لماذا لا يزال بعض الشباب يذهبون إلى مناطق الصراع؟!

غازي كشميم - جدة
الجمعة 02/05/2014

لماذا لا يزال بعض الشباب يذهبون إلى مناطق الصراع؟!


لماذا لا يزال بعض الشباب يذهب إلى مناطق الصراع رغم القرارات والعقوبات الصادرة مؤخرًا بحق من ينتمي، أو يلتحق بجماعات العنف؟ وكيف يمكن مواجهة استهداف السعوديين عبر الإنترنت وتويتر خاصة مع عدم القدرة على حجب بعض الحسابات المحرضة؟ وما هو تقييم القائمين على برامج التوعية الفكرية لهذه التجربة؟ وما مواطن الضعف ومواطن القوة في تلك البرامج التثقيفية بعد تجربة دامت قرابة العقد من الزمان؟ هذه الأسئلة وغيرها طرحناها على عدد من المهتمين والمختصين بقضايا المواجهة الفكرية وبرامج الأمن الفكري ضد الإرهاب والتطرف في ثنايا التحقيق التالي:

في البدء كشف مدير حملة السكينة الدكتور عبدالمنعم المشوح أن الشباب السعودي ليس هو أعلى نسبة ضمن الدول المشاركة، مشيرًا إلى أنه قد سجّلت جميع المؤشرات انخفاضًا واضحًا في اشتراك السعوديين ضمن جماعات متطرفة في مناطق الصراع مع تسجيل توبة، ورجوع عدد كبير منهم، وقال المشوح إن مسألة ذهاب بعض الشباب يُعدُّ أمرًا طبيعيًّا -وإن كان غير مرغوب ومخالفًا شرعًا- لكن حدوث مثل هذا طبيعي؛ لأننا ببساطة لم نُطلق منظومة فكرية توعوية شاملة يشترك فيها الجميع؛ وأوضح المشوح أن الجهات المحرّضة استفادت من تجربة أفغانستان والعراق، ونحن للأسف نكرر نفس الأخطاء في التعاطي الفكري مع الإرهاب.
المواجهة بالتوعية
وعن كيفية مواجهة استهداف السعوديين عبر الإنترنت وتويتر خاصة مع عدم القدرة على حجب بعض الحسابات المحرضة أكد المشوح أن العلاج في الوقاية بتكثيف التوعية، وأوضح المشوح أن شبكات وخلايا التحريض والفتنة تسبقنا في الوصول إلى بعض الشباب، مبينًا أن المواجهة عملية تكاملية لا بد أن تتم تحت مظّلة أهداف واحدة. وكشف المشوح عن غياب هذه الآلية، وقال إن ما نملكه جهود ذات خبرة تراكمية مشتتة، تقوم بمهمة رائعة ومؤثرة، لكنها لا توازي الواقع والمطلوب. وتحدث المشوح عن البرامج الفكرية التي أعدت لمواجهة التطرف فكريًّا خاصة ما تقوم به وزارة الشؤون الإسلامية للتوعية العلمية والفكرية وبعض البرامج الأخرى، مؤكدًا أن مبدأ التوعية والتوجيه الفكري والعلمي مبدأ شرعي قويم وهو ضرورة في الفتن والتعامل مع المشكلات سواء الفكرية أو الدينية أو الاجتماعية وغيرها؛ لأن منشأ هذه الانحرافات هو انحراف في الفهم أو التطبيق من خلال التعامل مع المضمون الفكري والشرعي، والله سبحانه وتعالى يقول: «كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ»، مؤكدًا أن دعوة هؤلاء الغلاة إلى الحق والخير والوسطية من المعروف، ونهيهم عن ممارسة الجرائم الدينية والفكرية والميدانية من أعظم أبواب النهي عن المنكر. وأكد المشوح أنه من خلال ممارسته لمدة عشر سنوات في التعاطي مع الجماعات المتطرفة لمس أن برامج التوعية والتوجيه والحوار أثرت فعليًّا في بُنية الفكر الإرهابي، وكانت سببًا واضحًا في إحداث شرخ في التعاطف مع هذه الجماعات، بالإضافة إلى سلسلة المراجعات الفردية والجماعية، وعلى الرغم من تأكيده أن النتائج ليست في المستوى المأمول، لكننا نواجه (فكرًا)، والفكر ليس من السهل تغييره أو تبديله أو إذابته، خاصة وأنه فكر ترسّب على مدى سنوات، وعبر عدة قنوات، مشددًا على أن التأثير واقع وملموس، ويحتاج إلى قياس فعلي، فقد نجحت هذه البرامج في طرح الرؤية الشرعية الصحيحة والوسطية في مسائل النوازل والمشكلات، كما نجحت في بناء (فكر توعوي) يواجه الإرهاب علميًّا وفكريًّا، بالإضافة إلى نجاحها في إدارة محتوى شرعي علمي قوي ومتين، يُمكن أن يهدم مذاهب الغلاة وأفكارهم كما يمكن أن يكون مُنطلقًا شرعيًّا وعلميًّا لمناقشتهم وكشف شبهاتهم.

أهمية النقد
وأكد المشوح على أهمية النقد لتقويم وتطوير التجربة، كاشفًا أن فريق العمل في حملة السكينة غير راضين عن بعض الجوانب، ولم ننجح كذلك في جوانب أخرى، متمنيًا أن تهتم الجهات العلمية المعنية بدراسة واقع البرامج وتقويمها وتطويرها إداريًّا وعلميًّا، وأن تكون هذه العملية واقعية وفعلية، وليست تنظيرية مثالية لا يمكن تطبيقها. وأضاف المشوح أن من جملة ما يحتاج إلى تطوير وتدارك في البرامج التوعوية -خاصة تلك التي عمل واطلع عليها- عدم التنسيق، فهناك تنوع وتعدد في البرامج وهو مطلوب في المعالجة، لكن لابد أن يخدم هذا التنوّع أهدافًا محددة وواضحة. كما أشار المشوح إلى الضعف التخطيطي لهذه البرامج، فالخطط الإستراتيجية مهمّة في تصوّر التعامل مع المستجدات. وكشف المشوح عن ضيق دائرة المُشارَكَة، فأغلب البرامج تدور حول شخصيات محددة، مطالبًا بتوسيع الدائرة وإشراك أكبر قدر ممكن من المهتمين الأمر الذي يُجدد الآليات ويُضيف أفكارًا جديدة. كما شدد المشوح على ضرورة مواكبة المُستجدات التقنية، لأن التقنية تحتاج إلى منظومة متغيرة مُتجددة مُستعدة للتطوّر وتتعاطى مع الواقع بشكل سريع. وأكد المشوح أن هذه الملحوظات العامّة لا تقلل من شأن البرامج التوعوية؛ لأن أغلب النقص الموجود في البرامج هو من ضعف قناعة المشرفين عليها، أو الجهات المسؤولة عنها فدائمًا لا ننظر إلى أهمية ما نملك في حين تجاربنا أصبحت محط أنظار العالم.

التحليل العميق
من جهته بين القاسم أن استمرار ذهاب بعض الشباب إلى أماكن الصراع يؤكد أن القضية ليست قضية بيانات وقرارات رسمية أو عقوبات صارمة لا سيما وأن الشباب الذين يذهبون إلى القتال خارج المملكة يذهبون بدافع الشهادة ونيل الجنة؛ لذلك فالقضية تحتاج إلى معالجة من نوع آخر إلى جانب المعالجة القانونية والتحذيرية، وألمح القاسم إلى أهمية المعالجة التربوية لأبنائنا الذين وقعوا فيه مثل هذه المشكلات، وأهمية بناء الثقة بيننا وبينهم، مشيرًا إلى أن الشباب الذين يذهبون أو يحاولون الذهاب إلى هناك لا يثقون بنا، بل يذهبون إلى مواقع مشبوهة. وأوضح القاسم أن المشكلة ليست في المناهج الدراسية والتربوية رغم ما قيل عنها، وإنما المشكلة معقدة وتحتاج إلى مزيد من الطرح المعمق.

الطبيعة المتدينة
وفي ذات السياق عزا المدير العام للتوعية العلمية والفكرية في وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد وعضو لجنة المناصحة الفكرية الدكتور ماجد المرسال عزا استمرار ذهاب بعض الشباب السعوديين لمعاقل الصراع إلى طبيعة المملكة وطبيعة شعبها المتدين، والذي تطرح عليه قضايا الجهاد وغيرها من خلال نصوص شرعية لا تفسر تفسيرًا صحيحًا، ولذلك تستغلها بعض الجماعات. وأضاف المرسال أن من الأسباب أيضًا ضعف الوعي السياسي لدى الشباب الذين يذهبون إلى أماكن الاضطراب، ولا يعرفون شيئًا عن تلك الأماكن ولا عن من يحارب فيها والأهداف السياسية التي تقف خلفهم، وبالتالي يكونون ضحايا لجهات استخباراتية. وكشف المرسال عن نوع من الخطاب يوجه لأولئك قد يكون سببًا من أسباب هذه المشكلة، وهو الخطاب العام الذي لا يحلل الظاهرة تحليلاً عميقًا؛ لأن الشاب لا يستجيب للخطاب أو الفتوى ما لم تكن مقنعة أو مبرهنة وموثقة وموضوعية.



 

ليصلك كل جديد عنا ولنكون علي اتصال