التطاول على الدين بين الحوار والقانون

غازي كشميم - جدة
الجمعة 11/04/2014



في ظل الفضاءات المفتوحة، وأمواج الأفكار المتلاطمة لا تبدو أي فكرة أو كلمة عصية على الانتشار والذيوع. فهل أصبحت هذه الحالة مهددة لمسلمات المجتمعات ومقدساتها؟ وهل يبقى المجتمع ساحة مستباحة لسيول الأفكار المختلفة حتى لو قدحت من حمى الأوطان ومقدساتها؟ وكيف يمكن مجابهة حالات التطاول على محرمات الدين وثوابته؟ هل لا بد للقانون أن يتصدى لهذه المحاولات أم لا بد أن يترك المجال للحوار الفكري والنقاش الأكاديمي؟ وأين ينتهي دور الحوار والنقاش وأين يبدأ دور القانون؟ وهل تعيش باقي الدول والثقافات حالات مشابهة من الهجوم على ما تعتقده ثوابت ومقدسات بالنسبة لها؟ هذه الأسئلة وغيرها طرحناها للنقاش على مجموعة من المتخصصين والشرعيين في ثنايا التحقيق التالي:

أوضح المشرف على كرسي الأمير سلطان للدراسات الإسلامية الدكتور خالد القاسم أنه لا بد أن تكون هناك عقوبات وقوانين صارمة لمن يتطاول على المقدسات والشعائر الإسلامية، وأشار القاسم إلى أن التطرف له وجهان كل منهما يقود إلى الآخر، وإذا شعر المسلمون أنه لا يوجد من يحمي شعائرهم ومقدساتهم فإنهم يحسون بنوع من الغبن، وأضاف القاسم: إننا في بلد يعتز بالتوحيد ويدافع عنه فمن الواجب أن تكون هناك أنظمة وقوانين واضحة ورادعة. وعن القضايا الفكرية وما تحمله من تفسيرات وتأويلات قال القاسم: إن الحدود تدرأ بالشبهات، فمن وقع في مثل ذلك فإنه يحاكم ويستوضح منه، والأصل أننا نحسن الظن في الناس. وأشار القاسم إلى أن سب المسلم جريمة فما بالك بسب الدين أو إحدى شعائره. وأوضح القاسم أن مثل هذه التطاولات تعزز الانقسام والتحزب بين أبناء المجتمع. كما أشار إلى أن الرسول عليه الصلاة والسلام جاء إلى المدينة وهناك اختلاف في الآراء والعقائد لكنه جعل وثيقة بين مختلف الأطياف؛ لذلك فمهما اختلفنا فيجب أن لا يكون هناك اعتداء أو تنابز بيننا.
المقدسات واضحة
من جانبه أوضح الكاتب والباحث في التيارات الإسلامية خالد المشوح إن الأمر لدينا واضح جدًا في السعودية، ولا يحتاج إلى سن قانون وإنما إلى تفعيل ما هو موجود، مبينًا أننا دولة إسلامية فبالتالي ترعى مقدساتها بل تطالب بسن قانون دولي للحد من المساس بالمقدسات الدينية، وأوضح المشوح أن ما يحدث من البعض تحت ذريعة حرية الرأي والتعبير ربما يتماشى مع مفهوم دول أو ثقافة أخرى للحرية لكننا كمنتمين للدين الإسلامي أرى أننا ملزمون باحترام هذه المقدسات والوقوف عندها وأنها خط أحمر يجب عدم تجاوزه. وأوضح المشوح أن المساس بالمقدس أمر منضبط لكن تفسير ما هو مقدس وما هو غير مقدس قد يحتمل آراء مختلفة؛ فبعض الناس يرى أن أقوال الأئمة أو بعض الآراء الفقهية مقدسة، وهذا غير صحيح. مبينًا أن ما هو مقدس واضح وجلي ولا يحتاج إلى مزايدات أو تفسيرات.

تفعيل القانون
وأكد الأكاديمي في جامعة أم القرى الدكتور محمد السعيدي إن القانون موجود، والشريعة فيها عقوبات على من يتطاول على الله وعلى رسوله بل وعلى البشر، ونحن بحاجة إلى تفعيله لأنه معطل بقانون المطبوعات والنشر الذي يجعل مآل هذه القضايا إلى وزارة الإعلام، وطالب السعيدي أن تكون اللجنة الإعلامية المختصة بالنظر في مخالفات النشر أن تكون وظيفتها إدارية تهتم بالأخطاء الإعلامية والصحفية مثل اللجان العمالية وغيرها، أما قضايا التطاول على المقدسات وعلى الأشخاص فينبغي أن يؤخذ الحق فيها من القضاء. ورد السعيدي على من يطالب بالرد فكريًا وليس قانونيًا على مثل تلك التطاولات بأن هذا الكلام استغرابي علماني، فنحن لدينا الحرية منضبطة بما لا يخالف كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، وأكد السعيدي أنه إذا كان التطاول على الأشخاص يعد جريمة فكيف بالتطاول على الذات الإلهية أو ذات الرسول عليه الصلاة والسلام. وعن ما يمكن أن يحتمل تأويلات فكرية قال السعيدي: إن القضاء هو من يحكم على التأويل وما إذا كان سائغًا أم غير سائغ، كما طالب السعيدي بالابتعاد عن العبارات المحتملة للتأويل في ذات الله تعالى وذات الرسول عليه الصلاة والسلام وما يتعلق بالكتاب والسنة. وأوضح السعيدي أن الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات، فعلى الإنسان أن يعمل بالحلال من الألفاظ، ويترك الحرام والمشتبهات من الألفاظ.

نقاش فكري
ويرى أستاذ الثقافة الإسلامية بكلية الشريعة في الأحساء الدكتور عبداللطيف الحسين أن التطاول على المقدسات بحاجة إلى مسارين؛ مسار الحوار والنقاش الفكري، ومسار الحماية عن طريق فرض عقوبات من قبل جهة نظامية أو شرعية. وعن الدراسات والأبحاث الأكاديمية التي قد يفهم منها تطاول على بعض المقدسات أو الشعائر قال الحسين: إنه يفضل أن تناقش مثل هذه القضايا نقاشًا علميًا وفكريًا من غير إقحام للقانون أو العقوبات إلا في حدود ضيقة جدًا، وهي التي تمس قضايا ذات قداسة كبرى، ويشير الحسين إلى عدم تضييق جوانب الحوارات والنقاشات الفكرية لا سيما وأننا في عالم مفتوح تغيرت فيه الأحوال واستجدت أمور كثيرة ينبغي مراعاتها. وأكد الحسين أن الحوار والمناظرة هي الأصل في تناول القضايا الفكرية.

محرمات لكل مجتمع
وفي ذات السياق قال الأستاذ المساعد في كلية الشريعة بالأحساء الدكتور غازي المغلوث: إن كل مجتمع له محرماته التي ليست بالضرورة دينية، كما هو الحال في فرنسا مثلًا التي تعتبر موضوع الحديث عن المذابح اليهودية من المحرمات ومن يتعرض لها يتعرض للمحاكمة مباشرة، وكذلك طرح فكرة الشيوعية في المجتمع الأمريكي تعتبر من المحرمات. وأكد المغلوث أن كل مجتمع له مقدساته سواءٌ رضيت بها الأقلية أم لم ترضَ، مشيرًا إلى أنه في كل مجتمع توجد قلة لا تعتبر بالمقدسات وعندها استعداد للتطاول. وقال المغلوث: إنه إذا اتفق الأكثرية في أي مجتمع على أن قضية ما هي من المقدسات وتعمل على تربية أبنائها عليه فلا ينبغي أن تأتي قلة من الناس وتتطاول على هذه المقدسات، وألمح المغلوث إلى أن كون هذه الأقلية لا ترى في تلك القضايا أنها من المقدسات فهذا شأنها لكنها لا ينبغي أن تتطاول وتخرج على وسائل الإعلام وتعلن نهارًا جهارًا تطاولها على المقدسات، موضحًا أن القيام بذلك يعد رعونة وحماقة لأن أي شخص عندما يذهب إلى أي مجتمع غربي أو غيره لا يستطيع أن يتطاول على مقدساتهم وقيمهم لأنه سيعرض نفسه للمحاكمة. وقال المغلوث: إن الدراسات والأبحاث حتى لو كانت تناقش قضايا المقدسات فإن مجالها أروقة الجامعات والمؤسسات العلمية، وحتى تلك الأبحاث فإنها لا تتطاول وتشتم وتنتقص من المقدسات.



 

ليصلك كل جديد عنا ولنكون علي اتصال