الجدال الإسلامي العلماني.. أطروحة للتقريب

عرض- غازي كشميم
الجمعة 21/02/2014


التدافع الفكري بين مرجعيات التيارات الفكرية المختلفة هو المرآة التي تعكس طبيعة أفكارها؛ فبضدها تتميز الأشياء كما يقال، والكشف عن طبيعة الظاهرة الإسلامية يحتاج إلى الكشف عن طبيعة أفكارها التي تجادل حولها، ومن أبرز التيارات التي تتجادل الظاهرة الإسلامية معها هو التيار العلماني الذي دائمًا مما تتصارع معه حول قضايا عديدة أبرزها سؤال المرجعية والموقف من المرأة ومسألة اللغة والهوية ومسائل الفن، وغيرها من القضايا.. وفي هذا الإطار يقدم مركز نماء للبحوث والدراسات دراسته حول (جدل الإسلاميين.. الخلاف العلماني- الإسلامي) للدكتور عبدالقدوس أنحاس، ورغم أن الكتاب يدرس الجدل بين التيارين في المغرب إلا أن التيارات الفكرية وصراعاتها تكاد تكون متشابهة في مختلف الدول العربية باستثناءات خفيفة لا تؤثر على جوهر القضايا المطروحة.

ويطرح أنحاس كتابه في ثلاث مقدمات وخمسة فصول متوزعة على النقاط الأبرز في الخلاف بين التيارين العلماني والإسلامي. ويشير أنحاس في إحدى مقدماته إلى مفهوم العلمانية ومدى الخلط في الفكر العربي بين مرحلتين وهي مرحلة: فصل الدين عن الدولة، ومرحلة فصل الدولة عن الدين، مبينًا أن عزل الدين أو تمييزه عن الدولة مبدأ إيجابي لصالح الدين ولصالح الدولة، موضحًا أن ذلك يعني أنه ليس للدولة الحق في أن تتدخل في الدين بصيغ الاستعمال والهيمنة ولكن للدين أن يتدخل في الشأن السياسي على مستوى المرجعية الأخلاقية والتوجيهية والسلوكية. ويضيف أنحاس أن تمييز أنواعه ومراتب العلمانية له أثره البالغ في طبيعة الاختلاف بين التيارين العلماني والإسلامي.
ويطرح أنحاس في فصله الأول أول قضايا الخلاف والجدل بين التيارين الإسلامي والعلماني وهي (سؤال المرجعية) الذي يشكل حجر الزاوية، الذي تتأسس عليه كل قضايا الخلاف بين التيارين، ويشير أنحاس إلى أن كل تيار يجتمع ابتداءً على تصور مذهبي يجد أصوله في فلسفة معينة لها نظرتها ورؤيتها للعالم والإنسان والتاريخ والمجتمع ويلمح إلى أن البحث في الأصل المرجعي للتيارين سيكشف عن المستندات المعرفية والروح العقائدية والثقافية لكلا التيارين كما سيكشف عن القاعدة الصلبة أو غير الصلبة، التي تنطلق منها التيارات المختلفة، كما أنه يمكن أن يساهم في إيجاد الأرضية الصلبة، التي يمكن أن تلتقي وتتعاون حولها تلك التيارات.. وفي هذا السياق يبحث أنحاس عن مرجعية التيار العلماني، الذي تستند إلى مرجعية كونية وعالمية، وإلى الفكر الإنساني العابر للقارات والذي تضمنته كثير من المواثيق والاتفاقيات الدولية ذات الطابع الغربي بالتأكيد.. في المقابل يناقش أنحاس طرح الإسلاميين في قضية المرجعية من خلال موقف التيار الإسلامي من مرجعية المنظومة الحقوقية الكونية، وإشكالية المرجعية وأزمة النموذج المجتمعي في الفكر الإسلامي المعاصر؛ فعن المرجعية الحقوقية الكونية يقرر أنحاس أن التصور الإسلامي لا يراها صالحة كإطار مرجعي لإدارة الحياة المجتمعية والثقافية لاعتبارات جوهرية تتعلق بأصل نشأتها لأن الكونية الغربية حقوقية كانت أم سياسية لم تشكل ميزة أو قيمة أخلاقية رافعة لها فوق كل قانون أو خصوصية أو هوية. كما يشير الباحث إلى بناء النموذج الحقوقي الإسلامي المصبوغ بصيغة كونية وعالمية من أهم الإشكالات التي تطرح نفسها في ساحة مشروعات النهوض الإسلامي، وذلك بسبب الفجوة الهائلة التي تفصل عالم الأفكار والقناعات الإسلامية عن عالم الواقع المصطبغ بصبغة التفلت. إشكالية ثانية يطرحها الباحث ويتجاذبها التياران العلماني والإسلامي وهو الموقف من الحركات الإسلامية؛ ففي حين ترفض التيارات العلمانية التعاطي مع الحركات الإسلامية كمعطى اجتماعي أنتجته المتغيرات البنيوية للمجتمع والسيرورة التاريخية المؤطرة للحضارة العربية والإسلامية محاولًا بذلك وضع هذه الحركات الإسلامية في سياق الولادة غير الشرعية التي ساهمت فيها المتغيرات النفسية والاقتصادية والأزمات الاجتماعية والنكسات السياسية، في الوقت الذي يؤكد فيه الإسلاميون على أصالة هذه الحركات وتجذرها في العمق المجتمعي روحيًا وتاريخيًا وسياسيًا. ويطرح أنحاس إشكالية تسييس الحركات الإسلامية للدين، عارضًا وجهتي النظر الإسلامية والعلمانية حول ثنائية (الدين والسياسة). كما ناقش الباحث وصف التيارات الإسلامية بالشعبوية من قبل الأطراف العلمانية وطرحها لطوبائية الشعارات وطوبائية البرامج متسائلًا عن النموذج التاريخي للدولة الإسلامية، وما إذا كانت نموذجًا عقديًا يماثل الدولة الدينية التي عرفتها العديد من المجتمعات في التاريخ القديم والوسيط؟ أم هي دولة الجماعة المسلمة وليس لها في ذاتها طبيعة دينية؟ وفي هذا الإطار يطرح أنحاس تصور الباحث ولد أباه عن تصور الدولة لدى التيارات الإسلامية، والذي يتمثل في ثلاثة اتجاهات: اتجاه يحصر الدولة الإسلامية في أشكالها التاريخية أي دولة الخلافة، واتجاه يسعى إلى أسلمة الدولة الوطنية الحديثة بإضفاء الشرعية الدينية على هياكلها المؤسسية مع تصويب منظومتها القيمية والتشريعية، واتجاه ثالث يتبنى الدولة الحديثة ونمط العقلنة السياسية التي تقوم عليها من منطلق تصورها الإجرائي الأداتي، الذي لا يتناقض جوهريًا مع المرجعية الإسلامية، بل يقبل شتى المقاربات القيمية.
ولا يمر الجدل بين الإسلاميين والعلمانيين دون أن يعرج ذلك الجدل على قضية المرأة وحقوقها؛ لذلك فقد أفرد أنحاس لها فصلًا كاملًا مستعرضًا فيه الأطروحات العلمانية والإسلامية، التي كانت ولا تزال تمثل إشكالية فكرية وقانونية يتنازعها التياران.
كما تطرق أنحاس في فصله الأخير إلى المسألة الفنية كجزء من النقاش الثقافي وإحدى أهم القضايا اليومية المثيرة للجدل، ويخلص أنحاس إلى أن المسألة الفنية تعود بالأساس إلى قاعدة الخلاف المرجعي بين المكونين.


 

ليصلك كل جديد عنا ولنكون علي اتصال