ينجذب كثير من أفراد الأسر العربية لجديد قنوات الأطفال الإنشادية التي لاقت رواجًا في الفترة الأخيرة، وربما كان الكبار قبل الصغار أكثر إعجابًا بها، فهل أدت «قنوات الأطفال الإنشادية» الدور التربوي والرسالة القيمية التي تبغي إيصالها إلى الأطفال؟ ولماذا طغت الجوانب الربحية والتجارية على الجوانب التربوية في بعض تلك القنوات؟ وماذا ينقص تلك القنوات حتى تمثل قنوات رائدة إعلاميًا وقيميًا؟ هذه الأسئلة وغيرها طرحناها على عدد من المهتمين والمتخصصين في ثنايا التحقيق التالي:
قال الباحث الإعلامي باسل النيرب: إن الطفل العربي يقضي وفقًا لإحصائيات اليونسكو 22 ألف ساعة مقابل 14 ألف ساعة في المدرسة، وإن كانت هذه الإحصائيات قديمة إلا أنها الآن زادت خاصة مع وجود أجهزة الجوال الحديثة، وأوضح النيرب أن هناك إحصائيات حديثة تقول: إن الطفل يقضي أكثر من خمس ساعات يوميًا في مشاهدة التلفاز، وأشار النيرب إلى أن كثيرًا من الآباء يصرف أولاده إلى مشاهدة التلفاز لينعم هو بالهدوء والراحة، كاشفًا عن أن هذه الأساليب تفرز سلوكيات سلبية كالفردية والأنانية وعدم التعاون مع الآخرين، وأوضح النيرب أن هذه القنوات بالإضافة إلى وسائل التواصل الاجتماعي عزلت الطفل عن واقعه في الأسرة والشارع، وانتقد النيرب الصور ومشاهد الرفاهية المثالية التي تبرزها تلك القنوات مثل غرف النوم الراقية أو غيرها مشيرًا إلى أنها تعكس حالة من الإحباط لدى الطفل العربي خاصة عندما يشعر أن أباه غير قادر على تلبية وتوفير مثل تلك المرافق وأدوات التسلية التي يظهر بها أطفال تلك القنوات، وأوضح النيرب أن كثيرًا من أطفال العرب غير قادرين ماديًا على مجاراة ما يعرض في القنوات خاصة في بعض البلدان العربية. أما من ناحية الرسائل التي تبثها تلك القنوات فقد أكد النيرب أن القيم التي تبثها تلك القنوات مثل الحرص على الصلاة والصدق والمعاملة الحسنة قيم إيجابية يتفق عليها الجميع لكن لا ينبغي إظهارها في قوالب وصور نموذجية كأن أولئك الأطفال يعيشون حياة مثالية. وانتقد النيرب الدعايات التي تظهر في تلك القنوات وهي دعايات لمنتجات غالية الثمن لا يستطيع اقتناءها كل الأطفال، وطالب النيرب تلك القنوات بعدم المبالغة في الجوانب التجارية لأن تلك القنوات تظهر نفسها على أنها قنوات رسالية وقيمية فينبغي أن لا يطغى الجانب التجاري على الجانب القيمي. وأوضح النيرب أنه لا مانع من إظهار القيم السلبية في تلك القنوات والتحذير منها على أن يبين للطفل في نهاية الفقرات الإعلامية أن تلك القيم سلبية ويجب الحذر منها وتعزيز القيم الإيجابية البديلة. وأشار النيرب إلى أن إقبال الأسر والأطفال على تلك القنوات دليل على الفراغ الذي يعيشه الإعلام الأسري وإعلام الطفل خاصة في بيئتنا العربية. وأكد النيرب على ضرورة تقليل ساعات المشاهدة بالعموم لصالح الأنشطة الحركية والجماعية والأسرية. موضحًا أن قنوات الأطفال العربية خاصة الإنشادية ما زالت لم تقم بواجب التنشئة الاجتماعية على الوجه المطلوب.
غياب الكوادر
أما الدكتور مالك الأحمد أستاذ الإعلام المشارك بجامعة الملك سعود فقال: إن قنوات الأطفال الإنشادية أدت دور البديل في جانب الأغنية والنشيد عن القنوات الأخرى التي قد يشوبها الانحراف أو تستخدم أدوات غير مناسبة، مضيفًا أنه لم تبن بنية تربوية قوية للأطفال لكنها قدمت بدائل وهي عملية أسهل من صناعة إعلام وبرامج تعليمية تربوية بشكل احترافي، الأمر الذي يحتاج إلى موارد مالية وبشرية وخبرات عالية غير متاحة في عالمنا العربي، وأوضح الأحمد أننا ما زلنا بحاجة إلى الكوادر المتخصصة في إعلام الطفل خاصة المرئي منه، مؤكدًا أن هذه القنوات قدمت البديل والتسلية المعقولة بعيدًا عن قنوات وبرامج أخرى غير آمنة. وأكد الأحمد أن ما يتنازع الطفل ويغرس فيه القيم ثلاث وسائل رئيسة هي المدرسة والبيت والإعلام، ومع ضعف تأثير المدرسة وغياب دور الأسرة أصبح تأثير الإعلام كبيرًا جدًا وموجهًا بدرجة كبيرة؛ لذلك فالرسائل والقيم التي ترسلها تلك القنوات مهمة وضرورية، موضحًا أن هناك بعض مواقع الأطفال على الانترنت تعتبر مواقع جيدة ومفيدة للأطفال لكن ليس هناك توجيه نحوها وتفاعل معها. وأشار الأحمد إلى أن الأطفال ينجذبون إلى الإيقاعات والألحان أكثر من الرسائل والقيم المتضمنة في تلك الأناشيد. وعن الإعلانات والوسائل التجارية التي تستخدمها بعض تلك القنوات أكد الأحمد على ضرورة وجودها حتى تغطي القنوات تكاليفها عن طريق الإعلانات أو الاشتراكات أو الرسائل لكنه حذر في ذات الوقت من ربط تلك الإعلانات والترويج لها من خلال الإنشاد والأهازيج التي يمكن أن تربط الطفل بتلك المنتجات واصفًا ذلك بغير المقبول مهنيًا أو أخلاقيًا.
نجومية الأشخاص
في حين قال مدير قناة المجد للأطفال مروان خالد إن قنوات الأطفال بالعموم مقصرة رغم ما قدمته من برامج إيجابية إلا أن حاجة المجتمع أكبر بكثير مما هو موجود، وأوضح خالد أن هناك فرقًا بين القنوات التي تستحوذ على نسب مشاهدة وإقبال جماهيري عالٍ وبين ما تقدمه تلك القنوات من مضامين تربوية وليس بالضرورة تلازم الأمرين معًا. وأشار خالد إلى أن بعض القنوات أججت في نفس الطفل حب الإيقاع والتغني أكثر من الآثار الإيجابية أو التربوية التي ترمي إليها وبالتالي كرست جانب الطرب أو الغناء على حساب الجوانب التربوية الأخرى وإن كانت لكل القنوات آثار إيجابية بالتأكيد. وأثنى خالد على بعض قنوات الأطفال التي تركز على تنمية العقل مثل قناة (براعم) مع إنها تهمل الجوانب الروحية، لكنها تنمي كثيرًا من الجوانب العقلية والتربوية. وأوضح خالد أن قنوات الأطفال الإنشادية غلبت الاهتمام بالوسائل على الغاية منها، كاهتمامها بالإيقاعات والنجومية والشهرة لأفرادها حيث تغلب نجومية الأشخاص على نجومية القيم، وكشف خالد أن استنساخ بعض القنوات لبرامج قنوات أخرى مثيلة لها رسخت في أذهان الأسر أن هذا هو أدب الطفل، وهذا انحراف في مسيرة إعلام الطفل وأدبه، ملمحًا إلى أن بعض برامج الأطفال بها نسبة عالية من الجذب لكن الرسالة والمحتوى لا يتطابق مع تلك الجرعة الزائدة من الانجذاب. وعزا خالد استنساخ بعض القنوات لبرامج وقوالب قنوات أخرى إلى الجانب الربحي حين يرون أن نمطًا معينًا من الأساليب الإعلامية مربحًا ويوفر دخلًا ماديًا جيدًا، وأكد خالد على احتياج المجتمعات العربية لقنوات متزايدة من الأطفال لكنها تغلب جانب النوع والكيف على جانب الكم والعدد. وعن طغيان الجانب التجاري في بعض قنوات الأطفال الإنشادية ومنتجاتها قال خالد ليست هناك مشكلة أن تكون هذه القنوات ربحية ولها منتجات تتكسب من ورائها، لكن يجب الترشيد في هذا الأمر، فلا ينبغي تنجيم وتلميع أشخاص ورموز هذه القنوات على حساب تلميع القيم التي ارتبط بها أولئك الأشخاص، وانتقد خالد غلاء بعض منتجات تلك القنوات لمجرد وجود صور رموز وأطفال تلك القنوات. وأكد على ضرورة تركيز قنوات الأطفال على القيمة وليس على الأشخاص والنجوم، لأن الأشخاص يتغيرون ويتبدلون مطالبًا بأن يكون هناك استخدام واعٍ ومرشد لنجومية الأطفال أو القائمين عليها.