الجمعة 25/04/2014
غازي كشميم- جدة
تشهد مجتمعاتنا العربية والإسلامية العديد من الصراعات البينية بمختلف أشكالها الفكرية والدينية والقبلية، بل وحتى الرياضية. وفي ظل هذه الصراعات تظهر العديد من شرائح المجتمع لتلعب دورًا ما في هذه الأحداث، وفي مقدمة تلك الشرائح شريحة المثقفين والنخب الفكرية والإعلامية، فما الدور الحقيقي الذي تلعبه هذه النخب في تلك الأحداث؟ وهل تنحى منحى إيجابيًا توجيهيًا أم منحى تأجيجيًا للصراع وعناصره؟ وما الدور المرتقب من المثقف في حل مشكلات الواقع وصراعاته البينية؟ هذه الأسئلة وغيرها نحاول الإجابة عليها في ثنايا التحقيق التالي:
قال راعي إحسائية المغلوث الثلاثائية الأدبية بالأحساء الدكتور عبدالله المغلوث، إن المثقف الحقيقي يظهر عند المحكات الواقعية، التي تظهر نضج ثقافته ومنهجه، وأوضح المغلوث أن المثقف الحقيقي يلعب دورا إيجابيا في ما يمكن فعله في مسار الأحداث والمشكلات الموجودة في المجتمع، مضيفًا أن هناك اتجاهات سلبية لدى بعض المثقفين تؤجج وتثير المجتمع وهم بذلك يتعدون حدود الثقافة ومهمتها التي توضح القضايا والحقائق ولا تؤزمها وتؤججها. وعن اصطفاف بعض النخب الثقافية قال المغلوث: إن ذلك يعود إلى ميول المثقف واتجاهاته، مبينًا أن على المثقف الاطلاع على جميع المعلومات والحقائق قبل أن يصطف أو يتبنى أي رؤية مصطفة إلى جانب معين.. وأوضح المغلوث أن تواصل المثقفين وتفاعلهم مع وسائل التواصل الاجتماعي جعلهم كأداة وسلاح ذي حدين.. وأشار المغلوث أن من المثقفين من يغلب ميوله الشخصية واتجاهاته ويدافع عنها على حساب الحقيقة بشتى الطرق، وهو بذلك قد ينزل لمستوى عامة الناس حتى يجعل قضيته أكثر إثارة حتى لو لم تكن منطقية.. وأكد المغلوث أنه في حالة تغليب المثقفين لمصالحهم الشخصية على حساب الثقافة فإن تلك الثقافة تصبح ثقافة ذات مصلحة وليست ثقافة حقيقية.. وقال المغلوث إن الثقافة ذات المصالح لا تخدم الثقافة، وإنما تخدم من يوجهون تلك المصالح، كاشفًا أن المثقف أصبح أداة لتوزيع التوجهات ونقلها إلى الآخرين.. وعما يرسمه المثقفون من واقع وردي وخيالي في حين أن الواقع يموج بعكس هذه النظرات المثالية أوضح المغلوث أن المثقف لم يستطع حتى الآن أن يرسم واقعًا يتطلع إليه القارئ وعامة الناس رغم ما يرسمه من صور وردية وجمالية.
الثقافة تهذيب
وأكد الكاتب الصحفي عبدالله الكعيد أن دور المثقف أن يساعد في توجيه الرأي العام بشكل حقيقي وصادق لا أن يؤجج الأزمة بأي شكل من الأشكال، وأضاف الكعيد أن تأجيج الأزمات ليس من دور المثقف أو الأديب أو الفنان، وبالتالي فإن من يؤجج النار هو قطعًا غير مثقف بأي حال من الأحوال، واصفًا أن من يؤجج النار في الأزمات إنما هو صاحب مصلحة أو مغيب العقل أو غير واع.. وأكد الكعيد أنه لا يوجد حراك إنساني بدون أن يوجد هناك من سماهم (متمصلحين) من هذا الحراك، مشيرًا إلى أن دوائر مثل الفكر والثقافة والأدب والفن لا بد أن يكون فيها دخلاء، لكنهم لا يشكلون القاعدة الأساسية ولا الصوت الأعلى في هذا الحراك.. وكشف الكعيد أن أي شخص لديه مصلحة فلا بد أن يركب أي موجة مرتفعة سواء موجة ثقافية أو فكرية أو سياسية أو تجارية.. وعن هبوط مستوى بعض النخب الثقافية والإعلامية في حواراتها لدرجة السب أو الشتم رد الكعيد بأن هذه النخب ينقصها الوعي، موضحًا أنه ليس كل متعلم أو أكاديمي أو مثقف يعتبر واعيا لأن الوعي بحسب الكعيد قيمة إنسانية كبيرة لا يعيها إلا الإنسان الناضج فكريًا، لذلك فعندما يهبط مستوى الحوار بين النخب الثقافية والفكرية فيمكن تسمية هؤلاء بأنهم واجهة أو مجرد شكل أكثر منه جوهر، وقال الكعيد: إن من لا تهذبه الثقافة فليس بمثقف.
الموجه والمؤجج
بدوره قال مشرف منتدى الذكير الثقافي فهد الذكير إن دور المثقف في الوقت الحالي وأزماته انتقل من دور الموجه إلى دور المؤجج لتلك الأزمات، مشيرًا إلى الضعف الذي أصاب النخب الثقافية في حل أو المساهمة في حل المشكلات، وعزا الذكير هذا الضعف إلى غياب الأرضية الثقافية، التي يقف عليها المثقف في الوقت الراهن، إضافة إلى اعتبار المصالح الشخصية لدى المثقف، والتوجهات الأيديولوجية، التي تجعل المثقف يغرد مع سرب معين وفي اتجاه محدد بغض النظر عن الاتجاهات والجوانب الأخرى، وأشار الذكير إلى ضعف معالجة المثقفين للأزمات والمشكلات الثقافية والفكرية والاجتماعية، مبينًا أن غالب معالجة المثقفين لتك القضايا تقتصر على زوايا محددة، وكشف الذكير عدم الاستقلالية لدى بعض المثقفين، بحيث يطرح غير ما يطرحه الآخرون لذلك يلجأ بعضهم إلى مشابهة الآخرين في أطروحاتهم.وأكد الذكير أن بعض المثقفين يسير خلف ما يريده الجمهور وعامة الناس بخلاف الدور المرجو منه، والذي يقتضي النهوض بالواقع وعامة الناس ويعطيهم الجوانب الغامضة والخفية من المشكلات والأزمات، وأشار الذكير إلى بحث المثقف الحالي عن الجماهيرية والأتباع لذلك تجده يحاكي الجماهير بلغتهم وتفكيرهم مما يفقده مستواه الثقافي وربما الأخلاقي ويتورط في لغة غير لائقة من الشتيمة والسباب.. وأكد الذكير على خطأ المثقف حين يبحث عن الجماهيرية والشعبية على حساب الرؤية الرصينة والعميقة.. وعن الفجوة بين ما تطرحه النخب الثقافية والفكرية من مثاليات وما هو موجود على أرض الواقع أوضح الذكير أنه ليس على المثقف أن يطرح مثاليات ونماذج عالية جدًا، لكنه أيضًا لا يهبط بمستوى الحلول الثقافية والفكرية للأزمات إلى مستوى متدن، وإنما يطرح طرحًا مرتفعًا عن أزمات الواقع ومشكلاته ومتدرجًا في ذات الوقت يتقبله الواقع ويستطيع الناس تطبيقه، حتى إذا ما تبنى المجتمع هذه الرؤية الواقعية في مرحلة ما يستطيع أن يبني عليها رؤية أكثر نضجًا ومثالية من سابقتها وهكذا.. وعن ارتباط المثقف بالمصالح الشخصية وتأثيرها على صورته لدى الجمهور أكد الذكير أن هذه المصالح الشخصية تؤثر على نظرة الجمهور له بكل تأكيد، لاسيما أن المتلقي في الوقت الحالي غير المتلقي في الزمن الماضي، مبينًا أن المثقف الآن أصبح مكشوفًا للعامة ويستطيعون اكتشاف المثقف الصادق من المثقف، الذي يبحث عن مصالحه الشخصية، مشيرًا إلى أن المتلقي أصبح يشك في المثقفين الجدد خشية أن يكون من أولئك المثقفين أصحاب المصالح الشخصية.
النزاعات البينية
من جانبه قال مشرف ملتقى السيف الثقافي محمد السيف: إن دور المثقف هو حماية ورعاية الوحدة الوطنية في البلاد، مشيرًا إلى وظيفة المثقف في كشف ما يتعرض له المجتمع من حملات تستهدف وحدة البلاد.. وعن دور المثقف في الصراعات الفكرية قال السيف: إن على المثقف حماية المجتمع من النزاعات البينية في كل شرائح المجتمع قبل أن تتدخل الأنظمة والقوانين في هذه النزاعات. وأوضح السيف أن النخب الثقافية لا تنزل بمستواها الأخلاقي والفكري إلى مستوى السباب والشتائم، وإن وجدت هناك مجموعات متسلقة حول النخب الثقافية أو ممن يدعون أنهم جزء من المؤسسة الثقافية، أما النخب الثقافية الحقيقية فلا يستطيع أي أحد أن يقودهم إلى الخصومة القائمة والخلافات الموجودة، كما أنهم لا يمكن أن ينزلوا إلى المستنقع، الذي نشهده في بعض الساحات الثقافية أو الفكرية المختلفة، وأشار السيف إلى أنه من الطبيعي أن يوجد هناك أناس محسوبون على الساحة الثقافية لكنهم غير مؤهلين فعليًا لأن يكونوا نخب ثقافية موجه للمجتمع. ورفض السيف تسمية أصحاب المصالح الشخصية بالمثقفين واصفًا إياهم بالمنتفعين، الذي ينتفعون ببعض المعارف والمعلومات، التي لديهم ويحاولون التسلق من خلالها.. مؤكدًا أن المثقف يحمل رسالة وقيم ومبادئ ولا يسمح لنفسه أن يبيع قيمه ومهامه في حراسة الثقافة وتطويرها من أجل مصالح شخصية.وأشار السيف إلى أن ما نشهده في بعض الساحات الفكرية والثقافية لا يمكن أن نسميه ثقافة أو نسمي من يتعاطونه مثقفين غير أن هذه الحالة صحية ومفيدة لأنها تفرز الغث من السمين، ويمكن أن تبرز من خلال هذه المجموعات نخب ترقى إلى المستوى الثقافي، الذي تنشده الساحة الثقافية، أما النخب الأخرى فستهبط وتسقط في المحاور التي تدور حولها سواءً منافع أو خصومات أو حسابات شخصية أو غيرها.
وأكد السيف أنه في ظل الأزمات فإننا لا نستغرب مثل هذه الظواهر، مشيرًا إلى أن هناك من المثقفين من يعطي الثقافة من قوت عياله.

