2014/02/14 - 03:05:00
أذرع الحركة
تقدم حركة فتح الله كولن نموذجاً لمحاولات التغيير والإصلاح على خارطة المشاريع الإسلامية المقدمة منذ سقوط «الخلافة العثمانية» وتداعياتها في العالم العربي والإسلامي. فالحركة تلخص مشكلات المجتمعات الإسلامية في ثلاث مشكلات رئيسة: الجهل والفرقة والفقر، وهي لذلك قامت تنشئ المدارس والمؤسسات التعليمية؛ إذ تشير تصريحات وتقارير إعلامية مختلفة إلى أنها افتتحت مدارس تعليمية في نحو 92 بلداً، بينما تشير تصريحات أخرى إلى أنها انتشرت فيما يقارب 157 دولة حول العالم، بالإضافة إلى معاهد التقوية ومساكن الطلبة التي تمثل الرافد الرئيس لفكر الحركة، وبجانب المدارس التعليمية تنشط الحركة في مجال العمل الخيري والإغاثي. وتمتلك العديد من الصحف والقنوات الإعلامية البارزة في تركيا وغيرها.جوهر فلسفة كولن وحركته التابعة له إيجاد مجتمع إسلامي ملتزم، لكن في الوقت نفسه متلهف للمعرفة والتكنولوجيا الحديثة والتقدم لإنهاء تقدم العالم الغربي على العالم الإسلامي. واليوم يقترن اسم فتح الله كولن بمصطلح الإسلام التركي المتنور أو المعتدل، الذي يحاول تأسيس حركة دينية اجتماعية حديثة تمزج الحداثة، بالتدين بالقومية التركية بالدعوة إلى التسامح وتبني النظام الديمقراطي، وأهمية التحالف مع الغرب.
كما تقوم دعائم منهج الحركة الفكري على كتب سعيد النورسي وفتح الله كولن وأوراد الذكر والأدعية المختلفة، فيما يعيب عليها بعض المتابعين ضعف التركيز على القرآن الكريم وعلومه، ورغم أن كتب كولن تحوي الكثير من الفقه والتفسير والسيرة وغيرها، إلا أن السمة البارزة في وجبة الجماعة الفكرية اقتصارها على فكر شيخها وعدم تجاوزها إلى غيره، فيما يبدو أنه محاولة لقولبة أتباعها على فكر الشيخ و»حمايتهم» من أي فكر أو طرح آخر كما يشير الباحث والكاتب سعيد الحاج.
الحركة والسياسة
ومع التأكيد الظاهر لابتعاد حركة كولن عن السياسة واتخاذها عبارة بديع الزمان سعيد النورسي الشهيرة: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ومن السياسة» كشعار لها تطبقه في ظاهر تحركاتها، إلا أن كثيراً من المراقبين يرون أنها تنحو منحى آخر في ممارسة السياسة، وهو التغلغل داخل مؤسسات الدولة، سعياً إلى التمكين وتطبيق مشروعها الفكري من خلال تلك المؤسسات، وإن كان مشروعها الفكري الواسع غير واضح المعالم. كما أنها تتجنب الصدام مع الحكومات، بل لجأت في بعض فتراتها إلى التحالفات معها أو مع أحزاب سياسية ذات طابع علماني، وطرح تنازلها في بعض القضايا ذات الطابع الإسلامي مثل أزمة الحجاب في الجامعات التركية، وسفينة مرمرة التركية التي اتجهت إلى غزة، واعتدت عليها القوات الإسرائيلية طرح العديد من التساؤلات حول مغزى تلك التحركات، وما إذا كان يصب في خانة التسامح الذي تدعو له الحركة مع الأطياف الأخرى أم إنه إرسال رسائل لجهات خارجية بأن حركة كولن تختلف أجندتها عن أجندة ما يسمى «الإسلام السياسي» خاصة وأن كولن يتبنى مفهوماً غير مسيس للدين، فهو يرى أن «الإسلام ليس أيديولوجية سياسية أو نظام حكم أو شكلاً للدولة»، بل إنه يعتبر حركات ما يسمى «الإسلام السياسي» منفرة للدين كما يقول الحاج.
مستقبل الحركة
وبعيداً عن تفاصيل خلاف الحركة مع حزب العدالة والتنمية ذي الأصول الإسلامية، إلا أن الأكيد أنها كشفت الكثير عن فكر الجماعة وتناقض واقعها العملي مع منطلقاتها النظرية، وبالتالي ستحدد مصيرها وأفق مشروعها الفكري-السياسي داخل وخارج تركيا، وربما هذا تحديداً ما يفسر شراستها واستماتتها في معركتها الإعلامية الحالية مع حكومة العدالة والتنمية، بطريقة لم تعرف عنها ولم تنتهجها سابقاً قط. كما أن ظهور الحركة بهذا الجدل سيعيد النظر في جدلية الإصلاح الفكري والاجتماعي للأمة وعلاقته بالسياسة؟ وهل تستطيع أن تقاوم حركة «تغييرية» إغراءات السياسة، وما يمكن أن تمنحها لها في مسيرة العمل الإصلاحي؟ وهل يمكن أن يكون هناك تغيير فكري واجتماعي من غير تغيير سياسي؟

