الدغشي: رغبة الحوثيين هي استئصال السلفيين وتطهير محافظة صعدة





يبرز حديث الحوثيين الآن على ضوء المعارك الدائرة بينهم وبين بعض السلفيين والقبائل اليمنية الأخرى؛ فما حقيقة وأصول هذا الصراع المتجدد الآن؟ وكيف انعكست تغيرات المنطقة بعد ما يسمى «ثورات الربيع العربي» على التيارات الإسلامية والفكرية المختلفة؟ وما مصير الصراع العلماني الإسلامي في منطقتنا الذي لم يزل يشتد أواره بعد عقود من الصراعات والحروب الفكرية؟.. هذه الأسئلة وغيرها نطرحها على الكاتب والباحث في الفكر الإسلامي والتيارات الإسلامية الأستاذ بجامعة صنعاء الدكتور أحمد الدغشي، فإلى تفاصيل الحوار:


الحدث الأبرز الآن هو حرب الحوثيين والسلفيين.. برأيك وباختصار ما الخلفيات الفكرية لهذا الصراع، ولم تجدد الآن؟
باختصار.. الخلفية الفكرية للصراع بين الحوثيين والسلفيين تعود إلى رغبة الحوثيين في استئصال السلفيين وتطهير محافظة صعدة من كل فكر مخالف لهم، ما دام يتمنع أو يتأبى عن الخضوع لإمارتهم التي شكلوها في صعدة خارج سلطة الدولة المركزية.
ومن غير الدقيق ما يشاع اليوم كثيراً في ظل العدوان الحوثي غير المسبوق بهذا التوحش على السلفية وأهل دماج، أن يقال إن الفريقين قد عاشا أكثر من 30 عاماً على نحو من التحلي بآداب الخلاف في النزاع الفكري بينهما، فالحق أن الشحن كان قائماً من الطرفين.
القاعدة ومستقبلها
أطلت القاعدة وتياراتها المختلفة من جديد بعد أحداث الربيع العربي في دول مختلفة، خاصة وأنها بدأت في الانحسار قبل تلك الأحداث، هل ستمثل تلك الدول أرضية خصبة لعودة تلك التيارات وأفكارها؟ وكيف يمكن دمجها في العمل السلمي؟
من حيث الأصل يخطئ كثيراً من يظن أن القاعدة كان لها دور يذكر في التخطيط لثورات الربيع العربي، أو أنها رحبت بفلسفة هذه الثورات، أو أنها دعمتها بالمعنى الأيديولوجي، ذلك أنها على افتراق بيّن معها من حيث فلسفة التغيير، فحين عمدت القاعدة إلى التغيير العسكري كمنهج أساس عندها؛ فإن الثورات السلمية عمدت إلى التغيير المدني السلمي، لكن ذلك لا ينفي أنها استغلت وضع الشلل الذي أصاب السلطات الحكومية والمؤسسات الأمنية والعسكرية –في اليمن- مثلاً، فتمددت بعض الشيء، وحققت بعض الإنجازات على الأرض كما حدث في محافظة أبين في جنوب اليمن –على سبيل المثال-، لكن ذلك يعزى إلى استغلال الظرف لا إلى مؤازرتها لفكرة الثورة، وقد أفصحت في كتابي (الفكر التربوي للقاعدة مع التركيز على الحالة اليمنية) الذي صدر عن مركز الدين والسياسة بالرياض أثناء الثورة إلى هذا المعنى بقدر من التفصيل. ويمكنك أن تقول إن الوضع في ليبيا أو تونس قد واتى القاعدة من حيث استغلالها لأجواء الانفلات الأمني الذي حدث عقب سقوط النظامين ولاسيما في ليبيا، وأجواء الحرية غير المعهودة من قبل، أما عن كونها ستمثل تلك الدول أرضية خصبة لعودة تلك التيارات فلا أظن ذلك، وشاهدي هو أن -أي دولة حقيقية- حين تتخذ قرارها في معالجة ظاهرة القاعدة فلن تعجز سواء على المستوى الفكري والتربوي والاجتماعي وغيره، وهذا هو الأصل في المعالجة، أم حتى على المستوى العسكري والأمني إذا اقتضى الأمر ذلك، لم تتجاوب الجماعات المسلحة وعلى رأسها القاعدة إلى الحوار، والبحث عن حل سياسي واجتماعي شامل للمشكلة، وما أحداث منتصف العام 2012م في حسم الجيش اليمني معركته مع القاعدة في أبين وتعقبه لها، بعد أن كانت القاعدة قد أعلنت تلك المحافظة أو بعض مديرياتها- بتعبير أدق- إمارة إسلامية خاضعة لنفوذها؛ إلا دليل على أن الدولة إذا صدقت فإنها قادرة على بسط سيطرتها، كما أنها –لو أرادت ولم تخضع لضغوط الخارج وابتزاز بعض القوى الاستئصالية العلمانية في الداخل- قادرة إلى حد كبير على معالجة ظاهرة العنف التي تمثل القاعدة اليوم فيها رأس الحربة. وهذا يقودنا إلى الجواب عن سؤالك في جزئه الأخير: كيف يمكن دمج الجماعات المسلحة في العمل السلمي؟ فأقول في هذه العجالة: ثمة معالجات عدة تتفرع من جنس المشكلة بأبعادها التربوية والفكرية والخلقية والقضائية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية داخليا وخارجياً إلى جانب الأبعاد الأمنية والعسكرية. وقد فصلت القول في ذلك في دراسة لي عنوانها (ظاهرة العنف: قراءة في الدوافع وتصورات الحلول) وهي منشورة ضمن كتابي (من يمثل الإسلام؟ قراءة حضارية في إشكالات فكرية معاصرة) الصادر قبل سنوات قليلة عن مركز الناقد الثقافي بدمشق.

تجديد علم العقيدة
طالبت في مقالٍ لك بتجديد علم العقيدة، أليست العقيدة ثابتة راسخة وتحتاج إلى تأكيد أكثر منها إلى تجديد؟
واضح لمن يطلع على المقال الذي أشرت إليه أن المقصود بالتجديد في علم العقيدة هو التجديد في منطق موضوعات العقيدة المطروحة للبحث، وسلّم الأولويات، وأسلوب العرض، وطريقة المعالجة، حيث من المعلوم بأن ثمة سمة شهيرة في العقيدة الإسلامية هي سمة الواقعية، أي أنها تعالج مشكلات الواقع لا تعيش في برج عاجي يفصلها عن التحديات العقدية في أي زمان أو مكان، ولذلك فمن المستغرب أن تحبس بعض الجماعات نفسها في إطار المشكلات العقدية التاريخية التي جرت بين بعض الفرق الإسلامية، ولا تغادرها إلى تحديات العصر العقدية، فبالله هل من المناسب اليوم أن ننبش تاريخ المعتزلة والجهمية والبعض يضيف الأشاعرة ليصطنع معركة وهمية معهم، على حين يتغافل عن فرق أو اتجاهات فلسفية كبرى أبرزها المادية بتفرعاتها المختلفة: براجماتية وعلمانية ووجودية، أضحت تعبث بأجيالنا اليوم من حيث يدركون أو لا يدركون، بل من المؤسف أن أقول إن بعض زملائنا أساتذة التربية وعلم النفس والاجتماع والعلوم السياسية ونحوهم يسوِّقون لمثل تلك النظريات أو الأيديولوجيات بحسن نية أحيانا كثيرة، لهذا كان لا بد من التجديد سواء في طبيعة أهداف الموضوعات التي تقدم للناشئة أو طلبة العلوم الشرعية، ومحتواها، أم في طرائق عرضها، للوقوف على مدى إفادتها لجيلنا وتحدياته العقدية المعاصرة، بعيداً عن العيش خارج الزمن ومصارعة طواحين الهواء، لنعوض عن التفريط في التحديات العقدية المعاصرة بمثل تلك القضايا (الماضوية) غير المؤثرة اليوم على الجيل والنخبة معاً.
يخطئ كثيراً من يظن أن القاعدة كان لها دور يذكر في التخطيط لثورات الربيع العربي، أو أنها رحبت بفلسفة هذه الثورات، أو أنها دعمتها بالمعنى الأيديولوجي، ذلك أنها على افتراق بيّن معها من حيث فلسفة التغيير
الصراع العلماني الإسلامي كان ولا يزال هو المسيطر على الساحة الفكرية في العالم الإسلامي منذ محاولات الإصلاح الأولى في نهايات القرن التاسع عشر، ألا ترى أن هذا الصراع استنزف كثيراً من طاقات الأمة، وهل هو الساحة الصحيحة للصراع؟ وكيف يحل؟
هذا يؤكد ما ذكرته في جوابي عن السؤال السابق، حيث الواقع أن هناك اتجاهاً في النخبة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية كافة يسعى لإحلال النموذج العلماني بل فرضه بالقوة والعنف إذا اقتضى الأمر ذلك، كما ترى اليوم المشهد ماثلاً في مصر، وحتى النظام المتوحش في سوريا يرفع راية العلمانية صراحة في وجه من يصفها بالقوى الإرهابية والتكفيرية، وقبلهما النظامان السياسيان في تركيا وتونس، وهو حقا ما يدفع لاستنزاف طاقاتنا في صراع خاسر فرضته القوى العلمانية، على حين أن النتيجة في خسرانها واضحة من كل النواحي، وذلك يؤكد أن فتنة العلمانية هي التحدي الأكبر اليوم أمام جيلنا بل أمام ثقافتنا وتربيتنا. لا أريد أن أخوض في صراع تفصيلي حول المصطلحات وما إذا كانت العلمانية من العلم أم العالم (الدنيا)، وإن كان لا مناص من الإشارة إلى ذلك فأكتفي هنا بالإشارة إلى أن دلالة العلمانية (Secularism) المعجمية ليس من العلم (Science) ولكن من الدنيوية (Earthliness)، وعدم الاكتراث بشأن الدين. وحتى من يصر على أنها من العلم فذلك شأنه، ولكني أقول هب أنها كذلك، غير أن ما استقر عليه الأمر في أوروبا، على خلفية النزاع الذي جرى هناك بين الكنيسة والدولة من بعد القرن الخامس عشر الميلادي أنها حركة فكرية اجتماعية سياسية أقصت الدين عن ميدان الحياة، وحصرتها في نطاق الطقوس الدينية الخاصة، وهذا أخف أنواع الفلسفة العلمانية، أما مسلكياتها العملية أحياناً سواء في فرنسا –على سبيل المثال- أم في التجارب التي فرضت على دول إسلامية كتركيا وتونس يوماً، فتتدخل حتى في أخص الخصوصيات الفردية (نموذج غطاء الرأس)، فذلك يؤكد أن الحديث عن علمانية (إسلامية) محض خرافة وجهالة وتزييف مسف للوعي!.

مصطلح «تجديد الخطاب الديني» رغم كثرة استهلاكه، هل ترى أنه بالفعل تجدد هذا الخطاب وتخلص من شوائبه؟ أم أن الطريق ما زال طويلاً؟
ثمة مصطلحات أصيلة لا غبار عليها، كالتجديد والوسطية ونحوهما، لكن توظيفهما أحياناً تم في اتجاه لا ينسجم تماماً مع فلسفة المصطلح أفقدهما تلك الأصالة وذلك التأثير الإيجابي، فمثلاً بدلاً من أن يكون هناك رشد في التعامل مع المصطلح في مقابل ذلك الجمود الذي طبع موقف بعض التقليديين الجامدين، راح -بالمقابل- بعض دعاة التجديد (الجاحدين) يسعى ليتجاوز بعض الثوابت، بحيث لا يفرق بين الثابت والمتغير، ومن ثم يقع في التبديد أكثر منه التجديد، لكن هذا لا يعني أن التجديد لم يتم على نطاق مقدّر في بعض المجتمعات، فقد تمكنت عملية البعث الإسلامي من تحقيق قدر من ذلك، لكنه بالجملة غير كافٍ وغير مرضٍ، لأنه غير مؤثر على المستوى الحضاري.

الأطروحات الفكرية التي حاولت التنقيب عن السبب الفكري وراء تخلف العالمين العربي والإسلامي مثل أطروحات أركون والجابري وطه عبدالرحمن، وغيرهم رغم تنوعها وتضاربها أحياناً، كيف تقيمها؟ ولم بقيت تلك الأطروحات حبيسة المجالس الثقافية المغلقة؟
أولاً لا أرى أن من الدقة وضع مثل تلك الأسماء جميعاً في قالب واحد، مع تقديري لإشارتك إلى تضاربها، لكن لا شك أن أطاريح أمثال طه عبد الرحمن أكثر أصالة وانتماء إلى قيم الأمة وثوابتها وتأثيرها المباشر أو غير المباشر من محمد أركون الذي لا ينتمي إلى منهج الإسلام وفكره الحضاري وفلسفته الأصيلة إلا بالعناوين أكثر منها المضامين، حيث ينطلق من منهج استشراقي هجين، ولذلك لا غرابة أن تراه حبيس إطاره الضيق المحدود، رغم الهالة التي تضفي عليه الدوائر (الإمبريالية الثقافية) في الغرب وأصواتها في مجتمعاتنا، بحيث لا يكاد له أي تأثير يذكر، إلا في أذهان بعض الأسماء الهامشية من النخبة المعزولة عن ثقافة الأمة وأصالتها. إن ذلك يدفع بنا نحو إعادة النظر في خطاب بعض النخب حيث تنفق أزهى مواسم حياتها في النضال من أجل التغيير، ولكن في اتجاه مضاد لاتجاه الأمة وضميرها الجمعي، ومسارها الحضاري، فتنصدم في نهاية المطاف بحقيقة الرفض المجتمعي لأطاريحها، وتكتشف –ولكن بعد فوات الأوان غالباً- أنها كمن يحرث في البحر أو يزرع في الصخر، أو يشيّد بنياناً في الهواء.


 

ليصلك كل جديد عنا ولنكون علي اتصال