثمرين، الأمر الذي سبب انخفاض العائد من تلك المباني على وزارة الأوقاف.. واقترح عدس أن يتم نقل الأوقاف والأربطة خارج المنطقة التاريخية لازدحامها وعدم ملاءمتها لذلك المكان.. كما اقترح عدس أن تقوم الشركات الحكومية بتوقيع عقود استفادة مع الأوقاف لأخذ تلك المباني وترميمها وإعادة تأهيلها، ومن ثم استخدامها في منظومة سياحية أو مكتبية أو أي مشروعات لا يمكن أن تؤثر على تراث تلك المباني. وأوضح عدس أن الأوقاف العائلية أفضل حالًا نسبيًا من الأوقاف التي ترعاها الحكومة، مشيرًا إلى أهمية التزام تلك العوائل بنفس اشتراطات الأمانة في الحفاظ على تراثية تلك الأماكن مع إعطائهم مدة زمنية كافية لتطوير الوقف وإعادة تأهيلية واستثماره، كما كشف عدس عن مشكلة تكتنف تلك البيوت والعقارات العائلية لتشعب الورثة أو الشركاء من الأبناء والأحفاد.
استخدام عشوائي
وفي ذات السياق قال الكاتب والباحث المتخصص في تاريخ جدة الدكتور عدنان عبد البديع اليافي إن تلك الأوقاف والأربطة الموجودة في تاريخية جدة ينبغي الحفاظ عليها ورعايتها سواء من قبل وزارة الأوقاف أو من قبل العوائل القائمة عليها لما تقوم به من واجب إنساني واجتماعي وديني مهم، وأضاف اليافي أنه يجب البعد عن الجوانب الاستثمارية وتطوير وتحسين تلك الأوقاف والأربطة بما يتوافق مع متطلبات العصر، محذرًا من تغيير تلك الأوقاف والمباني بحجة تطويرها، كما دعا اليافي إلى ترميم وتحسين البنايات القائمة خاصة تلك التي يقطنها الناس، وأوضح اليافي أنه في حالة توفر الإرادة الجادة من قبل الجهات المسؤولة أو القائمين على تلك المباني والأوقاف فإنه يمكن أن تكون تلك المنطقة في حالة أفضل.

